ارشيف من : 2005-2008

حزب الله في أحداث 2006:تفاهمات للاستقرار وتضحيات تحمي الوطن

حزب الله في أحداث 2006:تفاهمات للاستقرار وتضحيات تحمي الوطن

السياسي وما يتصل بشؤون الوطن الداخلية وحمايته من فريق الوصاية المستجدة.. الى العسكري وحرب تموز التي خاضها الحزب دفاعاً عن لبنان وقدم خلالها التضحيات الكبيرة، وعاد الى لبنان بانتصار تاريخي.. بين هذه وتلك كان حزب الله القطب المؤثر والفعال.. يذهب الى التفاهمات عندما يتطلب الوطن استقراراً سياسياً بحجم تفاهمه مع التيار الوطني الحر، ولا يتردد في خوض المواجهة حين يتطلب البلد نزولاً الى الشارع لتحقيق التوازن وحمايته من استئثار فريق يريد أخذه الى المجهول.‏

ولأن حزب الله حزب مقاوم بالدرجة الأولى، كانت السياسة جزءا من مقاومته الثانية التي دفعته في الآونة الأخيرة لأن يرفض منطق الاستئثار والتسلط من قبل الفريق الحاكم الذي نقض ميثاق العيش المشترك والبيان الوزاري الذي على أساسه جيء بهذه الحكومة، ونزل لاحقاً إلى الشارع مع حلفائه في الخط الوطني لتصويب البوصلة السياسية.‏

"الانتقاد" تقرأ مع عضو المجلس السياسي في حزب الله مصطفى الحاج علي الأحداث في العام 2006 ودور حزب الله فيها.‏

قمة السيد والجنرال‏

التفاهم السياسي الذي أبرمه حزب الله مع التيار الوطني الحر في 6 شباط من العام 2006، في لقاء تاريخي جمع الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله ورئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون في كنيسة مار مخايل، وأعلنا معا ورقة التفاهم، كان الحدث الأبرز مطلع العام، الذي أصابت تأثيراته مختلف الشؤون السياسية الداخلية وما يتعلق بتوزع القوى السياسية في الداخل.‏

يقول الحاج علي: "إن التفاهم شكل بحد ذاته نقلة نوعية في الحياة السياسية اللبنانية، لا سيما في ما يتصل بالعلاقة بين أطراف وقوى سياسية أساسية ومؤثرة وفاعلة في لبنان، لأن البعض توهم أن لا إمكانية للتلاقي.. لكن تبيّن أن النيات اذا خلصت وتحكمت فيها الاعتبارات الوطنية، فإن إمكانية الوصول إلى تفاهمات من هذا النوع أصبحت في متناول اليد. بمعنى آخر إن هذا التفاهم أكد مرة أخرى أن لا شيء يحول ذاتياً دون أن تتوصل أطراف لبنانية وتحت عناوين وطنية إلى توافقات ذاتية، لأن ما يعطل إقامة مثل هذه التفاهمات بين اللبنانيين ليس الوضعية الخاصة لكل طرف بقدر ما هي التدخلات الخارجية من جهة، والرهانات التي يضمرها البعض مع قوى وأطراف خارجية".‏

وأمام "صفاء النوايا" بين قوتين سياسيتين معتبرتين، فإن "التفاهم" ـ بحسب الحاج علي ـ قد ساهم في جملة إنجازات منها:‏

أولاً: استطاع هذا التفاهم أن يعيد من المدخل الوطني الشامل التوازن إلى الحياة السياسية اللبنانية التي كانت فترةً ما تجنح نحو خيارات تُغلّب فيها الاعتبارات الخارجية على الاعتبارات الداخلية.‏

ثانياً: هذا التفاهم كان مقدراً له لو جرى التعاطي معه بإيجابية، أن يشكل مرتكزاً ونقطة انطلاق لتفاهم وطني شامل، لكونه تفاهما مفتوحاً وقابلاً للتطوير.. غير أن قوى سياسية أخرى، خصوصاً تلك المرتبطة بقوى خارجية، تعاملت مع التفاهم بعدائية شديدة في محاولة منها لإيقاع الفراق بين هذين القطبين السياسيين، وأخذ كل فريق على حدة.‏

