ارشيف من : 2005-2008

الانتقاد تحاور الكاتب فيصل جلول بمناسبة صدور كتابه "مصر بعيون الفرنسيس"

الانتقاد تحاور الكاتب فيصل جلول بمناسبة صدور كتابه "مصر بعيون الفرنسيس"

ـ لا بد من الرجوع عن خطأ تاريخي ارتكبه العرب بحق ابن رشد.‏

ـ الثقافة السياسية العربية تكونت في مصر بتأثير من حملة بونابرت العسكرية والثقافية.‏

أجرى الحوار : نضال حمادة‏

"مصر بعيون الفرنسي ـ بحث في أصول الثقافة السياسية العربية" كتاب جديد للزميل فيصل جلول صدر عن الدار العربية للعلوم في بيروت وعن دار مدبولي في القاهرة. يضم الكتاب نصوصا فرنسية تتحدث عن مصر منذ حملة بونابرت عام 1798 وحتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر عام 1970 ويتحتوي على قراءة مخالفة للنصوص الفرنسية. ويرى الكاتب في القسم الاول من كتابه ان الثقافة السياسية في مصر تأسست على وعي هرمي كان للفرنسيين الاثر الاكبر فيه ويعتبر ان هذا الوعي الهرمي هو المسؤول عن بؤس الثقافة السياسية في مصر اولا والعالم العربي عبر مصر وهنا لقاء مع المؤلف:‏

الانتقاد ـ لماذ اخترت النصوص الفرنسية المنشورة في الكتاب دون غيرها؟‏

فيصل جلول ـ اخترت هذه النصوص لانها معبرة عن كيفية التعاطي مع احداث مصرية مهمة بعيون وتفكير فرنسي وهي ليست حصرية في هذا المجال حيث يمكننا العثور على الاف النصوص الاخرى لكن لا بد من الاختيار وقاعدة الاختيار التي اعتمدتها تستند الى مقاييس من بينها سهولة الاضطلاع عل النص من طرف قراء غير متخصصين.وحجم النص وكون الكاتب شاهدا او خبيرا في موضوعه وكون النص يتناول حدثا مصريا فاصلا ثم اهمية كاتبه وموقعه في بلاده وفي العالم العربي.‏

الانتقادـ ما الذي تقصده بالوعي الهرمي في القسم الأول من الكتاب؟‏

فيصل جلول ـ الاجابة التفصيلية عن السؤال يجدها القاريء في الكتاب وهنا اكتفي بالقول ان مصر شهدت مع حملة نابليون بونابرت نوعين من الغزو الاول عسكري وقد انتهى اثره بهزيمة الحملة وهرب قائدها ونقل الجنود الفرنسيين على بواخر انجليزية في طريق العودة الى بلادهم والثاني هو الغزو الثقافي وهذا مازال اثره حاضرا حتى اليوم الى حد ان الكثير من المثقفين المصريين مازال يعتقد ان الحملة المذكورة ادخلت التنوير الى مصر . هنا لا بد من الاشارة الى ان بونابرت حمل معه الى بلاد النيل جيشا من المثقفين الاكثر خبرة وشهرة في فرنسا في ذلك الحين من بينهم عازف بيانو واختصاصيين في الادب واللغات والعمران ... الخ.‏

التنوير الذي يتحدث عنه المثقفون في مصر يمكن اختصاره برايي في ان المصريين وللمرة الاولى اريد لهم ان يكتشفوا مع الحملة المذكورة ان الحضارة الاسلامية متخلفة بالقياس الى الحضارة الغربية وان الحضارة الاسلامية تمثل الظلام فيما الحضارة الغربية تمثل النور واذا ما اضفنا الى ذلك ان الفرنسيين استطاعوا بواسطة شامبليون فك الرموز الهيروغليفية على حجر الرشيد فانهم رسخوا وعيا لدى المصريين مفاده ان مصر كانت عريقة في العهد الفرعوني وان العراقة الفرعونية تضاهيها العراقية الغربية الراهنة فيما الحضارة العربية الاسلامية زائلة وعابرة لانها ظلامية ومتخلفة هكذا نشا وعي هرمي يتحكم بتفكير النخبة المصرية والعربية منذ ذلك التاريخ. في حين ان الهزيمة التي الحقها بونابرت بمصر كانت عسكرية ومحدودة بثلاث سنوات ولم تتحول الى هزيمة ثقافية الا عندما اقتنعت النخب المصرية اولا والعربية من بعد بهرمية الحضارات وهذه القناعة ما زالت سائدة حتى اليوم.‏

