ارشيف من : 2005-2008

2006: عام فاصل في الصراع مع الكيان الصهيوني

2006: عام فاصل في الصراع مع الكيان الصهيوني

الفعل، حيث يعتمد في هذه الحالة على التقدير لاستشراف آفاقه ونتائجه. ففي حالات عديدة يتم تعديل الرؤية المسبقة، أو تغييرها جذريا، في مرحلة لاحقة عما كان يُتصور سابقا. من هنا يمكن الافتراض بشكل مرجح بأن فهم الأحداث التي توالت خلال العام 2006، فيما يتعلق بتربص كيان العدو بالواقع اللبناني والمسار الذي سلكه، أضحى أكثر عمقا ووضوحا مما كان عليه.‏

لعل خير نقطة انطلاق للإمساك بمسار التحولات التي شهدها العام الماضي، يتمثل بإعلان قادة العدو، على لسان رئيس الاستخبارات العسكرية، التي تتولى عملية التقدير القومي إزاء الأخطار ومساراتها التي تشكل تهديدا للكيان الإسرائيلي، "عاموس يادلين"، عن فشل المسار السياسي الداخلي اللبناني الذي انطلق في اعقاب القرار 1559، في ايلول 2004، واندفع بقوة في أعقاب جريمة اغتيال دولة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005، إذ راهن العدو بقوة على أن يؤدي هذا المسار الى إمكانية حرف مسار المقاومة وشل قدراتها وصولا إلى نزع سلاحها. ونحن في هذا المقام لا نتحدث عن تحليل وانما ننقل واقعا عاينه كل من واكب تعاطي العدو الإسرائيلي للتطورات السياسية الداخلية في لبنان طوال العامين الماضيين.‏

ومما تحدث عنه يادلين، مطلع العام الماضي (2006)، أنه كان هناك عامان مريحان لإسرائيل ابتدءا بالاحتلال الاميركي للعراق الذي "أثار موجات ارتدادية ايجابية جدا لإسرائيل على شاكلة إخراج القوات السورية من لبنان..."، إلا أن هذه الايجابية، بحسب يادلين ايضا، قد توقفت بعد عامين بسبب "عدم تجريد الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، من سلاحها، بناءً على قرار مجلس الأمن"، فضلا عن أسباب أخرى تناولها في حديثه. ويمكن تلخيص أسباب التحول في المسار السياسي في الاتجاه المغاير للمصالح الإسرائيلية أنه جاء نتيجة لصلابة المقاومة وحكمة قيادتها والتفاف الجماهير من حولها.‏

أمام هذا الواقع الذي استنفدت فيه قوى 14 شباط ما تملكه من أوراق سياسية.. وتكرس حزب الله كقوة رئيسية رادعة ومدافعة عن لبنان في مواجهة أي عدوان إسرائيلي، برزت قناعة لدى الإدارة الاميركية بتسريع الإعداد لشن حربها الثالثة (بعد افغانستان والعراق)، لكن هذه المرة بأيد إسرائيلية، لاجتثاث المقاومة في لبنان لأهداف متعددة، منها: إزالة السد الذي يقف حائلا أمام قوى السلطة لاستكمال مشروعها الانقلابي على خيار لبنان الوطني والعروبي. وهو ما ينسجم تماما مع التجارب التاريخية الاميركية والاستراتيجية التي تعتمدها في المنطقة من خلال اللجوء في هذه الحالات إلى ذراعها العسكرية المتمثلة باسرائيل.‏

وهكذا بدأ الإعداد على كل المستويات تمهيدا لإرساء موازين قوى جديدة وبلورة معادلات بديلة وصياغة واقع سياسي يجسد طموحات الإدارة الاميركية في لبنان، على أن يتم اختيار التوقيت الامثل لهذا العدوان.‏

... في 12 تموز من العام الماضي نفذ مجاهدو المقاومة الإسلامية عملية اسر ناجحة، كما وعد مرارا وتكرارا الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أدت إلى مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر جنديين آخرين، على الحدود مع فلسطين... ما دفع الإدارة الاميركية وكيان العدو إلى تقديم موعد العدوان، وكان القرار بشن العدوان على لبنان. وهكذا تدحرجت بسرعة قياسية العملية العسكرية الإسرائيلية من رد فعل انتقامي على العملية إلى عدوان واسع وشن حرب شاملة على لبنان، ويمكن التأكيد، بالاستناد إلى ما ظهر لاحقا خلال العدوان من تحكم اميركي بالقرار الإسرائيلي في رفع وتخفيض وتيرة العدوان، وصولا إلى قرار وقف إطلاق النار في 14 آب.‏

