ارشيف من : 2005-2008

نحو حكومة وحدة وطنية

نحو حكومة وحدة وطنية

الأسبوع الماضي، ولنقرأه قراءة معمّقة في كل فقرة من فقراته، ماذا سنجد؟ دعوة واضحة، ومصارحة رؤيوية جريئة وشفافة للخروج من المأزق اللبناني العام، توصيف دقيق وتشخيص واقعي لحالة البلد، وطرح لمبادئ وأسس النهوض تأسيساً للخروج من هذا المأزق، تحذير واضح للعدو الاسرائيلي، وتأكيد واضح على ضرورة قيام الدولة القوية العادلة المقتدرة، مع اقتراح خطوات عملية لذلك، حكومة اتحاد وطني كونها باتت تشكل المعبر الإلزامي للملمة الوضع اللبناني والانطلاق في عملية البناء على المستويات كافة، كون الحكومة عاجزة عن النهوض بأعباء المهام الوطنية الكبرى، ومحاصرة بسلسلة فضائح من العيار الثقيل.‏

لا نعتقد أن في هذا الكلام ما يمكن تفسيره بأنه تحامل على أية جهة سياسية أو طائفية في البلد. كان الخطاب أخذاً للبلد باتجاه رحاب التوافق والتآلف، النصر لكل لبنان واللبنانيين، ومن شاء من العرب والمسلمين وكل الشرفاء والأحرار في هذا العالم، السلاح أحادي الوجهة ضد العدو الصهيوني ولا مجال لجرّه إلى الداخل، وهو سلاح كل اللبنانيين في وجه أعدائهم الصهاينة المحتلين.‏

بالمقابل، لنرَ كيف كانت ردود الفعل على هذا الخطاب لدى رموز 14 شباط، وتحديداً الثلاثي جنبلاط، جعجع، وسعد الحريري.‏

يمكن إجمال خطاب هؤلاء تحت عنوان وحيد وهو الاستنفار الأقصى والحساسية البالغة تجاه كل كلمة وردت، وكأن الخطاب برمته موجّه اليهم، أو كأن هزيمة العدو عزّت عليهم، أو كأن نصر المقاومة فتّ في عضدهم… هم يكابرون في قبول أن ما جرى انتصار للبنان ويرفضون ذلك، مصرّين على رؤية أمر واحد "الكارثة" كما سمّاها سعد، على الرغم من أن غالبية من اللبنانيين والسواد الأعظم من العرب والمسلمين يرون في ما جرى نصراً حقيقياً، والأهم من ذلك أن العدو اعترف بنفسه مراراً وتكراراً على ألسنة قادته بأنه هزم في لبنان.‏

والحساسية الكبرى لدى هؤلاء هي من طرح موضوع حكومة الوحدة الوطنية، إذ أصبح مجرد الدعوة اليها كفراً وانقلاباً على المسلّمات اللبنانية.‏

أما موضوع المقاومة الشريفة ضد العدو الصهيوني فقد حاول سمير جعجع ادخاله في ذاكرة زواريب حروبه الداخلية، ومقارنتها بصداماته المتكررة مع اللبنانيين، التي توّجها بصدامه الدموي مع الجيش اللبناني.‏

أما وليد جنبلاط فيصر على التهجم على المقاومة وسيدها وجمهورها في اطار منهجية تطاول واضحة تستهدف النيل من هيبة وكرامة وقدسية هذه المقاومة، وهو يحاول في المقابل اللعب على الوتر الطائفي المذهبي تغذية للانقسام اللبناني الذي يتيح له أوسع هامش ممكن لتنفيذ سياساته الفئوية الضيقة.‏

التساؤل المثير للدهشة وليس للحيرة هو وقاحة هؤلاء في تعمد تجاهل الخروقات والانتهاكات الاسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية، التي طالما تباكوا عليها، وأسسوا لها خطابهم السياسي لفترات مديدة إبان مطالبتهم بالخروج السوري من لبنان.‏

التساؤل المثير للأكثر من الريبة، هو في الخضوع الطوعي لهؤلاء للاملاءات الاميركية الغربية، وعدم تحسسهم باستلاب استقلاليتهم الوطنية وكرامتهم الشخصية إزاء سيل التدخلات اليومية من جانب السفراء والسفارات والمبعوثين.‏

عجيب أمر هؤلاء كيف لا تهتز سيادتهم للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وغريب أمرهم كيف لا تنتفض كرامتهم الوطنية ضد الأجنبي... والأعجب كيف أنهم يصرون على عدم المس بالحكومة الحالية وكأنها قدس الأقداس برغم معايشتهم اليومية لعجزها البنيوي عن الاضطلاع بأبسط واجباتها.‏

ـ أين الحكومة من ملف الإعمار وقد أصبحت عبئاً عليه، ومعرقلاً له منذ ظهر تلكؤ السنيورة ومماطلته في وضع خطة الإعمار التي اقترحها رئيس مجلس الإنماء والإعمار الفضل شلق، كخطة نهوض لمرحلة ما بعد الحرب؟‏

ـ أين الحكومة ورئيسها (وصداقاته وصولاته وجولاته) في وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، وأين الوعود الأميركية والبريطانية له في هذا المجال؟‏

ـ أين الحكومة ورئيسها في رعاية حل سياسي حقيقي، وقد تحول طرفاً في فريق 14 شباط يحابيه ويجافي غيره، ويدعمه ويضعف غيره؟‏

ـ أين الحكومة في ملف مساعدات الإغاثة وتوزيعها الانتقائي والاستنسابي، وإعطائها للمستزلمين وحجبها عن المستحقين؟‏

ـ أين الحكومة ورئيسها في الموضوع الأمني، وصفقات تمويل وتقوية أجهزة، وإضعاف أخرى، لحسابات سياسية ضيقة؟‏

ـ أين الحكومة ورئيسها في موضوع التشكيلات القضائية التي تكاد تطيح بآخر القلاع التي كان يؤمل به بعض الخير في انطلاق الإصلاح اللبناني؟‏

ـ أين الحكومة ورئيسها من الهدر والفساد والتلزيمات على أساس المحسوبيات، والتنفيعات للأقارب والأزلام؟‏

إن ملفاً متضخماً ومتأزماً إلى هذا الحد لا يمكن لحكومة كهذه أن تضطلع بمعالجة أعبائه بالشكل المطلوب، لذا كانت الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية التي لا بديل عنها لبدء مسيرة الإنقاذ.‏

الموضوع أكبر من حسابات سياسية وطائفية وفئوية ضيقة، الموضوع يتعلق بإنقاذ الوطن، كل الوطن، ومدخله الوحيد حكومة الوحدة الوطنية، وإن غداً لناظره قريب.‏

ابراهيم الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1182 ـ 29 أيلول/ سبتمبر 2006‏

2006-09-29