الانتقاد ـ ما الذي يجعلك تعتقد ان ما ينطبق على مصر في التفكير السياسي ينطبق على النخب العربية الاخرى؟‏

فيصل جلول ـ اسباب عديدة تجعلني اعتقد ان الثقافة السياسية العربية بنيت على اصول مصرية من بين هذه الاسباب ان مصر ظلت حتى اتفاقيات كامب ديفيد مصدرا لتكوين النخب العربية وكانت تصنع فعلا الراي العام العربي خلال الحقبة الناصرية لكن قبل ذلك لا بد ان نتذكر ان جامعة الازهر كانت مركزا لتاهيل النخب الاسلامية والبعثات التبشيرية كانت تلعب الدور نفسه وهذا ما يفصح عنه صراحة سفير بريطانيا في فقرة مقتبسة نشرتها في احد هوامش الكتاب وانا اعتقد انه ما لم تتغير الثقافة السياسية في مصر من الصعب ان نشهد تغييرا حقيقيا في التفكير السياسي العربي والدليل ان مقاطعة مصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد لم تؤدي الى تغيير حقيقي على هذا الصعيد وظل الثقل المصري اساسيا وهو مازال حتى اليوم لكن مع الاسف في الاتجاه المعاكس لما يأمله العرب.‏

الانتقاد ـ تعيد في كتابك الاعتبار للناصرية فهل تظن ان الناصرية قادرة فعلا على ايجاد الحلول للمشاكل العربية؟‏

فيصل جلول ـ لا اعيد الاعتبار للناصرية فهي معتبرة وتستمد وجودها من توجهها خلال تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.‏

ألانتقاد ـ لكنه هزم في حرب حزيران عام 1967؟‏

فيصل جلول ـ صحيح هزم في الحرب لكن الهزيمة العسكرية ليست حكما قاطعا على فكرة او توجه سياسي. لقد هزم الفرنسيون شر هزيمة واحتلت بلادهم واعلن بسمارك الوحدة الالمانية من قصر فرساي الفرنسي لكن فرنسا تجاوزت الهزيمة وانطلقت من بعد لتدمر القوة العسكرية الالمانية . اليوم المانيا عملاق اقتصادي لكن فرنسا عضو في مجلس الامن وتساهم في تقرير مصير العالم وليس المانيا ما يعني ان الهزيمة العسكرية ليست نهاية المطاف .‏

الانتقاد ـ لكن هل الناصرية تقدم حلولا مفيدة للعالم العربي؟ اليست تجربة ديكتاتورية كما توصف في الوقت الذي يتوجه العرب نحو الديموقراطية؟‏

فيصل جلول ـ انا لا اتحدث عن حلول لقد نشات الناصرية في فترة الحرب الباردة وقدمت حلولا مفيدة للعرب في مجال الخلاص من الاستعمار وفي الممانعة والمقاومة اما على الصعيد الاقتصادي فكانت تقيم اعتبارا مركزيا للقطاع العام وتتحدث عن الاشتراكية بوصفها الحل العادل للمشاكل المتولدة عن التناقض الطبقي في المجتمع . اعتقد ان عبد الناصر لو كان بيننا اليوم لاقدم على تغيير اشياء كثيرة في تفكيره.‏

