ارشيف من : 2005-2008
غدير البيعة والولاية
راكعون، ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" (55 ـ 56 ـ المائدة).
تدل الآية الكريمة على أن الولاية على الناس منحصرة بمن ذكرتهم، وهم ـ أولاً ـ رب العزة والجلالة من منطلق كونه الخالق، فهو له الولايتان التكوينية والتشريعية على الخلق أجمعين، وهذه الولاية لله هي الأصل والأساس لكل الولايات الأخرى، لأنها ولاية ذاتية لله عز وجل وليست ولاية مجهولة ـ ثانياً ـ الرسول (ص) وله الولاية بالجعل من الله عز وجل، وهي هنا مختصة بالولاية التشريعية، أي أن للنبي (ص) الولاية في أن يأمر وينهى، ويجب على المسلمين الطاعة وامتثال الأوامر الصادرة اليهم، لأن أمر النبي هو أمر الله، فطاعتهم طاعة لله ومعصيتهم معصية لله عز وجل، ومن دون إعطاء النبي (ص) الولاية على الناس لما أمكن له أن يقوم بأداء المهام الموكلة إليه، لأن سلطة أي شخص على آخر لا بد أن يكون لها مرجعية صالحة تعطي الحق لإنسان ما بأن يكون ولياً، ومعطي الولاية هنا هو الله عز وجل "الخالق والمشرّع".
ـ ثالثاً ـ والذين آمنوا …: والخطاب هنا وإن كان بالجمع إلا أن المقصود به هو الإمام علي بن أبي طالب (ع) عندما تصدق بخاتمه وهو في الركوع لفقير جاء يطلب صدقة من المسجد، وقد نزلت الآية بعد حادثة الصدقة مباشرة، وقد وثقها الشاعر حسان بن ثابت شعراً فقال:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي
وكل بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحي والمحبين صنائعاً
وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً
زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية
وثبتها متن كتاب الشرائع
والدلالة على أن المراد بـ"الذين آمنوا" هو أمير المؤمنين (ع) هو ما ورد من طرق الشيعة والسنة في كتب التفاسير المعتبرة عندهم، ففي كتب الشيعة ورد ذلك في "الكافي" و"البرهان" و"غاية المرام" و"تفسير القمي" و "العياشي" وفي كتاب "الاحتجاج"، وفي كتب السنة ورد ذلك في تفسير "الثعلبي" وفي كتاب "مناقب ابن المغازلي" وعن "الخطيب الخوارزمي" وعن "الحافظ أبي نعيم"، وكذلك عن النسائي والطبري والطبراني وأبي حيان والزمخشري، وغيرهم كثيرين.
ونظراً لأهمية الولاية في الإسلام، وأنها بمثابة القلب من الجسد، نزل قوله تعالى في حجة الوداع "يا أيها النبي بلغ ما أنزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"، حيث أمر الله نبيه (ص) بتبليغ الناس أن الإمرة والولاية على الأمة بعده هي لعلي ابن أبي طالب (ع)، وأن على النبي (ص) أن يبلغ ذلك التكليف الإلهي، والله يتكفل بعصمة النبي من تكذيب الناس له في ذلك، وهذا التبليغ كان من أجل إظهار صاحب الولاية للناس بشكل واضح وجلي، وحتى لا يكون أمر الولاية مثاراً للاختلاف بين المسلمين بعد النبي (ص)، ومن يراجع كتب السيرة ويتفحص الطريقة التي تم فيها إبلاغ المسلمين في غدير "خم" يدرك مدى العناية الإلهية في تبليغ هذا الأمر المهم والخطير في آن معاً في حياة الأمة الإسلامية، وكان من أبرز ما قاله النبي (ص) يومذاك "من كنت مولاه فهذا علي مولاه.. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله"، وكون هذا التبليغ كان قبيل رحيل النبي (ص) عن هذه الدنيا بعد حجة الوداع يشير الى الأهمية القصوى لعدم ترك هذا الأمر عرضة للأخذ والرد، وللتأويلات المختلفة من أصحاب الأهواء والأغراض والميول غير الصحيحة أو المنحرفة.
