ارشيف من : 2005-2008
صحيفة لكل 200 مواطن.. و"ثقافة بالكيلو"!!
كتب فضل عطاونة
تعاني الخليل، شأنها شأن محافظات الوطن الأخرى، بل والأمة
العربية بأسرها، من أزمة ثقافية أدت إلى ركود اجتماعي وكساد ثقافي بفعل عوامل عديدة، داخلية منها وخارجية.
ولعل "أزمة الثقافة" بمفهومها العام، وتحديداً "أزمة القراءة" التي تعصف بأكثر من نحو 600 ألف نسمة يشكلون عدد سكان المحافظة، واحداً من الملفات الساخنة التي قد تكون طوتها ملفات سياسية أكثر سخونة، والتي ارتأت "وفا" البحث في غماره، رغم ما قد يعتبره البعض من أن تناول هذا الموضوع، يعد ترفاً إعلامياً، في ظل المشكلات التي يواجهها الشعب الفلسطيني.
ارتأينا فتح هذا الملف، وفقا لبعض المعطيات المتوفرة، ولرؤى بعض أصحاب الاختصاص، بما يجيب على السؤال المركزي : "ما الذي أودى بنا الى هذا المستوى من السير إلى الوراء بعد إن قدنا العالم قرونا وقرون؟!" وبما يؤشر على مكامن الخلل، ويساهم في الخروج من "المأزق"ويجنب مجتمع المحافظة "النامي" من مخاطر التخلف ويمكنه باللحاق بركب المجتمعات المتقدمة.
"ان العوامل الداخلية - التي يمكن التغلب عليها - قد أثرت سلبا في جملة النكوص الثقافي بما لا يقل عن دور العوامل الخارجية"، هذا ما يقوله يوسف الترتوري الناشط الثقافي ومدير مكتب وزارة الثقافة بالخليل.
ويضيف: "أن البنية التحتية للفعل والإنتاج الثقافي تكاد تكون معدومة، وفي حال توافر بعضها تبرز أسباب أخرى تحول دون الإنتاج والفعل الثقافي المؤثر ، ويقف على رأس هذه الأسباب غياب التمويل وقلة الخبرات ونكوص بعض المثقفين والمبدعين أمام سطوة الحياة وطغيان المعيشة الأمر الذي أضعف إيمان هؤلاء بدورهم ورسالتهم، أو تحولهم للعمل في مواقع أخرى أكثر رحابة وإمكانية في استيعاب وتأمين لوازم الإنتاج وأدواته".
ويشير " الترتوري " في معرض استعراضه للمسببات التي أودت بنا الى هذا المستوى من السير الى الوراء، الى ان السلطة الوطنية الفلسطينية ومنذ إنشائها ورثت أرضا بورا بعد سنوات الاحتلال الذي أمعن في محاربة العمل الثقافي وأنشطته الجماهيرية باعتباره أحد مقومات وعوامل الصمود وتعميق الهوية الوطنية لأبناء شعبنا، يضاف إلى ذلك جملة الممارسات القمعية من إغلاقات وحواجز حالت دون التواصل الثقافي مما ساهم في تراجع وضعف العمل الجماهيري.
ومن بين أهم العوامل الأخرى - بحسب الترتوري - انشغال الناس بمشكلات الحياة اليومية المعيشية وطغيان السياسي على الثقافي الأمر الذي ساهم في إبعاد الجمهور عن ممارسة حياته الطبيعية وتلقي الإنتاج الثقافي والتفاعل معه، وخلق فجوة واسعة بين الرؤيا الثقافية وطريقتها في تشخيص المشكلات والهموم والرؤى الأخرى - خاصة السياسية منها - التي خلقت إنسانا متلقيا لأفكار وتصورات تصدر عن أحزاب شمولية تقدم قوالب جاهزة، تريح البسطاء وتقيهم من التفكير النقدي والعمل نحو التغيير.
