ارشيف من : 2005-2008
عيد الغدير وابتلاء الانسان بالطاعة
بالمصالح والاهواء وحب الامتلاك والحيازة، تتوالى التعاليم الالهية الرادعة للانسان عن الهوى والآخذة بيده نحو التعالي والتكامل، فينشأ الاختبار بين الالتزام بحكم الله او العصيان، وما دام ان ميل الانسان ونزوعه نحو مقتضيات الهوى فإن هذا الميل هو تسافلي بلحاظ الماهية المتناسبة مع الهوى، اي انه يسير تنازليا نحو المادة. وبما ان مقتضى الالتزام بالحكم الشرعي ومن لوازمه السير التصاعدي، فإن النتيجة تبدو للوهلة الاولى تضارباً بين فعل الهوى وبين الالتزام بأحكام الله تعالى، وهنا ينشأ الاحتكاك والصراع والتصادم بين أمّارية النفس وبين صعوبة وحمازة الالتزام والطاعة. وهذا هو مفاد الجهاد الاكبر حيث ساحة الصراع هي النفس والتصادم بين ثورة الهوى ودعوة الهوى، وعلى هذا الاساس فإن كل التكاليف الالهية هي مصدر انتاج الصراع، كلما كان التكليف اصعب ، كان الصراع أشد وأقسى "فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ...".
ومن أشد التكاليف الالهية صعوبة على الانسان موضوع الطاعة لمن أوجب الله طاعته من بين البشر؛ فالانسان مفطور على عدم الطاعة وعلى اتباع النفس وهواها، ولا تطيق في العادة الانصياع للاوامر خصوصاً اذا صدرت من انسان آخر، الا اذا كان الآمر هو سبب معيشة ورزق لهذا الانسان، اما اذا كان الآمر هو مصدر حياته الابدية وسعادته اللامتناهية فإن الانسان غير جاهز ولا قابل للاطاعة والالتزام، فالانسان ميال الى العاجل، من هنا كان التشديد والتأكيد الالهيين على موضوع الولاية لأولي الامر من النبيين والصديقين من الذين جعلهم الله ائمة وقادة وسادة وولاة امر، فكان نداء الانبياء الواحد على مدى الازمان للامم والشعوب والمجتمعات: "فاتقوا الله وأطيعون"؛ فالمشترك بين كل الانبياء ودعواتهم هو تقوى الله والطاعة، وقد تكرر هذا النداء على ألسنة انبياء الله تعالى في القرآن، فالتقوى هي المخافة التي ينتج عنها السلوك الايجابي والابتعاد عن المعاصي، والطاعة هي النهج العملي الذي ينتج عنه الانتظام والوحدة والقوى والعزة والقدرة على الدفاع عن الحق واهله، ولقد كان الابتلاء بالطاعة اكثر من الابتلاء بظاهر التقوى، فقد يكون من السهل على الانسان الالتزام بمؤدى التقوى من الشعائر والطقوس والعبادات الا انه يشق عليه عادة ان يطيع غيره ويلتزم بأوامر انسان آخر مثله. من هنا كان التأكيد على الولاية فلم يُدعَ بشيء في الاسلام مثلما دُعي بالولاية، ولم يسقط الكثيرون على امتداد التاريخ ممن عبدوا الله ظاهراً وأطاعوه واتقوه خارجاً، لم يسقط هؤلاء الا بالخروج على الولاية وعصيان اولي الامر المفترضي الطاعة، ولقد كانت مشكلة اهل الحق التاريخية هي قلة الاتباع والانصار المطيعين الملتزمين الثابتين على الولاية والطاعة، حصل ذلك مع انبياء الله جميعاً وتكرر مع الاوصياء والاولياء لا سيما بعد وفاة النبي الاكرم محمد(ص) حيث كانت الولاية الركن الجامع والروح المشيدة لاركان الدين والتي فيها النظام والانتظام والعزة والمنعة والاقتدار، ولقد جعل الله الولاية آنذاك لرجل لا مجال للطعن فيه وفي مزاياه وخصاله، رجل احب الله وأحبّه الله، كان السبّاق في الاسلام وفي الايمان وفي الجهاد، وكان الاول في التقوى والزهد والعبادة والعلم والشجاعة والحلم والحكمة والوعي والمنطق وعظيم الاخلاق، فلم يبتل الله الامة بعد النبي برجل عليه خلاف وفيه ضعف او منقصة او ذميمة، فقد كان انساناً كاملاً وصوت الحق الصادح في عالم الانسان والعادل المطلق الذي احب الانسان واحترمه وشيّد صروح الحق ودعائمه وهو لما يزال نموذجاً لمن اراد من البشر ان يكون الانسان حق الانسان.
وما احوجنا في مثل ايامنا هذه الى الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، الذي تخلى عن حقه ليحيا الاسلام، وكي لا تصيب دين الله اي مصيبة ما دام ان الظلم عليه خاصة، وهو الذي لم يفرق بين البشر وتقاضى امام اليهود والنصارى، ومدح مناوئيه ونصحهم واشار عليهم، ولم يدعهم لخطاياهم وهفواتهم، وهو الذي اعتبر البشر سواسية "فإما اخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق"، وهو الذي ساوى نفسه بأضعف خلق الله ولم يتكبر او يتجبر، وهو الذي ضيق على نفسه ووسع على الخلق، وطلق الدنيا وحرمها نفسه لكي يعطي الآخرين ولم يرض بالظلم انى كان الظالم ومهما كان المظلوم، ولم يعط الآخرين ويمنع الابعدين، وساوى بين العباد في الانفاق وبكى للايتام وحنّ الى الفقراء وجالس المساكين وتجنب المستكبرين والمتكبرين، علي بن ابي طالب(ع) الانسان الكامل هذا هو الذي ابتليت الامة بولايته واختبرت بطاعته في الثامن عشر من ذي الحجة الحرام، وهو صاحب النهج القويم الحق الذي لن يبيد، فهو الحق كما عبر عن ذلك النبي الاعظم(ص) عندما قال: "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار"، ولان علياً (ع) كذلك فإنه سوف يحق بنهجه وبخطه (الاسلام الاصيل) عندما يحق الله بكلماته ولو كره الكافرون ولو كره المشركون..
د.بلال نعيم
الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018