ارشيف من : 2005-2008

اغتيال الجميّل ومجذوب وكشف شبكة رافع الإسرائيلية وتحريض "الشباطيين" يقتل شابّين

اغتيال الجميّل ومجذوب وكشف شبكة رافع الإسرائيلية وتحريض "الشباطيين" يقتل شابّين

بلدهم كانت حافلة بالأحداث السياسية والأمنية الجسيمة، التي تعتبر امتداداً لما حصل في العام 2005 من اغتيالات وتفجيرات وإخلال بأمن المواطن، مع فارق بسيط لكنّه مهمّ في سياق تكوين الوطن، هو أنّ بعض حوادث العام 2006 شارك الفريق الحاكم وأحزابه في اقترافها من دون أن يحاكَم أحد على هذه الأفعال التي تبغي الفتنة والتحريض وشرذمة صفوف اللبنانيين بغية السيطرة عليهم أكثر فأكثر ورهنهم للغريب الأجنبي، وفي طليعته الولايات المتحدة الأميركية.‏

فهل تسجّل هذه الحوادث، كما هي العادة السيّئة لدى الأجهزة الأمنية وسواها من الأجهزة الرسمية، عند السعي إلى تضليل التحقيق ضدّ مجهول، على الرغم من أنّه معلوم؟!‏

واللافت للنظر أنّ الأمني والقضائي والسياسي تداخل بعضه ببعض في "حياكة" معظم هذه الحوادث، ولو بطريقة غير مباشرة. فلم تتوصّل التحقيقات الأمنية الأولية ولا القضائية الاستنطاقية إلى التعمّق في تفاصيلها أو كشف ملابساتها ومعرفة الفاعلين الحقيقيين وتوقيفهم وسوقهم إلى قفص العدالة، ليتضح أنّ السبب الأول لهذا العمل هو الطلب السياسي الصادر عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، الذي يختصر عادة بشعار "مصلحة الدولة العليا"، مع أنّ مصلحة الوطن تكون في تفكيك الشبكات المخلّة بالأمن ومحاكمتها لتكون عبرة لسواها! والأهمّ من ذلك تكون ضربة موجعة لمن شكّلها وجنّدها وأمرها بالقيام بالأعمال التخريبية التي تصل إلى حدود الخطر والمسّ بمصلحة الوطن وأمنه وأهله.‏

"فرع المعلومات"‏

وقد بدأت تباشير هذه الحوادث مع تعمّد تيّار "المستقبل" الذي ورثه النائب سعد الدين الحريري، في تحويل "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي من جهاز أمني عام لكلّ الوطن ومحدود الصلاحيات، إلى جهاز أمني خاص تابع له، فرفعه إلى مصاف شعبة لكي يتساوى مع مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، خلافاً للقانون ولمرسوم تنظيمه الصادر في 6/8/ 1993.. ونصّب عليه ضابطاً عمل مستشاراً لدى الرئيس رفيق الحريري هو المقدّم وسام الحسن الذي أعيد فجأة إلى سلك قوى الأمن برغم أنّه استقال منه، وبرتبة أعلى مما كان عليه سابقاً، لكي يتسنّى له استلام هذا المركز الأمني الحسّاس.‏

ولا يزال موضوع تحويل هذا الفرع وتكبيره وزيادة عديده وعدّته موضع جدال وسجال بين المدافعين المستفيدين والمعارضين، وهو باكورة الإجهاز الرسمي على القانون من حكومة دأبت على تسخير القانون لمصلحتها والعمل بما يناقضه، مستندة إلى اجتهادات غير منطقية ومدفوعة التكاليف مسبقاً، بحسب ما رشح في غير مناسبة.. مع أنّ القاعدة القانونية المبدئية تقول: لا اجتهاد في معرض النصّ.‏

وتبعت هذه الإشكالية استقالة وزير الداخلية والبلديات حسن السبع بعد أعمال الشغب والاعتداءات التي ارتكبها مناصرو "القوى الشباطية" في محلّة التباريس في الأشرفية يوم الأحد في 5 شباط/ فبراير، حيث اجتاحوا منازل المواطنين المسيحيين وحطّموا وكسّروا الكثير من المحال التجارية والمؤسّسات ودور العبادة والسيّارات المركونة إلى جانب الطريق، وضربوا القوى الأمنية التي حاولت ردعهم عن غيّهم، وعرّضوا السلم الأهلي للخطر، ثمّ نالوا أحكاماً وجاهية مخفّفة جدّاً، ولم تعوّض حكومة السنيورة على المتضرّرين بما يناسب حجم الأضرار التي أصيبوا بها، وجرى التستّر على المحرّضين.‏