اما القول ان الناصرية كانت ديكاتورية وان العالم االيوم يتوجه نحو الديموقراطية فهو قول اشكالي. نحن ننظر بمقاييس اليوم للتجربة الناصرية. عندما كانت مصر في عهد عبدالناصر تشهد اختراقات لحقوق الانسان كانت امريكا مستسلمة للماكارثية وهي تجربة شبيهة بتجربة محاكم التفتيش في اسبانيا بعد هزيمة العرب.وعندما كانت تفرض احيانا الرقابة على الصحف في مصر كانت وزارة الاعلام في فرنسا تراقب نشرات الاخبار ولكن ايضا فلننظر اليوم الى الديموقراطية الامريكية الم تفرض ادارة بوش رقابة متنكرة على وسائل الاعلام خلال حرب العراق الم يرشو رامسفيلد الصحافيين في العراق لتغطية جرائم الاحتلال؟ اخلص الى القول ان محاكمة الناصرية من ضمن مقاييس حقوق الانسان وحرية التعبير كما هي اليوم في الممارسة الغربية هذه المحاكمة ظالمة وسيئة القصد والهدف منها قهر التجربة العربية الاهم في الثقافة السياسية العربية التي تطلب الممانعة وعدم الخضوع ومقاومة الاطماع الخارجية.‏

الانتقاد ـ تميل في كتابك لراي الامير شكيب ارسلان الذي يقول ان النهضة العربية لاتتم بدون الاسلام الا يتناقض ذلك مع الناصرية باعتبار انها نظرية قومية علمانية؟‏

فيصل جلول ـ لا يوجد تناقض في هذا الجانب. لقد نهض العرب بواسطة الاسلام ولا يمكن ان ينهضوا على انقاض الاسلام. لكن لا بد من ان نتذكر انهم عرب . ما يعني ان التلازم بين العروبة والاسلام هو الشرط الضروري للنهوض وهنا اشير الى المبدأ.مرة اخرى لا بد من الانتباه الى ان النهوض الغربي كان نهوضا قوميا مبنيا على القيم الاساسية للمسيحية. ان رئيس الجمهورية الفرنسي الاسبق فاليري جيسكار ديستان علماني لكنه اصر في تدبيج مقدمة الدستور الاوروبي على ادخال عبارة القيم المسيحية التي تاسست عليها الحضارة الغربية والذين اعترضوا ويعترضون على اندماج تركيا في الاتحاد الاوروبي يبنون اعتراضهم على كونها دولة مسلمة وان اوروبا مسيحية في جذورها الحضارية وهؤلاء علمانيون فلماذا نريد نحن ان نقيم تنقاضا مفتعلا بين القومية والاسلام اذا كان الامر يتصل بنهوضنا اعتقد شخصيا ان العرب خسروا موقعهم التاريخي لاسباب عديدة لكن ابرزها انهم استسلموا للفصل بين الدين والانتماء القومي واذا كانت القومية تستند الى اللغة فيما تستند اليه فلماذا تكون متناقضة مع الاسلام اليست العربية لغة القرآن الا يوصف الرسول بالعربي؟‏

ان الذين يحفرون التناقض بين العروبة والاسلام لايريدون خيرا لا للعروبة ولا لللاسلام.‏

الانتقاد ـ تميل في كتابك لابن رشد فهل مازال هو الاخر يحمل حلولا لمشاكلنا؟‏

فيصل جلول ـ مرة اخرى ان احدا لا يحمل حلولا لمشاكلنا الا نحن لكن مصير الحلول مرتبط بنوع التفكير الذي اكتسبناه ونكتسبه .لقد حاول ابن رشد ان يحل مشكلة معرفية مركزية صادفت العرب في عصره وان يقول بعدم التناقض بين الحكمة والشريعة فكان ان حورب وهوجم وحرقت كتبه لكن الاب توما الاكويني المسيحي التقط فكرة ابن رشد ونقلها الى الغرب فكان ان تقدم الغرب وتخلف المسلمون. نحن اليوم نعيش على هامش الحضارة الغربية ونعتبرها متقدمة ومع ذلك ما زلنا نرفض عقلانية ابن رشد. لا بد لنا من تصفية الحساب مع خطأ تاريخي معمر ارتكبه اسلافنا بحق ابن رشد هذا اذا اردنا النهوض مجددا وبالتالي عدم البقاء في الهامش.‏

2006-12-05