ارشيف من : 2005-2008
عام 2006 انقلابات وتآمر للفريق السلطوي على المقاومة
في البلاد على الثوابت الوطنية، ولا سيما المقاومة، بعدما ارتضى هذا الفريق لنفسه أن يكون أداة طيّعة بيد المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة.
وكماانطلق هذا العام بحملة مسعورة على المقاومة والانقلاب على كل الاتفاقات انتهى بحملة مماثلة تستهدف حزب الله والمقاومة ويقودها الفريق نفسه.
الرد على الفريق السلطوي جاء ببرنامج تصحيح متكامل أعلن خطوته الأولى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ببرنامج وطني للتغيير أساسه تشكيل حكومة وحدة وطنية.
ومن الحوار الى اللقاء التشاوري، الى الشارع في تحرك سلمي تقوده قوى المعارضة مجتمعة لتحقيق التوازن في الحكم ومواجهة المواصية التي يخضع تحتها الفريق الحاكم.
شهدت الأيام والأسابيع الأولى من العام ألفين وستة وساطات وجهودا سياسية لإنهاء أزمة اعتكاف وزراء حزب الله وحركة أمل، بعد أن كانوا علقوا مشاركتهم في جلسات مجلس الوزراء في الثاني عشر من كانون الأول من العام ألفين وخمسة، إثر تمرير مشروع المحكمة الدولية في يوم اغتيال النائب جبران تويني من دون إفساح المجال أمام مناقشة تفاصيل هذا المشروع. وتوجت الحركة السياسية باتفاق جرى التوصل اليه في الرياض بين المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل والنائب علي حسن خليل ورئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، لكن هذا الاتفاق جرى الانقلاب عليه بعدما أوعز الأميركيون بذلك الى رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وتذرع الحريري بأنه لم يستطع إقناع حليفيه بالاتفاق. وبذلك استمرت الأزمة، وأطلق الفريق السلطوي حملة نالت من المقاومة في خرق فاضح للبيان الوزاري الذي أكد حق المقاومة في التحرير. وجاء المخرج في جلسة نيابية قال فيها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عن المقاومة: "إننا لن نسمّيها إلا باسمها". وبذلك عاد وزراء حزب الله وحركة أمل الى المشاركة في جلسات مجلس الوزراء في الثاني من شهر شباط، وذلك بعد اعادة ترميم التفاهم على عدم تمرير أي قرارات مهمة في مجلس الوزراء إلا بعد التوافق عليها مسبقاً.
في السادس عشر من شهر شباط أطلق فريق السلطة حملة للإطاحة برئيس الجمهورية العماد اميل لحود، ولجأ وزراؤه الى مقاطعة جلسات مجلس الوزراء في القصر الجمهوري، وشنوا حملة منظمة عليه على أكثر من خلفية، بينها ملف المحكمة، وأعلنوا نيتهم التوجه الى قصر بعبدا لمحاصرته وإسقاطه ما لم يبادر الى الاستقالة من منصبه، لكن هذا المخطط باء بالفشل لسببين:
أن الجيش لن يسمح باقتراب أي تظاهرة من القصر الجمهوري، و استعداد الشارع الآخر، لحماية القصر الجمهوري.
أدرك الفريق الحاكم أنه في طريق مسدود، وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري في تلك الأثناء قد أطلق مبادرته السياسية لعقد مؤتمر حوار وطني لمناقشة القضايا الخلافية على طاولة مستديرة.. وأمام هذا الواقع والأفق المسدود وافق الفريق السلطوي والمعارضة على المشاركة في المؤتمر.
"مؤتمر الحوار"
انعقدت الجلسة الأولى لمؤتمر الحوار الوطني في مقر المجلس النيابي في الثاني من شهر آذار بمشاركة جميع قيادات الصف الأول التي دُعيت الى المشاركة فيه، وهي القوى التي تتمثل في المجلس النيابي. وعُقدت الجلسة الأخيرة في التاسع والعشرين من حزيران.