وكانت المفاجأة في اليوم التالي، أي الاثنين في 6 شباط/ فبراير عندما أعلن رسمياً عن التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ، فنزل برداً وسلاماً على الأهالي في التباريس بما يعنيه من عدم الانزلاق إلى حرب أهلية أرادتها "القوى الشباطية" التي وقفت حائلاً دون حصول محاكمة شفّافة لهؤلاء المتورّطين في هذه الارتكابات الفظيعة.‏

وتولّى وزير الرياضة أحمد فتفت مسؤولية وزارة الداخلية بالوكالة، وصار يوقّع قرارات ويرأس اجتماعات أمنية خلافاً للقانون، في ظلّ عدم قبول السنيورة استقالة السبع الذي بقي موجوداً في منزله في بيروت، وهو ما يتعارض ومفهوم غياب الوزير الأصيل لكي يتولّى سدّة المسؤولية وزير الإنابة ويقوم بما يسمح له القانون به، وهذا ما أكّدته حكومة السنيورة عندما أعادت السبع إلى وزارته، لترسم علامات استفهام كثيرة حول الدور الخاطئ الذي أدّاه فتفت بامتياز، والذي شهدت حقبته الكثير من الجرائم المفتعلة، ولم يتزحزح عن الكرسي الذي أعطي له، فظلّ ممسكاً به خشية الاعتراف بقصر نظره الأمني وسوء تغذيته السياسية.‏

ومن سيئات حكومة السنيورة أنها جعلت من أرض لبنان ملعباً فسيحاً لعدد من الاستخبارات العربية والغربية للعبث بها والتلاعب بمصيرها، فصالت وجالت من دون حسيب ولا رقيب وبمعاونة جهاز "فرع المعلومات" الذي كان يؤمّن لها الحماية في نطاق عملها، كما حصل مع الوافد الجديد إلى الساحة اللبنانية المخابرات الأردنية.‏

والغريب أن حكومة السنيورة لم تتوانَ يوماً عن كفّ يد الاستخبارات الغربية ووقف تدخّلاتها في مسرح غير جريمة وقعت في العام 2005، حيث أحضرت بداعي المساعدة، فلم تقدّم أي معونة ولا أي معلومة تؤدي إلى معرفة الجناة، وهو ما برز بوضوح في عدم توصّل القضاء إلى أي خيوط في الجرائم المرتكبة.‏

واستمرّ جهاز "الموساد" الإسرائيلي في تحركاته على الأراضي اللبنانية، فاغتال أحد قادة حركة "الجهاد الاسلامي" في فلسطين، اللبناني محمود محمد المجذوب الملقب بـ"أبو حمزة" وشقيقه نضال، يوم الجمعة في 26 أيار/ مايو بتفجير عبوة ناسفة داخل سيّارة من نوع "مرسيدس" كانت متوقّفة قبالة مبنى البربير الذي يقطنان فيه في مدينة صيدا.‏

وردّت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني على هذا الخرق الفادح في شهر حزيران/ يونيو بتوقيف شبكة تجسّس تنفيذية تعمل مع "الموساد" وعلى الأرض مباشرة في تنفيذ المهمّات التخريبية الموكولة إليها، ويرأسها محمود رافع الذي ارتكب عدداً من جرائم الاغتيال ووضع المتفجرات في غير مكان، وقد تكون له علاقة بالتفجيرات والاغتيالات التي شهدها لبنان طوال العام 2005 وبعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.‏

. فيما تمكّن أحد أعضاء هذه الشبكة المدعو حسين خطّاب من الفرار، وهو من دسّ العبوة الناسفة التي أودت بحياة جهاد جبريل نجل الأمين العام للقيادة العامة أحمد جبريل، حيث كان يعمل مرافقه الشخصي. وجرى الادعاء على هذه الشبكة بمواد تصل عقوبتها إلى الإعدام.‏

