ارشيف من : 2005-2008

بوصلة فلسطين

بوصلة فلسطين

خلفهم كل العرب والمسلمين. العبرة في أن العدو الصهيوني الذي يعيث تقتيلاً وفتكاً وتنكيلاً لا يميز بين الطوائف والمذاهب، ولا حتى الانتماءات السياسية المختلفة.. فالكل مستهدف.‏

مجزرة بيت حانون هي الدرس المتكرر الذي يجب أن لا يُنسى، وهي البوصلة الحقيقية لاتجاه غضبنا وفوّهة بندقيتنا ومشاريع تقدمنا وصمودنا ومواجهتنا الدائمة والمقبلة.‏

معظم ما يجري في عالمنا العربي من انقسامات وتداخلات هو تفاصيل وحواشٍ على المتن الأساس المتمثل باحتلال فلسطين. إنها الكارثة الأكبر والنكبة الأقسى التي لا تزال فصولها تتواصل منذ ما يزيد على نصف قرن، وما عداها كمّ من التفاصيل التي مهما بدت أساسية وجوهرية في بعض الأوقات، فإنها لا ترقى ويجب أن لا ترقى إلى الهم الأساس الذي إذا ما أزيح من الدرب، تساقطت أوهام الفرقة وزالت أسباب الفتنة والخلاف.‏

ليس المقصود من هذا الكلام توهم حصول السلام والوئام الكاملين بمجرد التخلص من الاحتلال الإسرائيلي، ولا الغاية منه تعليق كل خلافاتنا وانقساماتنا ومشاحناتنا على مشجب الاحتلال، ولكن المقصود هو أن الاحتلال شكّل ويشكل العامل الأساس في تعميق الهوّة بين ظهرانينا، وتغذية الانقسامات العابرة للطوائف والمذاهب والمرجعيات.‏

الكل يتلهى فوق فم التنين، أنظمة وحكاماً وحكومات، فيما الشعوب تهدر مطالبة بالحق والعدل والمقاومة وصولاً الى التحرير.‏

إنها مأساتنا الحقيقية المتجددة أيضاً، وهي التي يجب أن تغذي خزان الغضب الذي يجب أن يهدر فاعلاً بالدعم لأبناء فلسطين ومقاومتهم بكل ما أوتينا من القوة وأسبابها.‏

أليس من المأساة المضحكة المبكية في آن، أن العرب الذين انهزموا في غالبية حروبهم التي خاضوها ضد العدو الإسرائيلي وأعلنوا انتصارهم عليها زوراً، ينبري معظمهم اليوم لإعلان هزيمتهم في الحرب الوحيدة التي انتصروا فيها على العدو الإسرائيلي وبالزور أيضاً.‏

لا يحتاج الأمر إلى الكثير من التدقيق لمعرفة الأسباب، إنها إضاعة البوصلة الحقيقية للصراع ومستلزماته من صمود وبناء وتجهيز. لقد مُني العرب والمسلمون بكل النكبات والمصائب منذ أضاعوا هذه البوصلة.‏

إنها بوصلة فلسطين، بوصلة الصراع مع العدو الحقيقي للشعوب وأنظمتها، ولكل مظهر من مظاهر القوة في عالمنا العربي والإسلامي. ألم تكشف لنا الأيام أن تدمير العراق كان مؤامرة صهيونية؟ وهل كنا بحاجة إلى هذه الكارثة الجديدة لنتعرف الى حقيقة عدونا؟ هل ما زلنا في مرحلة فحص نيات هذا العدو وافتراض حسنها وتصديق مزاعمه حول السلام، وهو الذي دأب على إتخامنا بجرائمه ومسلسل مجازره منذ العام 1948 حتى اليوم؟!‏

لماذا ينسى بعض اللبنانيين أن جزءاً من أرضه ما زال محتلاً، وأن مياهه عرضة للسرقة، وأن أجواءه وبحاره هي نهب لعدوان طائرات العدو وزوارقه الحربية؟ ألا تكفي أربعة ملايين قنبلة عنقودية أُلقيت خلال عدوان تموز الماضي ـ بعدد سكان لبنان أو يزيد قليلاً ـ للدلالة على همجية وإجرام العدو؟ ألا تكفي اعتداءاته التدميرية على البنى التحتية والثروات الطبيعية لإيقاظ بعض الغافلين أو السادرين في تجاهلهم.‏

إنها فلسطين، وهي البوصلة، كانت كذلك وستبقى، لأنها مؤشر الدم المسفوح من النهر إلى البحر، ولأنها وعد النصر المنذور مهما طال القهر والدهر. إنها الوعد الصادق لمن آمن بربّه والمقاومة، وسيصدق الله وعده من آمن وعمل صالحاً للمقاومة ومعها.‏

إنها وعد الآخرة، وسيأتي وعد الآخرة في موعد قريب.. إن موعدهم الصبح..‏

إبراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ على العهد ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10