جرى التوافق في الجلسة الأولى لمؤتمر الحوار على إقرار مبدأ المحكمة الدولية، وفي الجلسات التالية جرى التوافق على عدد من النقاط الأخرى الأساسية، منها العلاقة مع سوريا وإقامة علاقات دبلوماسية معها وتحديد مزارع شبعا. وجرى توافق أيضاً على الملف الفلسطيني والسلاح خارج المخيمات، ثم الاتفاق على "عدم التوافق" على الاستحقاق الرئاسي، حيث فشل الفريق السلطوي في إعلان مرشح لهذا المنصب. والبند الأخير الذي طُرح على مؤتمر الحوار كان ملف الاستراتيجية الدفاعية الذي نوقش في الجلستين الأخيرتين من دون التوصل الى اتفاق بشأنه، وقدم الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله ملفاً متكاملاً حول هذه الاستراتيجية أذهلت القيادات الحاضرة. وفي قراءة الأوساط السياسية لنتائج هذا المؤتمر أمكن تسجيل ملاحظات عدة:
1 ـ انقلاب الفريق السلطوي على محاولة تحسين العلاقات بين لبنان وسوريا بإيعاز أميركي برغم التوافق على هذا الملف في مؤتمر الحوار، وتأكيد قيام علاقات مميزة معها، حيث بقي السنيورة على مقاطعته لدمشق، وشن جنبلاط العديد من الحملات على النظام في سوريا ودعا الى إسقاطه.
2 ـ فشل فريق السلطة في قضية رئاسة الجمهورية، حيث تأكد بقاء الرئيس لحود في منصبه بعد تعثر التوافق على هذا الملف.
3 ـ فشل فريق السلطة في فرض وجهة نظره في ملف سلاح المقاومة، وهو الملف الأساس الذي كان يعول عليه هذا الفريق بإيعاز أميركي، حيث كانت واشنطن تعول على امكانية نزع سلاح المقاومة عبر أدواتها في لبنان. وعندما أدركت أنه أمر مستحيل، بدأ التحضير للخيار الأخير، وهو اعتماد العدوان الصهيوني. وقد جرى التمهيد لهذا الخيار بعدة مؤشرات، بينها جولة لمساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد ولش، حيث أسرّ الى بعض أركان فريق 14 شباط أن الخيار الإسرائيلي بات هو الخيار الأخير للقضاء على المقاومة. وقد لاحظ المراقبون حينها كلام قادة هذا الفريق في الجلسة الأخيرة لمؤتمر الحوار، حيث دعوا الى "إرجاء ملف سلاح المقاومة الى تشرين، لأنه ليس أمراً مستعجلاً! وهم كانوا على علم بالتحضيرات التي تجري للعدوان. وهنا تتوقف هذه الأوساط عند الرقم الذي كان اقترحه جعجع حينها للإتيان بخمسة عشر ألف جندي من الحلف الأطلسي الى الجنوب في سياق الاستراتيجية الدفاعية، والرقم هو ذاته الذي جرى اعتماده لاحقاً للقوة الدولية بعد العدوان الصهيوني، وتتساءل: هل كان هذا الرقم عن طريق المصادفة أم أن هناك من أوحى به الى جعجع في ذلك الوقت؟! استمرت محاولات فرض حصار سياسي على المقاومة من الداخل، فكان موقف الرئيس فؤاد السنيورة في قمة الخرطوم الذي حاول من خلاله حذف بند دعم المقاومة من البيان الختامي للقمة العربية. وبعد هذا الموقف كانت زيارة الاحتضان والتبني الأميركي للسنيورة، حيث زار الأخير واشنطن في الثامن عشر من شهر نيسان والتقى الرئيس الأميركي جورج بوش، الذي أكثر من عبارات الدعم والتأييد للسنيورة الذي التزم بشكل كامل بالأجندة الأميركية للبنان. وبذلك كانت جميع المناخات الداخلية مهيأة لطعن المقاومة في الظهر لدى بدء العدوان الصهيوني على لبنان، وهو ما حصل بالفعل خلال العدوان الذي بدأ في الثاني عشر من تموز وانتهى في الرابع عشر من آب، وحصل ما لم يكن في الحسبان، فقد حققت المقاومة انتصاراً تاريخياً على العدو الصهيوني وانقلب السحر على الساحر.. وبرغم ذلك أصرّ الأميركي على محاولة حصار المقاومة بعد انتهاء العدوان، فكان الحصار الرسمي على أكثر من صعيد، من إهمال ملف إعادة الإعمار والتباطؤ في رفع آثار العدوان وحجز أموال المساعدات التي جاءت من الخارج، واستكملت سياسياً ببيان البريستول لقوى السلطة الذي حمّل المقاومة مسؤولية العدوان وأنكر انتصار المقاومة وطالب بتطبيق القرارات الدولية لمحاصرتها.
جاء الرد مدوّياً عبر مهرجان الانتصار التاريخي الذي حصل في الثاني والعشرين من أيلول في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث كان الحشد مليونياً وغير مسبوق، وأضيف اليه الخطاب التاريخي للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، الذي أعلن فيه برنامجاً سياسياً لتشكيل حكومة وحدة وطنية وهدنة سياسية خلال شهر رمضان قبل اللجوء الى التصعيد.