محاولة اغتيال نصر الله‏

كما أوقفت المخابرات اللبنانية في شهر نيسان/ أبريل شبكة كانت تخطّط لاغتيال الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله بداعي القضاء على الطائفة الشيعية. وقد تحرّكت هذه الشبكة برئاسة المدعو غسّان شهاب السليمان الصليبي من منطلق مذهبي تحريضي، وتلّقت أسلحة وتدريبات، ولم تعرف الجهات التي موّلتها لإطلاق شرارة الفتنة بين المسلمين في لبنان. وأصدر قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر قراراه الاتهامي بحق أعضاء هذه الشبكة الستة وأحالهم على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بجرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام.‏

وتعرّضت ثكنات تابعة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لعمليات تفجير وإلقاء قنابل، بدءاً من يوم الخميس في 2 شباط/ فبراير، حيث تبّناها تنظيم "القاعدة" الذي طالب بالإفراج عن شبكة تابعة لهذا التنظيم كانت قد أوقفت في نهاية العام 2005، ووصولاً إلى استهداف بناية "العسيلي" في ساحة رياض الصلح في 14 تشرين الأول/ أكتوبر.‏

ويوم الثلاثاء في 5 أيلول/ سبتمبر تعرّض نائب رئيس فرع المعلومات المقدّم سمير شحادة لمحاولة اغتيال على طريق الرميلة عبر تفجير عبوتين ناسفتين، فأصيب بجروح خطيرة وقُتل أربعة من مرافقيه.‏

جريمة الرمل العالي‏

ويوم الجمعة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر قتلت عناصر من قوى الأمن الداخلي الطفلين حسن لطفي سويد ومحمد حسين علي ناجي إثر محاولة إزالة مخالفات البناء في محلة الرمل العالي، ولم تصدر نتائج التحقيقات القضائية حتّى الآن. فيما تستّرت قوى الأمن الداخلي على عناصرها الذين ارتكبوا الجريمة المزدوجة.‏

ويوم الثلاثاء في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر اغتيل الوزير والنائب بيار أمين الجميّل خلال مروره في محلة الجديدة، حيث نزل مسلحون غير ملثمين وأجهزوا عليه برشاشات تحمل كواتم للصوت، وذلك على مرأى ومسمع من المارّة الذين أصيبوا بذعر جارف.. وقتل معه مرافقه سمير الشرتوني. ووجّهت أصابع الاتهام من غير مسؤول وسياسي إلى حزب "القوات اللبنانية" باعتبارها المستفيد الأول والأخير من اغتياله بدم بارد، فيما نفت هي علاقتها بالأمر.‏

وجرى توقيف تسعة أشخاص بعضهم كان من عداد فرقة "الصدم" في "القوات اللبنانية"، خلال تدرّبهم في حرج بلدة شحتول الكسروانية وبحوزتهم أسلحة أميركية وإسرائيلية الصنع، وجرى التعاطي معهم على أساس أنّهم مرافقون لرئيس مجلس إدارة "المؤسسة اللبنانية للإرسال" بيار الضاهر.‏

ويوم الأحد في 3 كانون الأول/ ديسمبر قتل مناصرو تيّار "المستقبل" الشاب أحمد علي محمود في محلّة أرض جلول بسلاح "مرخّص"، بعدما استبق هؤلاء الجريمة باقتراف سلسلة حوادث شغب في محلة قصقص وانهالوا على مناصري المعارضة خلال عودتهم من المشاركة في الاعتصام في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، بالرشق بالحجارة والعصي، ولم تعمل القوى الأمنية على توقيف مفتعلي هذا الشغب المستقبلي الرسمي برغم حضورها إلى ساحته، وهو ما نقلته وسائل الإعلام المرئية بوضوح ما بعده وضوح. كما أنّ النيابة العامة لم تتحرّك لمقاضاة هؤلاء الظاهرين في الصور، إن لم نقل ومحرّضيهم أيضاً.‏

ويوم السبت في 23 كانون الأول/ ديسمبر قُتل الشاب مهدي علي أمهز في بلدة مقراق إثر خطاب تحريضي ألقاه النائب سعد الدين الحريري في جموع المحتشدين في بلدة عرسال البقاعية تضامناً مع حكومة السنيورة غير الشرعية.‏

هذا فضلاً عن تعمّد مناصري "المستقبل" و"القوى الشباطية" إطلاق النار من أسلحة "مرخّصة" في غير مناسبة وخطاب تحريضي للحريري الابن والسنيورة والنائب وليد جنبلاط وسمير جعجع في غير بلدة وقرية ومكان في لبنان، ولم يوقف أحد من مطلقي النار لأسباب ظلّت مجهولة.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2007‏

2007-01-05