وما يعطي أمر الولاية هذا القدر العظيم من الأهمية والمنزلة في العقيدة الاسلامية هو قوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً..."، حيث أشارت هذه الآية الكريمة أن تبليغ الولاية وثباتها هو تتمة أحكام هذا الدين وبدونها لا يكون الدين كاملاً وتاماً وشاملاً، وما هذا التأكيد إلا لإبراز الولاية وإظهارها بمظهرها الفعلي والحقيقي، وأن الدين لا يستقيم إلا بها، وبدونها لا يمكن أن تجتمع الأمة الإسلامية على قيادة موحدة تقودها نحو بر الأمان والسلامة.
والولاية لعلي (ع) تعني قيادة الأمة بعد النبي (ص) على نحو ما كان يقودها وبنفس الكيفية في طريقة إدارة أمور البلاد والعباد، ما عدا الأحكام التي كانت خاصة بالنبي وبمقام النبوة وتفصيلها موكول الى محله في الكتب الموسّعة. والولاية عن النبي(ص) لا بد أن تعني أن الولي لا بد أن يتصف بالمواصفات الأقرب الى الرسول الأعظم (ص) ومن أهمها "العصمة" التي ثبتت لعلي (ع) ولأولاده الأئمة(ع) من بعده بنص آية التطهير "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً"، وهذه الصفة التي لا يصل اليها إلا من اختصه الله بها لمعرفته بخلقه وبمن تصلح له الإمامة وتصلح الإمامة له، ولذا قال الامام زين العابدين "الإمام منا لا يكون إلا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلق فَيُعرف بها، لذا وجب أن يكون منصوصاً".
وبعد معرفة معنى الولاية ومن هو الولي بعد النبي(ص) فإن وظيفة الولاية في الأمة هي صمام الأمان من الانحراف، وحفظها من الضياع، وصيانتها من الانزلاق الى ما يخالف مصالح الأمة ويوقعها في المفاسد.
ومن هنا نفهم لماذا شدد النبي (ص) في حديث الثقلين على ضرورة التمسك بالقرآن الكريم وبأئمة أهل البيت (ع) معاً، لأنهما يكملان بعضهما البعض، ولأن التمسك بالقرآن وحده لا يجدي نفعاً، لأن القرآن فيه الكثير من الآيات ذات الأوجه المختلفة في التفسير ما يجعله عرضة للتلاعب به من أصحاب الأهواء والأنفس المريضة، بينما لو تمسكنا بأهل البيت والقرآن معاً، وأخذنا عن الأئمة ما هو المراد من القرآن لما حصلت الانحرافات والخلافات بين المسلمين، والتي ما زالت حتى اليوم تتفاعل لتمزق وحدة الأمة وتفرق قواها وتشتت مواردها وتجعلها لقمة سائغة لكل طامع وظالم ومستكبر.
لهذا نقول إن يوم الغدير، هو يوم البيعة ويوم الولاية ويوم إكمال الدين وإتمام النعمة، وإن علينا أن نعمل بكل جهد ومن دون كلل أو ملل لتوضيح هذا الأمر للأمة الاسلامية، وبأن الولاية هي أساس هذا الدين الذي يجمع ولا يفرق، ويوحّد ولا يشتت، ويقوّي ولا يضعف، وهي الحافظ لوحدة الأمة، والناظم لأمورها وشؤونها، والقادر على إدارة أمورها نحو تحقيق الأهداف الدنيوية والأخروية.
ويوم الغدير ليس حكراً على طائفة اسلامية دون أخرى، فهو للمسلمين جميعاً لأن هذا الأمر قد تم في زمن النبي (ص) وفي حياته، ولم تكن هناك بعد مذاهب حتى يحتج البعض بأن الغدير يخص مذهباً معيناً من مذاهب المسلمين، ومن هنا يجب على جميع أتباع المذاهب الإسلامية دراسة هذا الأمر دراسة عقائدية وتاريخية لكي تتم مقاربة الأمر من جميع أبناء المذاهب لعلنا نصل الى اليوم الذي يجمعنا بكل توجهاتنا تحت راية هذه الولاية بغض النظر عن أية أمور أخرى، وأن نرمي وراءنا خلفياتنا التي تجعلنا نتخذ موقفاً مسبقاً من أية قضية نريد أن نعالجها معالجة موضوعية، أو أن ندرسها دراسة واقعية للوصول من خلالها الى النتائج التي يجتمع عليها المسلمون، وقضية الغدير هي من القضايا التي يمكن تحقيق إجماع من المسلمين حولها، خصوصاً أن كبار علماء المسلمين من السنة والشيعة قد أقروا بأن آية الولاية نزلت بحق علي (ع) وأبنائه من بعده عليهم السلام.
الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني/ يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018