"اللقاء التشاوري"
انتهى شهر رمضان وكانت مسارعة الرئيس نبيه بري الى اعلان مبادرة سياسية جديدة سمّاها "اللقاء التشاوري".. وافق الأفرقاء على المشاركة في هذا اللقاء، ولكن هذه المرة بغياب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لظروف أمنية. وكان جدول الأعمال تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيها للمعارضة الثلث الضامن، وإعداد قانون جديد للانتخاب. حصلت جلسات عدة، وفي إحدى هذه الجلسات جرى التوصل الى اتفاق بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، حيث دخل الحريري على اجتماع لبري ورعد على هامش الجلسة الرسمية وقال: أعطوني المحكمة وخذوا أكثر من الثلث في حكومة وحدة وطنية. انتهى "اللقاء الثلاثي" والجلسة التشاورية حينها التي عُقدت يوم الخميس في التاسع من تشرين الثاني على مسودة اتفاق، على أن يبلور الاتفاق في الجلسة التي ستعقد السبت في الحادي عشر من تشرين. "لكن انقلاباً حصل"، حيث عاد الحريري وتملص من الموضوع في جلسة السبت بذريعة عدم قبول جعجع وجنبلاط! لكن تبين ان الراعي الأميركي لهذا الفريق أوعز بإفشال مؤتمر التشاور، وهو ما كان في جلسة السبت، حيث جرى تحديد جلسة لمجلس الوزراء يوم الاثنين في الثالث عشر من تشرين لإقرار المحكمة، بعد أيام فقط من وصولها الى لبنان، وهو ما شكل نسفاً للاتفاق بين الحريري والرئيس بري حول الحكومة والمحكمة.
وقتها انفضت الجلسة باكراً، وما هي إلا ساعات حتى صدر بيان مشترك عن استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل من الحكومة، وبذلك فقدت الحكومة شرعيتها الدستورية والميثاقية استناداً الى الفقرة (ي) من مقدمة الدستور، حيث "لا سلطة شرعية تناقض ميثاق العيش المشترك". لكن الفريق السلطوي مضى في خرقه للدستور ومرر المحكمة وأحالها الى مجلس الأمن الذي أقرها على وقع اغتيال الوزير بيار الجميل، ثم أقرّها الفريق السلطوي وأحالها الى رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الذي ردّها، لأن القرار صادر عن سلطة فاقدة الشرعية الدستورية.
الى الشارع
في هذه الأثناء كانت المعارضة تحزم أمرها وتحدد برنامج عملها وتحضر للنزول الى الشارع، لكن اغتيال الوزير الجميّل قبل أيام من التحرك دفع الى إرجائه أسبوعا، وكان الحدث التاريخي في الأول من كانون الأول الذي شهد التظاهرة التاريخية المليونية في ساحتي رياض الصلح والشهداء، وتكرر المشهد في العاشر من الشهر نفسه بحشود أكثر كثافة من تظاهرة اليوم الأول، وذلك وسط اعتصام مفتوح ما زال مستمراً حتى الآن.
على وقع هذا المشهد كانت مبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الذي أعلن في جولته المكوكية الثانية عن تحقيق تقدم بنسبة خمسين في المئة عبر التوصل الى اتفاق على صيغة حكومية تقوم على مبدأ (19 ـ 10 ـ 1)، وتشكيل لجنة سداسية لمناقشة تفاصيل مشروع نظام المحكمة الدولية، لكن فريق السلطة ما لبث أن انقلب على هذه المبادرة وأفشلها بإيعاز ـ مرة جديدة ـ من الولايات المتحدة التي تضع في رأس أولوياتها إحداث فتنة مذهبية، وتحديداً بين السنة والشيعة. وقد حاولت "ميليشيا المستقبل" جرّ المعارضة الى هذه الفتنة عبر تصرفات ميليشياوية أدت الى استشهاد مواطن، لكن المعارضة فوّتت هذه الفرصة وأبقت على البعد السلمي الحضاري لتحركها، وهو ما أربك السلطة وأحرجها وأحرج سيدها الأميركي.
العام ألفان وستة انتهى كما بدأ بمحاولات انقلابية وتآمرية لفريق السلطة الذي ارتضى نفسه أداة بيد واشنطن، لكن هذه الانقلابات فشلت وتحركات المعارضة الوطنية المتواصلة كفيلة بإعادة بوصلة الوطن الى اتجاهها الصحيح، والوقت لن يطول قبل أن يسقط المشروع الأميركي الصهيوني في لبنان، كما يتهاوى في باقي دول المنطقة.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018