ولأن "التفاهم" غدا ببنوده وأطرافه المنضوية تحته "عابراً للقارات"، فمن الطبيعي أن يشكل ـ برأي الحاج علي ـ مصدر إزعاج لفرنسا والولايات المتحدة الأميركية التي وجدت فيه تهديداً لمحاولات مدّ نفوذها إلى الوضع اللبناني وفرض مزيد من التبعية والاستتباع، ورهنه لسياستها ومشاريعها في المنطقة.. في ما بدا الجانب الآخر من الوثيقة أنه أرسى أرضية من نوع "التثاقف" السياسي المشترك بين طائفتين أساسيتين، وأسس لمناخات مشتركة لإنجاز وضعية وطنية عابرة للقارات.‏

القرار 1701‏

شكل القرار الدولي رقم 1701 (الصادر في 12 آب من العام 2006 عقب عدوان تموز الذي استمر ثلاثة وثلاثين يوماً)، مرتكزاً لوقف إطلاق النار بين المقاومة والعدو الإسرائيلي. لكن هذا القرار بقي محل سجال داخلي ولم يسلم من تحفظات حزب الله. عن هذا القرار يقول الحاج علي: "إن القرار 1701 ما كان ليكون بهذه الصيغة لولا صمود المقاومة والشعب اللبناني في مواجهة العدوان الإسرائيلي، ونجاح المقاومة في إلحاق هزيمة نكراء بالعدو الإسرائيلي، الأمر الذي فرض إدخال تعديلات كثيرة على النسخة الأميركية الفرنسية، ما جعله يأتي بهذه الصورة التي تحمل في عناوينها تفسيرات متنوعة نظراً لصياغتها العامة، ما يعكس جهداً دبلوماسياً استثنائيا بغية التوصل إلى مخارج كان يطلبها الأميركي والإسرائيلي معا لتبرير قبوله بوقف إطلاق النار".‏

وبرغم أن حزب الله سجل ملاحظاته وتحفظاته على القرار، معتبراً إياه غير منصف وغير عادل، ولا يعكس حقيقة المجريات الميدانية للمعركة وتوازنات القوى على الأرض، إلا أنه ـ والكلام للحاجّ علي ـ "لم يلبِّ طموح الإدارة الأميركية ولا التطلعات الإسرائيلية من الحرب، خصوصاً أن كلا منهما فوجىء بالالتزام الدقيق الذي مارسه حزب الله. وإزاء ذلك حاولوا جاهدين وبالاتكاء على حلفائهم وأدواتهم الداخلية الممثلة بفريق السلطة وفريق 14 شباط، تقديم تفسيرات وتطبيقات جديدة لهذا القرار تتجاوز ما ورد في نص القرار نفسه، لتعيد من جديد إنتاج المسودة الأصلية للقرار الأميركي الفرنسي الذي كان معداً سلفاً لمواكبة العدوان الأميركي الإسرائيلي على لبنان. وقد تجلى ذلك عبر إجراءات ميدانية كثيرة أبرزها: الاستعانة أولا بالبحرية الألمانية لمراقبة الشاطىء اللبناني، ثم محاولة توسيع نطاق عمل القوات الدولية من البحرية إلى الجويّة إلى الحدودية بين لبنان وسوريا. وبكلام أوضح، وضع لبنان تحت الوصاية الدولية بإدارة أميركية وفرنسية وبالوكالة عن الكيان الصهيوني، بهدف إيجاد تعديلات أساسية في البيئة الاستراتيجية لحركة المقاومة، بما يقيّد هذه الحركة ويبطل مفاعيلها". غير أن الخطوات آنفة الذكر كما يقول الحاج علي "غدت مفضوحة، ووجدت في سبيلها اعتراضات وطنية كبيرة نجحت إلى حد ما في كبح هذه المحاولات ورسم سقوف منخفضة لها".‏