من هنا كان لزاما رفع سقف أهداف العدوان إلى المستوى الملائم للرؤية التي انطلق منها قرار الحرب والسياق الاستراتيجي المتصل به، وبهذا الصدد أعلن رئيس حكومة العدو ايهود اولمرت في خطاب له في 19 تموز أن "إسرائيل" ستخوض الحرب ضد حزب الله مهما تطلب ذلك من وقت، من أجل إعادة الجنود المختطفين وتطبيق القرار 1559 بشكل كامل وتنفيذ المشروع الذي تم تحديده في قمة الدول الثماني الكبرى: إعادة الجنود دون قيد أو شرط، تجريد حزب الله من سلاحه، وقف التهديد الصاروخي على "إسرائيل"، ونشر الجيش اللبناني على امتداد الحدود مع "إسرائيل"، وبسط سيادة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية".‏

لكن الإخفاق الميداني الإسرائيلي والخوف من النتائج السياسية التي قد تترتب عليه دفع الإدارة الاميركية ومجلس الأمن الدولي نحو محاولة تعويض الفشل العسكري الإسرائيلي عبر مخطط سياسي يرتكز إلى القرار 1701، وينفذ من خلال القيام بعملية تسلل سياسي من داخل بنوده. وكان من أوائل هذا التسلل محاولة تعبيد الطريق أمام القوى الدولية كي تكون عاملاً مباشراً في المعادلة الداخلية اللبنانية، واستحضار التهويل الإسرائيلي... إضافة إلى أداء سياسي رسمي يعتمد استراتيجية تقديم التنازلات المجانية كما حصل في مواجهة الحصار الإسرائيلي التي بادرت الحكومة للقبول بالمطالب الإسرائيلية لفك حصارها، وكأنها كانت تنتظر هذه المطالب إن لم تكن تعمل عليها.‏

وبالتالي ما يمكن التأكيد عليه أننا ما زلنا أمام نفس المخطط الذي كان يُراد تنفيذه بأدوات عسكرية إسرائيلية لكن هذه المرة عبر إقحام مضامين محددة له تحاول أن تحقق بالسياسة ما عجز الجيش الاسرائيلي عن تحقيقه بآلته العسكرية.‏

في ظل هذا الواقع المركب والمتداخل استكملت "إسرائيل" انسحابها من النقاط التي احتلتها في جنوب لبنان خلال حربها الأخيرة، باستثناء بعض الحالات المحدودة، واتسم هذا الانسحاب بالهدوء كونه جرى في ظل انشغال سياسي وشعبي موزع بين إعادة البناء... واحتدام السجال السياسي الداخلي حول تشكيل حكومة وحدة وطنية... وتدفق قوات الأمم المتحدة بالتزامن مع محاولة تسلل إلى مواقع وصلاحيات أوسع... برغم ذلك لا بد من تسجيل بعض النقاط المختصرة وهي: أن استمرار احتلال النقاط المحدودة يشكل عبئاً على "إسرائيل" ويعطي المقاومة حق المبادرة لاستهدافها في الوقت الذي تختاره، وخاصة انها تملك القدرة والإرادة لترجمة ذلك، كما تم هذا الانسحاب في ظل فشل تحقيق الأهداف الكبرى من هذا العدوان ما جعله مصداقا لمقولة: انسحاب هادئ بدلالات استراتيجية صاخبة. والا لماذا لم تساوم "إسرائيل"، من خلال احتلالها على بعض القضايا التي بقيت عالقة كإطلاق سراح الجنديين أو الكشف عن مصيرهما أو استبدال شعار نزع سلاح حزب الله مطلقا بنزعه في جنوب الليطاني والاصرار على تطبيقه... ويحضرنا في هذا السياق ما قاله اولمرت نفسه خلال مقابلة له مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عشية رأس السنة العبرية عندما قال مجيبا عن سؤال بخصوص وقف القتال دون استعادة الجنديين، بأن قال بشكل مباشر وجلي انه اتخذ هذا القرار للحؤول دون سقوط عشرات الضحايا الإسرائيليين. ويمكن الجزم ان هذا الاعتراف الرسمي من أعلى الهرم السياسي يعطي صورة واقعية عن خلفية هذا الانسحاب وماهيته؟‏

موقع "إسرائيل" من الصراع السياسي بين المعارضة والسلطة اللبنانية‏

ما تقدم يجعل مدى اهتمام كيان العدو بالصراع السياسي القائم الان بين المعارضة الوطنية اللبنانية وقوى السلطة، جليا وخاصة انه يشكل، في وجه من وجوهه الأساسية، امتدادا لعدوان تموز لكن بأدوات أخرى. لذا كان من الطبيعي ان يتوالى المسؤولون الاميركيون والاسرائيليون على تقديم الدعم لحكومة السنيورة والتعبير عن وجود مخاوف كبيرة تتصل بالامن القومي الاسرائيلي جراء فوز المعارضة الوطنية وتحقيقها اهدافها السياسية، المتصلة بالمشاركة الفاعلة والجادة. ويمكن فهم ذلك من خلال أن وجود تأثير فعال في القرار السياسي للحكومة، يقطع الطريق على الأسلوب الاميركي الإسرائيلي، الجديد القديم، من خلال إفشال عملية الالتفاف التي تقوم بها قوى الاستكبار وأدواتها في لبنان لتحقيق ما عجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية. ومن هنا نجد أن القادة الإسرائيليين يركزون في أحاديثهم على النتائج السياسية للعدوان بعدما اقروا بالفشل والهزيمة العسكريين.‏