وفي إجابة على سؤال إذا ما كان " التمويل " قد لعب دورا فيما نشهده من نكوص ثقافي، اعتبر "الترتوري" احد مؤسسي جمعية العنقاء، أن غياب التمويل أحد أهم الأسباب التي أدت إلى غياب وقلة الإنتاج الثقافي في محافظة الخليل، فالسلطة، متعثرة ماليا، فلا هي أنتجت ثقافة ولا دعمت الإنتاج ضمن إمكانياتها المحدودة ومما زاد هذا المأزق اتساعا ضعف دور المجتمع والمؤسسات الاقتصادية والأهلية العامة وإحجامها عن مساندة الفعل والعمل الثقافي.
وأشار مدير مكتب وزارة الثقافة بالخليل، الى أن وزارة الثقافة قد منحت الرخص اللازمة للمؤسسات والجمعيات الأهلية الثقافية ، وبعض الدعم المالي اليسير إلا أن ذلك لم يساهم في تجاوز المشكلة وإحداث التغيير المرجو ، حيث ساهمت عوامل عدة في جمود فعل هذه المؤسسات الفتية ، ويقف على رأس هذه الأسباب غياب التمويل والدعم المحلي والدولي لهذه الجمعيات، وقلة الخبرات العامة سواء في تجنيد الأموال أو التنشيط والإنتاج، باستثناء عدد محدود استطاع الوصول إلى الجهات الداعمة وهي في أغلبها جهات دولية، بعضها يعمل وفق أجندته الخاصة البعيدة عن هموم وتطلعات شعبنا.
وشدد "الترتوري"على أن غياب التوجيه وتبادل الخبرات وعزوف الجمهور عن القراءة والمعرفة، وطغيان الفضائيات وعدم احترام الكتاب قد أدى إلى تفاقم هذه المشكلة وغياب الفعل الثقافي الجماهيري والقدرة على التأثير والتنوير، وبالرغم من وجود عدد من المكتبات العامة في المحافظة إلا أن عدد مرتاديها لا يتعدى بضع مئات من الكبار والأطفال، فالمجتمع يعاني من أزمة قراءة يمكن تجاوزها بالتدريب وتحريض الأطفال منذ الصغر على التعامل مع الكتاب ضمن خطط وطنية ومدرسية ومنزلية تسير جنبا إلى جنب في خطوط متوازية، باعتبارها أهم وسائل المعرفة والتثقيف.
وستظل الفرصة دائما سانحة لتفعيل دور وأثر الحياة الثقافية بين الناس، حيث أن العديد من المعيقات يمكن التغلب عليها بالمثابرة والإيمان بأهمية رسالة الثقافة في حياة ومستقبل الوطن والناس.
وفيما إذا كانت أزمة القراءة شأنا فلسطينيا خالصا، بسبب خصوصية الأوضاع الفلسطينية ووجود الاحتلال، أكدت الشاعرة سميرة الشرباتي، إن أزمة القراءة والقراء هي أزمة عربية بصورة شمولية، ولذلك هناك أسباب متعددة قد تكون أدخلت الجميع الى سرداب مظلم!، أولها وإن لم يكن أهمها هو الإحتلال, الذي فرض منذ سنواته الأولى علينا نحن كفلسطينيين حصارا ثقافيا، من خلال حرماننا قوت العقل ألا وهو الكتاب، وذلك عبر منع إدخال الكتب العربية أو الأجنبية الى أرضنا, ومن خلال مصادرته لكل كتاب لا يرضى عنه في مكتباتنا المدرسية أو المكتبات العامة، كما أن القراءة عندنا لم تعد عادة نعتادها منذ الطفولة، وهي عادة يتحمل مسؤوليتها الأبوين والمدرسة معا، فالمكتبات في المدارس -بحسب الشرباتي - (ديكورا) والبرامج المدرسية خالية من حصة تخصص أسبوعيا للمكتبة.
واعتبرت "الشرباتي" إن التغلب على أزمة القراءة والقراء، والثقافة والمثقف، إنما يكمن في تفعيل المراكز الثقافية وإقامة الندوات والأمسيات الأدبية والمسابقات التي تحفز ذوي القدرات على مواصلة العطاء، وتفعيل اتحاد الكتاب وذلك بتأسيس فروع له في كل مدينة لتقوم بدورها في نشر الثقافة عن طريق حوارات ومناقشات شهرية على اقل تقدير، وبتبني وزارة الثقافة للمبدعين ونتاجهم وتسويقه داخليا وخارجيا، وبتحمل الأسرة والمدرسة لدوريهما في هذا المجال.
