ارشيف من : 2005-2008
ثقافة 2006 : نجوم تلألأت وأخرى هوت في ليل الظلام المديد
على الحربين اللتين شنتهما الإدارة الاميركية على لبنان؟ لقد شكلت الحرب الاميركية الأولى على لبنان بأداتها العسكرية ـ الصهيونية بوصلة حقيقية ومؤشراً لكل العرب والمسلمين على ساحة المواجهة التي ينبغي أن تتوجه اليها أفئدتهم قبل بنادقهم، وأرواحهم قبل أموالهم، لقد عيّنت الحرب الأولى ذات الثلاثة والثلاثين يوماً، أو ذات الثلاثة والثلاثين انتصاراً على النفس قبل العدو، أعداء الأمة الحقيقيين لا سيما أنها أتت بعد عدوان همجي على غزة أدمى العيون، وأحزن القلوب. كرّست هذه الحرب الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله قائداً تاريخياً، لا يعرف الخوف والوجل، وأثبتت أن الرجل زعيم من قماشة نادرة لا يجود الزمن بمثيلاتها إلاّ في أمداء متباعدة من الزمن، كما كشفت الحرب النقاب عن نجوم لامعة أضاءت سماء الأمة بدمائها، إنهم مجاهدو المقاومة الاسلامية الذين أثبتوا للقاصي والداني أنهم سياج يمكن الاعتماد عليه في الأوقات الصعبة، أما جمهور المقاومة فكان نجم العام بامتياز بتضحياته وتهجيره وصبره على الدمار والآلام. لقد تجاوز كل ذلك وعبر بالطرفة الشعبية التي استلهمها من كلمة "الحاجة كاملة" "للمنار": "فدا إجر المقاومة"، وعبثاً حاولت المحطات التلفزيونية المحبَطة والمحبِطة اصطياد كلام يذم المقاومة وسيدها ومجاهديها، لقد حازت بعض وسائل الاعلام المحلية المرتبة الأولى في ثقافة الانهزام والسلبية، وجاءت محطتا "المستقبل وLBC" في مقدمة هذا النفق الأسود، سجلت LBC قصب السبق في الحرب الأولى لجهة إحباط الناس وتخويفهم والنيل من معنوياتهم، وفازت "المستقبل" بالمرتبة السوداوية الأولى في الحرب الاميركية الثانية على لبنانها، بأدواتها الحريرية والجنبلاطية والجعجعية، لعبت "المستقبل" دوراً تحريضياً بارزاً وتفوقت على منافستها LBC على مستوى التجييش المذهبي، فسجلت فتوحات هامة وابتكارات تحسد عليها، وكانت بكل ذلك منتجا اعلاميا وفيا ومخلصا لممولها وولي نعمتها سعد الحريري، كما لعبت على مسرح 2006 شخصيات سياسية دور "البطل الشرير" المكروه إلى حد القرف من قبل الجمهور، وقد جاء البيك وليد ليصير التعبير الأقصى لهذه الحالة السياسية المناهضة لروح وثقافة المقاومة التي يمثلها سماحة السيد حسن نصر الله.
من هذا المشهد البانورامي العام يمكن الولوج إلى مسرح الحياة الثقافي التقني الذي لم يسجل سطوع نجوم في سماء 2006 بقدر ما شهد غياباً مدوياً لشخصيات كبيرة كصاحب نوبل الروائي المصري نجيب محفوظ عن 94 عاماً، وحوالى 50 عملاً روائياً تحولت بمعظمها إلى أفلام ومسلسلات مصرية، أغنت الشاشة العربية بشخصيات نمطية أبرزها شخصية السيد أحمد عبد الجواد بطل الثلاثية الشهيرة "بين القصرين" و"قصر الشوف" و"السكرية"، عبر مسيرته الروائية كرّس محفوظ صورته كفيلسوف للحياة اليومية بتفاصيل تفاصيلها، وانما على نحو شديد الكلاسيكية.
كما سجل العام 2006 أفول نجم قصيدة النثر العربية السوري محمد الماغوط عن 72 عاماً الذي عاش حياته على الهامش متبنياً القضايا الخاسرة، منحازاً إلى المظلومين، واضعاً شعره في مواجهة السياط والهراوات والأسلاك الكهربائية، فجاء شعره مفعماً بالحزن الأبدي والحرارة والعواصف الغاضبة على العروش والطواغيت.
"سأظل متكئاً على ريشتي حتى الشيخوخة، متكئاً على مرفقي حتى يسيل اللحم على الخشب". كما سجل العام 2006 غياب الكاتب السوري عبد السلام العجيلي (88 عاماً) والكاتب والمسرحي اللبناني عصام محفوظ أحد رموز نهضة السبعينات، ومؤسس الفن التشكيلي الفلسطيني اسماعيل شموط (76 عاماً)، والمؤرخ العراقي الشيخ جلال الحنفي (91 عاماً).
لملم العام 2006 أوراقه تاركاً نجوماً تتلامع أضواؤها، وأخرى مطفأة تلجلج في غياهب النسيان.
حسن نعيم
الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018