ارشيف من : 2005-2008

نحو التغيير

نحو التغيير

أما وقد استنفدت المبادرات ومشاريع الحلول مع إقفال جماعة 14 شباط أبوابها دون المطالب المحقة للفيف المعارضة، فقد بدأ العد العكسي الميداني لإسقاط الحكومة وانطلاق أعمال الاحتجاج والتظاهر والاعتصام السلمية لتحقيق جملة شعارات تراها المعارضة أولوية في هذه اللحظة التاريخية.‏

شعارات المعارضة بسيطة وواضحة، ويمكن اختصارها بالعناوين التالية: تأمين المشاركة الحقيقية في القرار، استعادة القرار الوطني، حماية الدستور، تأليف حكومة وحدة وطنية، تأمين انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون انتخاب جديد.‏

لكن هذه الشعارات الواضحة والأساسية والتأسيسية بداهة لأي سلطة تزعم أن لها وجهاً مدنياً وشرعية شعبية تأخذ بأسباب الديموقراطية ومقوماتها، لم تلقَ آذاناً صاغية لدى فريق 14 شباط المتمترس في مواقع السلطة واغتصاب قرار البلاد. وجماعة 14 شباط لم يعد على مواقفهم وتعهداتهم وكلامهم أي رباط، من اتفاق الرياض الذي يعرفه السفير السعودي وآخرون جيداً، مروراً بالعديد من المواقف وصولاً إلى يوم السبت، ما قبل (تهريبة) دعوة السنيورة إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء، بعد أن كان قد تعهد للرئيس نبيه بري بعدم المبادرة إلى ذلك. ويستطيع فؤاد السنيورة هنا أن يطرب أذنيه بسماع الطرف المتداولة عنه، والتي تضخم قاموسها بشكل قياسي في وقت قصير نسبياً، إلى درجة أن الرئيس بري أوضح أنه إذا ما قرّر لقاء السنيورة مجدداً، فلن يقبل بأن يسمع منه أي شيء شفاهة، إلا بحضور كاتب عدل لتوثيق ما يقال كتابة.‏

مبادرات كثيرة عرضت، ومحاولات بذلت، ومواعيد وعهود ضُيعت، وكانت النتيجة حسب ما عبّر الرئيس بري أن جماعة 14 شباط لا يريدون أكل العنب، بل قتل الناطور.. وإزاء ذلك يصبح الناطور معذوراً إذا دفعوه دفعاً إلى المحظور والمحذور الذي طالما حاول تجنبه، على الرغم من الطبيعة السلمية الثابتة والأكيدة للبرنامج الاجتماعي الذي ستبدأه المعارضة منذ ما بعد ظهر اليوم.‏

لم تنفع كل الدعوات مع جماعة 14 شباط، ولا ليّنت مواقفهم الوساطات، ولم يعنِ لهم شيئاً أن تخرج طائفة بأكملها من معادلة الحكم، وظلوا يتعاطون سياسياً كأن شيئاً لم يكن، ولكن ليس على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال، بل على طريقة الزرافة التي تظن أنها بطول عنقها ستصل بأي حال.‏

الكلام الحضاري والراقي جداً لأمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله الذي أكد فيه صراحة أن الحزب غير مهتم بزيادة عدد وزرائه في الحكومة، ولا حتى مهتم بأصل أن يكون له وزراء، والذي أبدى خلاله الاستعداد للاستغناء عن توزير كوادر من حزب الله لمصلحة آخرين شريطة ضمان القرار المستقل والسيادة الوطنية، لم يعنِ لهؤلاء شيئاً.. فماذا بعد؟ ظلت معزوفة المحور السوري ـ الإيراني تصدح، وظل تزوير الوقائع والتصريحات وغسل دماغ الناس وتضليلهم بالقول إن الحزب الذي خرج منتصراً من حربه ضد العدو ـ للتذكير فقط هم لا يعترفون بحدوث النصر ويرون في ما جرى هزيمة ماحقة ـ يريد أن يترجم انتصاره مكاسب سياسية في الداخل. بعد ذلك جاءت الحملة بأن الحزب طلب من وزرائه الاستقالة احتجاجاً في محاولة لإجهاض المحكمة الدولية، برغم أن الحزب ومعه حركة أمل كانا أول من وافق على المحكمة الدولية على طاولة الحوار، ثم لما لمسا محاولات التزييف والتضليل أصدرا بياناً مشتركاً يؤكد تأييدهما تشكيل المحكمة، مع الاحتفاظ بالحق في مناقشة بنودها والإطلاع على مضمون تأسيسها حفظاً لسيادة لبنان، ولكن قوى 14 شباط لا تريد شركاء، بل تابعين وأزلاماً وموقّعي قرارات، لا ناصحي توجهات، فكان ما كان.‏

إنها ديكتاتورية "الأكثرية"، وعندما كتب الفيلسوف الإنكليزي جون ستيوارت ميل قبل ما يزيد على القرنين متحدثاً عن ديكتاتورية الأغلبية، طبعاً فإنه لم يكن يخطر بباله أن يكون هناك أغلبيات مزيّفة على طريقة الأغلبية اللبنانية الحالية.‏

ماذا كان تراه سيفعل لو واجه معضلة من هذا القبيل، بالطبع لكان أول من ينزع عنها الشرعية.. وأول من ينزل إلى الشارع.‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01