الانتصار على "إسرائيل"‏

وفي تقييمه للانتصار الذي حققه حزب الله على العدو الإسرائيلي في عدوانه الأخير على لبنان، وضع الحاج علي "هذا العدوان في سياق الهجمة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، بدءاً من أفغانستان مروراً بالعراق وفلسطين وصولا إلى لبنان". لافتاً إلى أن فشل العدوان "إنما يشكل نقطة الذروة في مسار الخط البياني التصاعدي لإخفاقات المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، مقابل رسم خط فاصل لانتصار المقاومة بين مرحلتين: مرحلة سابقة كان يخوض فيها الأميركي والإسرائيلي حروبهما بالأصالة عن نفسيهما وبالاستعانة ببعض أدوات الداخل، ومرحلة جديدة اتُخذ فيها القرار بالانكفاء إلى الوراء ودفع الأدوات المحلية للتقدم بقوة إلى خشبة المسرح، وهذا ما يفّسر اليوم تحوّل الاستقطابات والمواجهات من علاقة داخل ـ خارج إلى علاقات داخل ـ داخل". وبكلمة أخرى "إن انتصار المقاومة شكل نقطة الثقل الأساسية في إحداث تعديل في توازنات القوى: بين الحلف الأميركي الصهيوني وأدواته في المنطقة من جهة، وقوى الممانعة والمقاومة من جهة أخرى".‏

وبتفسير آخر أيضاً: "إن انتصار المقاومة أطاح بشكل حاسم ونهائي بأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، والتي رُوّج لها كثيراً لتشكل أحد المبررات الأساسية للعديد من القوى السياسية للتنظير لفكرة التسوية والتصالح مع الكيان الصهيوني". وعليه ـ كما يؤكد الحاج علي ـ "فإن الأنظمة والقوى التي بنت أحد مرتكزات مشروعيتها الأساسية على خيار التسوية وجدت نفسها في وضع مهتز بفعل ضرب هذا المرتكز، وهو ما أفقدها توازنها على مستوى المشروعية السياسية والشعبية".‏

في المعارضة‏

لا شك في أن استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل، ولاحقاً الوزير الأرثوذوكسي من الحكومة، كان بمثابة تعبير احتجاجي صارخ على أداء فريق السلطة في إدارته السياسية للبلاد، وفي مستوى اتخاذ القرارات السياسية داخل مجلس الوزراء. وفي هذا الإطار يقول الحاج علي: "إن حزب الله شعر بأن الفريق الحاكم تحوّل إلى أداة طيّعة في يد الأميركي لتنفيذ مطالبه، الأمر الذي دفعه إلى الاستقالة ورفع شعار تصويب الحياة السياسية على قاعدة المشاركة الحقيقية في السلطة، وتأكيد معاني ميثاق العيش المشترك وممارسات الدستورية الفعلية، والتصدي لمحاولات وضع لبنان تحت الوصاية الدولية".‏

وعليه بات لبنان ـ وفق رؤية الحاج علي ـ منقسما بين فريقين: فريق انقلابي سلطوي يريد أن يلحق لبنان كاملا بالخيار السياسي الأميركي في المنطقة، وفريق يريد تحرير لبنان من أي وصاية أجنبية، وإعادة التوازن والنصاب الوطني إلى الحياة السياسية اللبنانية على قاعدة المشاركة الفعلية، وعدم استثناء أي قوة لها حيثية شعبية وسياسية معتبرة".‏

ويشير إلى "أن نزول المعارضة إلى الشارع كان بمثابة الإنذار الأخير للفريق الحاكم الذي أطاح أولا بالاتفاق السياسي الذي جاء بهذه الحكومة، وثانياً بالبيان الوزاري الذي قامت على أساسه هذه الحكومة، فضلا عن محاولته تحويل الفريق الآخر الى مجرد شهود زور على قرارات سياسية قد يتخذها".‏

حسين عوّاد‏

الانتقاد/ العدد1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2007‏

2007-01-05