ارشيف من : 2005-2008

مسألة وقت

مسألة وقت

استطاعت المعارضة الوطنية اللبنانية أن تحقق خطوات متقدمة على طريق تحقيق أهدافها في التغيير الحكومي المنشود بعد مرور أسبوعين على بدء هذا التحرك.‏

هذه الخطوات الإنجازات التي أمكن مراكمتها خلال فترة زمنية وجيزة تلخص على النحو التالي:‏

ـ حشد أكبر تجمع جماهيري غير مسبوق في تاريخ لبنان في ساحتي رياض الصلح والشهداء، ما أظهر أن غالبية أبناء الشعب اللبناني تطالب بالتغيير الحكومي.‏

ـ الانضباط المتميز لأداء المعارضة للضغط باتجاه تحقيق المطالب بطريقة ديمقراطية سلمية، وهو ما كان مدعاة لإعجاب العالم ومتابعته على اعتبار أن هذه الطريقة في التعبير لمئات آلاف الناس لا بد وأن تفرز إشكالات وانفعالات يومية غير منضبطة، وهو ما يحدث في أرقى العواصم الغربية، ولكنه لم يحصل هنا، وكادت تمر التظاهرات والاعتصامات من دون ضربة كف لولا اعتداءات فريق السلطة واستفزازاته اليومية.‏

ـ تصليب جبهة المعارضة الوطنية بانضمام أطياف جديدة اليها مثل الحزب الشيوعي وحزب الحوار الوطني، وكذلك تظهير الثقة العميقة لجمهور المعارضة بقياداتها من خلال طوفان الحشود البشرية التي لبت الدعوة لاعتصام يوم الأحد المنصرم في ساحتي رياض الصلح والشهداء.‏

ـ إجهاض محاولات فريق السلطة تظهير المعارضة على أنها من لون طائفي واحد، ووأد محاولات إيقاع الفتنة بين السنة والشيعة من خلال صلاة الجمعة التي نظمت يوم الجمعة الماضي بإمامة الدكتور فتحي يكن، والقيام بحملة منظمة لنزع فتائل الفتنة المتنقلة بين المناطق.‏

ـ تظهير الوجه الحقيقي للمعارضة الوطنية عربياً ودولياً بعد أن كادت قوى السلطة تنجح في تصويرها على أنها ذات لون طائفي واحد، لتسهيل محاصرتها ووسمها بامتدادات إقليمية لتشويهها، وبالتالي تضليل الرأي العام حول الهدف الحقيقي من تحركها.‏

إزاء ما تقدم، بدا فريق السلطة مرتبكاً وفاقداً للمبادرة، وكان يتجه للتسليم بمطالب المعارضة خاصة بعد الطوفان الشعبي الهائل، ولكن الاملاءات الاميركية التي تمظهرت من خلال اتصالات أجرتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ومداخلات سفير واشنطن في لبنان جيفري فيلتمان، أجهضت محاولات التوفيق اللبناني الداخلي، ومنعت فريق السلطة الحاكم من القبول بمطالب المعارضة، على اعتبار أن ذلك يشكل سابقة، في رضوخ "أنظمة الاعتدال العربية" لنبض الشارع ومطالبه، وخاصة ان واشنطن تدرك جيداً أن نبض الشارع في مكان ونبض حكامه في مكان آخر تماماً، وهذا ما يعرّض مصالحها الحيوية الاستراتيجية ونفوذها الآخذ في التآكل إلى الانهيار بوتيرة أسرع مما يمكن أن تتحمله بعد سلسلة الخيبات والهزائم الداخلية والخارجية، التي جاء تقرير بيكر ـ هاملتون ليفرض عليها إجراء مراجعة جدية حيال السياسات المتبعة في المنطقة، ويوحي بسلة من الاجراءات والبرامج الواجب اتباعها للخروج من المستنقع، وعلى رأسها التحاور مع سوريا وإيران لتأمين مخرج لائق من العراق.‏

إلى متى تستطيع واشنطن المكابرة؟‏

الواضح تماماً أن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين والاقليميين والمحليين باتوا مقتنعين بعقم رهاناتهم على إمكان تحقيق أي إنجاز جدي أو الاعتماد على خلق ظروف مؤاتية لتغيير الوقائع اليائسة للإدارة الاميركية، ولكن منطق المكابرة المعتمد لديهم الآن ناشئ عن محاولة كسب الوقت (برغم ان عامل الوقت ليس في مصلحتهم على المدى الطويل) من أجل انجاز تسوية معقولة تجنبهم هوان تجرع كأس الهزيمة المرّة، ولعل الربط الحقيقي للموضوع يتصل بحسابات دولية أكثر منه بحسابات اقليمية عربية، ذلك أن مخاوف أنظمة الدعم العربي لفريق السلطة الحاكم لا تأتي من خشية اهتزاز دعائم سلطتها بشكل مباشر، لأن هذه الأنظمة تطبق بقوة على خناق السلطة في بلادها، وليس لديها خوف من حدوث انقلابات سياسية عبر انتخابات وتبدل تحالفات داخلية، ولكن المخاوف الحقيقية تأتي من أهم حليفين أوروبيين لأميركا وسياساتها في المنطقة، وهما جاك شيراك وطوني بلير اللذين يخشيان من انهيار سريع لموقعيهما في الانتخابات المقبلة التي تفصلنا عنها بضعة شهور فقط، وطبعاً، فإنه لا يمكن إغفال العامل العربي ممثلاً ببعض الأنظمة التي تخشى أن يؤدي تراجع فريق السلطة الحاكم أمام ضغط الشارع إلى تجرؤ القوى الحية للمعارضات العربية على أن تحذو حذو المعارضة اللبنانية في فرض معادلات جديدة على أنظمتها.‏

إذاً، المسألة مسألة وقت، والوقت هو في مصلحة المعارضة الوطنية اللبنانية، التي أثبتت أنها تملك من العزيمة والإرادة والوعي السياسي والانضباط التنظيمي ما يمكنها من تحشيد أوسع شرائح من الشعب اللبناني، وتنظيمها بدقة وانضباط عاليين، وتوقيت سياسي لافت، من أجل الوصول إلى تحقيق مطالبها المحقة التي لن تنتهي الأزمة الحالية الا بتحقيقها طال الزمن أم قصر.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1193 ـ 15/12/2006‏

2006-12-15