ارشيف من : 2005-2008
علامات استفهام؟
التوقيت الزمني الذي حدثت به. وتتداخل الأسئلة في المجالين لتشكل المحصلة الفضائحية التالية التي توضع برسم السلطة اللبنانية والقائمين عليها.
ففي مجال الوقائع الميدانية يمكن ملاحظة التالي:
ـ لقد حصلت جريمة الاغتيال المروعة بطريقة تنم عن استخفاف منفذيها بأجهزة السلطة الأمنية. فالاغتيال لم يحصل من خلال سيارة مفخخة، وإنما بهجوم بالرشاشات في وضح النهار، وفي منطقة واضحة ومكشوفة (لم يكلف المجرمون عناء تغطية وجوههم)، إذ بدا أنهم مرتاحون في تنفيذ جريمتهم، وكأن هناك من دبّر أرضية المسرح بحيث يخلو لهم الجوّ من الاصطدام بأي قوة أمنية أو حراسة فاعلة.. ثم كيف عرف الجناة بخط سير الوزير المغدور وساعة تحركه؟!
ـ أين هي القوى الأمنية التي يجب أن تسهر على أمن المواطنين والمسؤولين في البلد، خصوصاً أن البلد يعيش منذ فترة تحت وطأة الاغتيالات المتنقلة؟ وأين هي هذه الأجهزة التي أُنفقت عليها الميزانيات الضخمة وحُدّثت عُدة وعدداً؟ وما هي فائدتها إن لم تستطع القيام بأبسط واجباتها؟ ولماذا لم تستطع إلقاء القبض أو حتى تقديم أي معلومة ذات شأن؟ وكيف أمكن للجناة أن يفروا من مسرح العملية بكل بساطة من دون أن يتعرضوا لأي ملاحقة؟ ولماذا تأخرت القوى الأمنية في الوصول إلى مسرح الجريمة؟
وفي مجال الوقائع السياسية يمكن ملاحظة التالي:
ـ إن جريمة الاغتيال جاءت في لحظة سياسية حساسة جداً، حيث كانت المعارضة تضع اللمسات الأخيرة للنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة غير الشرعية. وبالتالي فإن الجريمة جاءت بهدف إجهاض هذا التحرك، وإعطاء فرصة للسلطة وفريق 14 شباط لتعيد التقاط أنفاسها وترتيب أجندتها بما يمكنها من استعادة زمام المبادرة التي كادت تفقدها بالكامل. وهو ما يعني أن الاستفادة الرئيسة من جريمة الاغتيال تصب في خانة فريق 14 شباط والسلطة المتحكمة في لبنان.
ـ جاءت الجريمة أيضاً في أعقاب سلسلة تحذيرات حول اغتيالات محتملة أطلقها قادة 14 شباط، وعلى رأسهم سمير جعجع ووليد جنبلاط، ومن قبلهما وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ما يطرح أسئلة جدية حول خلفية هذه التصريحات لجهة تحضيرها الأجواء، ومدى علاقة أصحابها بما جرى ويجري على الأرض.
بناءً على ما تقدم، فإن الساحة السياسية اليوم هي في مرحلة تجاذب شديدة، لكن قوى السلطة المتمثلة بفريق 14 شباط لن تفلح أبداً في وقف تحرك المعارضة باتجاه إسقاط جوقة المتسلطين على القرار السياسي في لبنان.
لقد أخّرت جريمة الاغتيال موعد انطلاق الحركات الاحتجاجية السلمية والديمقراطية لفريق المعارضة باتجاه إسقاط الحكومة، ولكنها لم تلغها أو تسقطها من الحساب، ذلك أن لبنان اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخه، حيث يتقابل مشروعان مختلفان جذرياً في توجهاتهما السياسية: مشروع يمثله فريق الرابع عشر من شباط ويتخذ من الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية حليفاً له، باتجاه فرض توجهات سياسية جديدة لا تلتقي أبداً مع تاريخ لبنان وخياراته السياسية إزاء خريطة الصراع في المنطقة، ومشروع مقابل يمثله حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وكل القوى المعارضة الأخرى، التي تريد إنجاز استقلال حقيقي للبنان بعيداً عن الإملاءات الخارجية، بما يحفظ هوية لبنان الحضارية الحقيقية. وعلى هذا الأساس فإن جريمة الاغتيال الجديدة التي حاول فريق 14 شباط استعمالها مطيّة لتحقيق أهدافه السياسية، لن تفيده في شيء. ولذلك يبقى السقف محصوراً بما قدمته المعارضة من حلول حقيقية تتمثل بالقبول بحكومة وحدة وطنية، حكومة مشاركة حقيقية، وليست حكومة يتحول فيها الوزراء إلى شهود زور، وتكون مهمتهم الوحيدة التوقيع على قرارات الأغلبية الوهمية، خاصة في أمور مصيرية وحساسة تقرر مصير لبنان لأجيال مقبلة.. أو الرضوخ لمطلب الانتخابات النيابية المبكرة، ما داموا واثقين كل الثقة من دعم الشارع لهم، ومن أنهم الأكثرية، كما عبّر بالأمس سعد الحريري.
وإذا كان هذان المطلبان كبيرين وثقيلين على الممسكين عنوة بمقاليد الحكم من خلال التسلط غير الشرعي، فإن الشارع يبقى الخيار الأقرب والأكثر ترجيحاً ما دام الكل ملتزماً بقواعد اللعبة الديمقراطية والتغيير السلمي الدستوري. أليست هذه هي قواعد اللعبة الديمقراطية التي طالما بشرونا بها وأقلقوا عيشنا بالحديث عنها؟ فليفهموها وليلتزموا بها إذاً!
إبراهيم الموسوي
الانتقاد/ على العهد ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018