ارشيف من : 2005-2008

نصر أكيد

نصر أكيد

ـ يومان حاسمان يفصلاننا عن يوم الأحد، فإذا جاء الأحد دون أن تكون سلطة الأمر الواقع ممثلة بفؤاد السنيورة ومعسكر 14 شباط الذي يدعمه، قد قبلت بأي من الوساطات والمبادرات التي لا تني تترى أمام ناظريها، فساعتئذٍ تكون المعارضة الوطنية قد أعطت الفرصة الأخيرة قبل تصعيد تحركها المطلبي السلمي باتجاه ممارسة مزيد من الضغط لإسقاط حكومة الأمر الواقع.‏

ذاكرة الناس طرية، والحدث غض، لقد استمهلت المعارضة الوطنية أهل الحكم كثيراً، قبل أن تبدأ تحركها، ولقد ماطل هؤلاء كثيراً وسوّفوا، وأعطوا كلاماً إيجابياً، ثم نكثوا، وأطلقوا وعوداً ثم كذبوا، وتحدثوا عن تعهدات ثم تنصلوا. والآن بعد إطلاق التحرك السلمي في الشارع الذي قابله معسكر 14 شباط بتجييش الشحن المذهبي، مستخدماً أخس الأساليب وأرخصها، راشياً وشارياً الذمم والضمائر، متوسلاً الفتنة لاستعادة شرعية متآكلة، وغطاء شعبي متهالك. يحاول هذا الفريق ممارسة اللعبة المفضوحة ذاتها، الكذب.‏

فؤاد السنيورة، لن يرفّ له جفن، ولا يرف له جفن إذ يرى الحشود المليونية المتلاطمة تطوِّق سراياه مطالبة برحيله، وهو لم يرف له جفن أيضاً حين بلغه قيام عصابات قصقص بقتل الشهيد أحمد محمود، والاعتداء على المتظاهرين الآمنين العائدين إلى بيوتهم، وسبق ذلك، أنه لم يرف له جفن حين كان العدوان الإسرائيلي في تموز يوغل في قتل اللبنانيين من أبناء بلده. ولم يرف له جفن حين طالب بنزع سلاح المقاومة إبّان العدوان نفسه، مشرّعاً الباب أمام المزيد من المذابح الإسرائيلية، ولم يرف له جفن أيضاً حين حاول عبر أجهزته ابتزاز الناس المهجرين من منازلهم، ودخل في مساومات عديدة مع الهيئات الإنسانية لمنعها من إيصال المساعدات إلى الناس؟ ولكن متى يرف جفن السنيورة، يرف جفنه حين تأتيه الاتصالات والزيارات الداعمة لموقفه المتعنت، يرف جفنه حين تأتيه أوامر البيك ودويك وفيلتمان، ويرف جفنه أيضاً حين يتصل به الملوك وأشباههم من الأمراء والعملاء وأدعياء الخيانة والتآمر من المنبطحين على أعتاب البيت الأبيض.‏

آخر مآثر السنيورة، ما نقله عنه الرئيس سليم الحص حين التقاه الثلاثاء الماضي على هامش الاجتماعات في مبنى الاسكوا المحاذي للسرايا الحكومية، حيث أبلغه استعداده لإعطاء المعارضة الوطنية 15 وزيراً في حكومة ثلاثينية، أي النصف، من أجل الخروج من المأزق الحالي. مضيفاً ان الوقت الآن ليس مناسباً للكلام حول انتخابات رئاسية مبكرة أو رهن الموضوع بالتوصل إلى تسوية حول المحكمة الدولية. ولكن ما قاله السنيورة مع الرئيس الحص رفض أقل منه بكثير وهو الثلث الضامن في حكومة ثلاثينية أي (10 + 1) للمعارضة الوطنية، وهو ما كرره بعده أركان 14 شباط وعلى رأسهم سمير جعجع. فما الذي جرى، هل زاره شيطانه الأميركي، أم أن أموال وتعليمات الملوك والأمراء منعته من المضي باتجاه التسوية.‏

أمر مفهوم أن يتشبث السنيورة بكرسي السلطة، ولكن الأمر غير المفهوم هو لماذا يقول السنيورة الشيء ونقيضه في آن، وكيف يستقيم منطقياً أن يبدي استعداده لإعطاء نصف مقاعد الحكومة، ثم يتراجع عن قبول الثلث + واحد، في حين يرفض الموضوع برمته كل من سمير جعجع وأحمد فتفت، باعتبار أن المسألة مسألة حياة أو موت، وأنها سيف مصلت على رؤوس "الأكثرية".‏

لعل التفسير المنطقي لكل ما يجري من تناقض، هو حالة الإرباك الشديدة التي تعتري السنيورة والفريق المتسلط الذي ينتمي إليه. فهذا الفريق يعيش على المهدّئات السياسية والأمصال الإقليمية، وحقن الوريد الدولية التي تجود بها مطابخ التآمر في غير عاصمة عربية وغربية.‏

السنيورة فاقد للمبادرة والإرادة، وهو أداة تنفيذية رخيصة بيد مشروع أميركي جهنمي لإغراق لبنان في أتون الفتنة، كلما همّ باتجاه الحل نهرته تعليمة "عربية" أو اتصال أميركي أو فرنسي.‏

هي معركة جديدة في دائرة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المفروضة، هي استكمال لعدوان تموز، وإن بعناوين مختلفة ومحلية بعض الشيء، ولكن من كسب جولات لن تهزمه أو تفت في عضده جولة، وإذا كانت محطات النصر قد توالت منذ العام 1982، فإننا بصدد محطة جديدة، قد يكون الأحد المقبل أحد عناوينها المميزة أيضاً.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1192 ـ 8 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-09