ارشيف من : 2005-2008

هزال!

هزال!

كتب ابراهيم الموسوي‏

البلاد في أزمة مستحكمة، والأزمة ناشئة عن تمسك فريق السلطة من جماعة 14 شباط بالاستئثار بالحكم ومصادرة الدولة، معتمداً على دعم خارجي كبير ومتنوع، أميركي وفرنسي وبريطاني، وعربي وسعودي وأردني، وما قد يتجاوز ذلك أيضاً، ولا شيء يوحي حتى الآن بإمكانية التوصل إلى حلول ناجزة.‏

الأزمة عميقة ومستفحلة، ولن تنفع معها هذه المرة المسكّنات، وحقن التهدئة، موضعية كانت أم عامة، قد يكون العلاج بالجراحة أو الكي وإلا فإن المستقبل سيعود مثقلاً بأزمات شبيهة وأكثر تعقيداً واستعصاءً على الحل إن وجد.‏

لعل القيمة الأكبر التي تستطيع السلطة المغتصبة أن تتفاخر بها، هي أنها تواجه معارضة حقيقية، قوية، واسعة ومتنوعة، تضم شرائح وأطيافاً وازنة في المعادلة اللبنانية، إلا اذا شئنا احتساب أن القوى الأكبر دولياً وإقليمياً تدعمها! ولكن لندع حسابات الدعم الخارجي جانباً، فلولا المعارضة، لأمكن القول إنها هزلت كثيراً.‏

هزلت، لأن سلطة تواجه شارعاً مضرباً ومعارضاً، تهدد المعارضة بشارع مقابل.‏

هزلت، لأن سلطة تواجه جماهير مطالبة بالمشاركة، تهدد وعلى لسان أرفع مسؤول رسمي فيها (السنيورة) الطرقات على طريقة العصابات والميليشيات وقطاع الطرق.‏

هزلت، لأن سلطة تواجهها جماهير بمئات الآلاف، وهو ما لم يشهد له لبنان مثيلاً في تاريخه، تؤكد أنها مصممة على رفض المشاركة، وأنه لن يرف لها جفن إزاء ذلك كله.‏

هزلت، لأن سلطة، تنفض يدها من واجباتها وتتحلل من بديهيات الحكم الأساسية، فتستعدي شعباً بأكمله وتلغيه بشطبة قلم، وكأن افتراضها بعدم وجوده يلغي وجوده.‏

هزلت، لأن السلطة تتوسل النفخ في نار الفتنة المذهبية، وتدعو مناصريها ومؤيديها من رجال دين ووزراء ونواب وشخصيات عامة إلى قرع طبول الحرب المذهبية، كي تبقى في الحكم.‏

هزلت، لأن السلطة لا يهمها البلد بأهله وما فيه ومن فيه، بل يهمها السلطة، ان تبقى هي السلطة، وفي السلطة، لأنها ظنت، أو هكذا أوهموها، انها هي البلد، وتستطيع أن تحكم البلد من خلال التسلط والاستئثار.‏

من يقنع هؤلاء أن حركة الكون تستمر من دون أن يكونوا هم في توهمٍ دائمٍ أنهم يحركون عجلتها، من يقنع هؤلاء أن السلطة حين تلبس ثياب الميليشيا، وتتصرف كالميليشيا تصبح بحكم الميليشيا، من يقنع هؤلاء أن درهم وقاية داخلي خير من قنطار علاج اميركي؟!‏

السنيورة فتح النار مبكراً على مبادرة الرئيس الحص، كما فعل فريق الأكثرية الوهمية قبلاً مع عمرو موسى، لماذا؟ لأن تعليمات السفير الاميركي طلبت ذلك، ووعدتهم بأن واشنطن لن تتخلى عنهم أبداً، وهي ليست بصدد إجراء أية مقايضة على حسابهم مع أيٍ كان، وأنها ستقوم بضرب ايران، وعزل سوريا، وهم سيجنون ثمار كل هذه الفوضى الخلاّقة في المنطقة. من يقنع الاميركيين أن ما واجهوه في العراق هو نزهة، مقارنة مع ما قد يواجهونه في حال قرروا ضرب ايران، حتى ولو كان السيناريو المحتمل ليس احتلالاً أو غزواً، وأن أي عدوان على ايران وسوريا لن يولد معادلة جديدة مغايرة لهزيمة واشنطن في العراق؟‏

المعادلة الحقيقية لا تصنع في الخارج، ولا تفرض على الداخل استقواءً بالخراج، أياً يكن هذا الخارج.‏

لقد استقوى هؤلاء، غير آبهين بالذل والهوان دائماً بالخارج، ولم ينفعهم ذلك بجني ثمار حقيقية في الداخل، فكيف يوفقون في الحديث عن وصاية عنجر وهم غارقون حتى آذانهم تحت وصاية عوكر التي يزورهم سفيرها كل ثلاثاء وخميس من كل أسبوع، وأحياناً وهو يرتدي زيهم الميليشياوي.‏

إن سلطة يديرها سفير أجنبي لا يمكنها أن تدّعي تمثيل الناس، وإن سلطة تتآمر مع العدو ضد شعبها لا يمكن أن تستمر. لهم في دروس الأمس عبرة، ولكن هل يعتبرون؟‏

العدد 1195 ـ 29/12/2006‏

2006-12-29