من هنا يمكن القول ان المشاركة في المسيرات والاعتصامات التي تقيمها المعارضة لا تقل أهمية، من جهة نتائجها وأبعادها، عن العمل الجهادي والنضالي الذي أداه المقاومون في مواجهة العدوان الإسرائيلي. وخاصة ان تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى للمعارضة يشكل استكمالا للنصر التاريخي الذي حققته المقاومة.‏

تداعيات هزيمة جيش العدو‏

أما بخصوص تداعيات الهزيمة، التي مُني بها جيش العدو، على الكيان وموقعه ودوره الاستراتيجي في المنطقة فضلا عن وضعه الداخلي، فهو مما لا يتسع المقام للإحاطة بكل تفاصيله وعناوينه. لكن يمكن الإشارة إلى بعض النقاط، منها الحرب الضروس التي نشبت بين جنرالات الجيش، وبين المستوى السياسي والمستوى العسكري، وعدم ثقة الرأي العام الاسرائيلي بقادة كلا المستويين... مع الالتفات الى ان هذا الصراع بدأ في اوج العدوان عندما اقدم قائد الأركان دان حلوتس بتعيين نائبه اللواء موشيه كابلنسكي مسؤولا اعلى عن ادارة الحرب، وهو ما اعتبر في حينه إقالة غير مباشرة لقائد المنطقة الشمالية اللواء اودي ادم، واتهاما له بالفشل في إدارة المعركة. ثم إقدام آدم، بعد الانسحاب من الأراضي اللبنانية على تقديم استقالته ليتبعه في وقت لاحق، ضمن جو من السجال الداخلي الحاد، قائد فرقة الجليل، التي كان لها الدور الاساسي في المعارك البرية، العميد غال هيرش، وتحميل ضباط الجيش لرئيس الأركان دان حلوتس المسؤولية...‏

ايضا شكل الاجماع الحكومي والحزبي والمؤسساتي والشعبي الاسرائيلي على ضرورة تشكيل لجنة او لجان تحقيق حول حرب لبنان على ان تشمل كل المستويات السياسية والعسكرية والامنية، وأن تتناول مسار الحرب بأكمله بدءاً من الاستعدادات وأصل اتخاذ القرار بالحرب، مروراً بمسارها والأهداف التي سعت لتحقيقها والاداء الذي واكبها وانتهاءً بنتائجها، شكل كل ذلك دليلا قاطعا على وجود إقرار إسرائيلي جماعي لا نظير له بفشل الحرب وهزيمة الجيش الاسرائيلي في مواجهة رجال حزب الله. هذا بالإضافة إلى التداعيات السياسية والحكومية والحزبية.‏

وعليه شكَّل العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان محطة تاريخية مفصلية في حياة كل من لبنان والكيان الاسرائيلي، لما كان لها من نتائج وتداعيات سياسية وغير سياسية طالت كل مجالات الحياة، وبلورت واقعا من المقدَّر ان يؤسس للكثير من المسارات السياسية الداخلية والاقليمية التي ستترك اثرها بالضرورة على الطرفين.‏

فعلى الساحة اللبنانية تحولت الحرب الى معلم فاصل يتميز فيه ما بعدها عما قبلها، وتبلور بنتيجتها واقع سياسي وتحالفي متين يمكن الارتكاز اليه كمعطى اساسي لاستشراف مسارات مستقبل الوضع السياسي في لبنان.‏

وعلى الساحة الاسرائيلية أقر كبار قادة العدو وأهم المؤسسات المعنية بالامن القومي الاسرائيلي بتضرر قدرة الردع الاسرائيلي، وعدم تحقيق الجيش للأهداف، كما شكلت نتائجها صدمة للمستوى السياسي والعسكري وللجمهور الاسرائيلي ايضا، وخاصة ان التقديرات والانطباعات في صفوف هذا الجمهور هي أن ما حدث في لبنان سينعكس بشكل او بآخر، داخل فلسطين، كونه يعتبر المقاومة في لبنان مصدر امداد ودعم مادي وعسكري وخبراتي، فضلاً عن كونه يمثل نموذجا يقتدى ودليلاً يحتذى حول جدوى خيار المقاومة، وبأن ما لم تحققه المسارات السياسية والتفاوضية يمكن تحقيقه بالمقاومة في حال توافر عنصرا الثبات والحكمة.‏

الانتقاد/ العدد1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2006‏

2007-01-05