من جانبه، اعتبر عماد النتشة مدير مكتبة بلدية الخليل، إحدى اكبر المكتبات في المحافظة،وإحدى أقدم واعرق مكتبات بلديات الضفة الغربية، "إن تطور وسائل الاتصال والأعلام وانتشارها، قلل من الاعتماد على الكتاب للحصول على المعلومة، وحيث بات يشارك الكتاب، الفضائيات و الانترنت حيث يستطيع القراء الحصول على المعلومة بسرعة هائلة، كما أن الوضع السياسي في المنطقة جعل الأفراد، بصورة أو أخرى، يلجؤون لقراءة النشرات السريعة و الجرائد اليومية لمتابعة الأمور السياسية أكثر من رغبتهم بالقراءة العامة".
ونوه النتشة، الى ان المكتبة ألتي كانت تأسست قبل 36 عاما بـ 5 آلاف كتاب، وصل عدد الكتب فيها إلى 22 ألف كتاب عام 1994 والى 48 ألف كتاب ومرجع حتى العام الحالي، إضافة إلى 70 ألف دورية وصحيفة يومية ، فيما تحوي المكتبة الجنوبية من المدينة على 12 ألف كتابا مختلف.
رواد لمكتبة بلدية الخليل ممن التقتهم "وفا" بصورة منفصلة، أشاروا من جانبهم ، الى انه وبالرغم من الجهود التي تبذلها البلدية لرفد مكتبتها بمزيد وبالجديد من الكتب، إلا إن رواد المكتبة يظلوا محدودين ويقتصرون على بعض من الطلبة والاكاديمين والباحثين. وتظل آلاف الكتب ينفثها الغبار !!
ورأى الصحافي فوزي الشويكي صاحب مكتبة "الفجر للصحافة والإعلام" أن انتشار الفضائيات، والتلفزة والإذاعة المحلية على وجه الخصوص في الخليل وانتشار صحافة الانترنت وانعدام الثقة بالمستقبل السياسي، إضافة للعوامل المادية والاقتصادية، مسببات جميعها لعبت دوراً هاماً في النكوص الثقافي وانحسار عادة القراءة، مشيراً الى الأحداث الاجتماعية والرياضية باتت الأكثر جذباً للقراء من الأحداث السياسية.
وتوزع الصحف الفلسطينية الثلاثة (القدس ، الأيام ، الحياة الجديدة) بحسب "الشويكي" - أحد أبرز الموزعين في المحافظة أقل من ثلاثة آلاف عدد يوميا فقط ، يشتريها مؤسسات تجارية ومهتمون وناشطون رياضيون، وذلك من أصل ثلاثة آلاف وخمسمائة عدد تصل المحافظة، فيما توقفت العديد من الدوريات والمجلات عن الصدور ، ما يعكس حالة الانحسار الثقافي وانحسار عادة القراءة لدى مجتمع الخليل.
ويدلل "الشويكي" عل ذلك بالقول:" أن عدد المجلات والصحف الدورية (الشهرية،نصف الشهرية،الأسبوعية) بمختلف أجناسها لا توزع أكثر من ثلاثين عددا في الشهر الواحد ،فيما لا توزع صحيفة "كل العرب" الأسبوعية واسعة الانتشار أكثر من مئة وعشرون عددا من أصل ألف وخمسمائة عددا كانت توزع في عهد انتفاضة 1987، وقبل انتشار ثقافة الانترنت، حيث تباع باقي الصحف والدوريات "المسترجعة" بالكيلو لاستخدامات الطعام والتنظيف وغيرها.
ولخص الصحافي "الشويكي" رؤيته في هذا المجال بالقول أننا مجتمع غير قارئ وأن الوضع العام في هذا الصدد هو وضع محبط !!.
المصدر: وكالات ـ وفا
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018