ارشيف من : 2005-2008
أميركا وحلفاؤها:هزائم متلاحقة
جورج بوش على ما أسماه بالإرهاب ومحور الشر، تلك الحرب التي بدا المحافظون الجدد مستعجلين على خوضها على خلفية الاعتقاد بخلو الساحة العالمية لهم بعد انهيار المعسكر الشيوعي، والتي أعدوا لها عبر المظلومية التي لفقوها لتأخذ شكل هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وليأخذوا فيها موقع الدفاع المزعوم عن النفس.
والعام 2006 هو، قبل كل شيء أيضاً، العام الذي يمكن اعتباره عام بداية تبلور الهزيمة الأميركية في تلك الحرب. طلائع الهزيمة بدت واضحة في ما يجمع المراقبون على تسميته بالمستنقعين العراقي والأفغاني، وفي الصدمة التي مني بها التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي وامتداداته العربية من خلال اندحار الجيش والمجتمع الإسرائيليين في حرب تموز/ يوليو على لبنان، وكذلك من خلال العجز المحلي والإقليمي والدولي عن محاصرة حكومة حماس المعبرة عن الطموحات الشريفة للشعب الفلسطيني. وبالطبع لا ينفصل ذلك عن صمود سوريا وإيران في وجه الهجمة الأميركية وحشوداتها الأوروبية والإقليمية.
ولا تقل أهمية عن ذلك هزيمة الأميركيين في أفغانستان. إذ منذ مطلع العام، تصاعدت أعمال المقاومة وأجبرت الجيش الأميركي على الانسحاب إلى المناطق الآمنة، بعدما زج القوات المتحالفة وقوات الأطلسي في مواجهات خاسرة في جنوب البلاد، دفعت العديد من بلدان التحالف إلى سحب جيوشها من الأتون الأفغاني، في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بالانسحاب من قبل بلدان مثل كندا، بينما تمتنع بلدان اخرى، مثل ألمانيا، عن المساهمة بإرسال أعداد إضافية من الجنود.
وفي هذه الأثناء، أسهم العدوان الأميركي على أفغانستان بدفع العلاقات الأفغانية الباكستانية نحو التوتر في ظل الاتهامات الموجهة إلى باكستان بعدم ضبط حدودها مع أفغانستان. كما أسهم في دفع الأوضاع الباكستانية الداخلية نحو التوتر في ظل تصاعد الاستياء الشعبي من سياسات برويز مشرف، وهو التوتر الذي تفجر، بالتوازي مع الصدامات المسلحة في وزيرستان، على شكل تظاهرات صاخبة، لا سيما بعد تصاعد الإساءات إلى نبي الإسلام (ص) في كل من أوروبا وأميركا. تلك الإساءات التي تكللت بتصريحات بابا الفاتيكان التي ربط فيها بين الإسلام والعنف، قوبلت بردود فعل شاجبة في العالم الإسلامي وهزت اقتصاديات الدانمارك والنروج، لكنها زعزعت، بوجه خاص، مزاعم الغرب حول حرية التعبير التي استخدمت لتغطية الإساءات الموجهة إلى الإسلام، لتغيب عن المسرح بشكل كامل من خلال الإجراءات القمعية بحق منتقدي السياسات الإسرائيلية ومنكري أسطورة المحرقة، ومنهم المؤرخ البريطاني المعروف دايفد إرفنغ الذي حكمت عليه محكمة نمساوية بالسجن لمدة ثلاث سنوات، في بداية العام، قبل ان يصار إلى طرده من النمسا قبل أسبوعين.
وفي الوقت الذي واصلت فيه الحكومة الأميركية ضغوطها على إيران بخصوص ملفها النووي السلمي، بحجة التخوف من سعي إيران لصنع سلاح نووي، أضافت الولايات المتحدة عملاً غير أخلاقي إلى سجلها اللاأخلاقي الحافل، عندما واصلت الصمت عن ترسانة "إسرائيل" النووية التي انتهى اولمرت إلى الاعتراف بوجودها، وعندما وقعت مع الهند، ذات الترسانة النووية، والبلد الذي لم يوقع على اتفاقية حظر الانتشار النووي، ولم ينضم إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، جملة اتفاقيات للتعاون النووي، مبررة ذلك، ميكيافيلياً، بأهمية السوق الهندية للتجارة الأميركية! وقد فعلت واشنطن ذلك على الرغم من سخونة الأجواء بين الهند وباكستان المنهمكتين في تنافس محموم على تطوير قدراتهما النووية والصاروخية بشكل يهدد الاستقرار والحياة في كامل آسيا الجنوبية.
وقد واصلت واشنطن اعتماد النهج الانتهازي نفسه من خلال الاستمرار في رفض التوقيع على بروتوكولات كيوتو وملحقاتها بحجة أن هذه الاتفاقيات التي وقعت عليها الأكثرية الساحقة من بلدان العالم، والتي تهدف إلى الحد من الكارثة البيئية والمناخية، من شأنها أن تلحق الضرر بالاقتصاد وبنمط العيش الأميركيين!
وكما فشلت واشنطن في منع إيران من استكمال برنامجها النووي، فشلت أيضاً في مواجهتها مع كوريا الشمالية التي دفعت الأمور إلى مداها الأقصى عندما قامت بإجراء تجارب على صواريخ عابرة للقارات، وخصوصاً عندما نجحت في تفجير قنبلتها النووية الأولى، مثيرة بذلك موجة من القلق بين حلفاء أميركا في الشرق الأقصى وبين عشرات الألوف من الجنود الأميركيين الموجودين في كل من اليابان وكوريا الشمالية وصولاً إلى الفيليبين وجنوب آسيا.
وغير بعيد عن الشرق الأقصى، تحركت السياسة الأميركية بشخص نائب الرئيس ديك تشيني الذي زار العاصمة الكازاخية آستانة، وتحدث كثيراً عن بحار النفط والغاز في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين. وعن ضرورة وصول هاتين المادتين الاستراتيجيتين بسرعة وبكميات كبيرة وبأسعار معقولة إلى أوروبا والغرب. كلام أثار قلق الصين المهتمة بهذا النفط والذي بدأت فعلاً بالحصول على حصة غير كافية منه، وكذلك قلق روسيا الذي جاء أقرب إلى الغضب والتحفز لامتشاق السلاح للدفاع عن طرق النفط في المجال السوفياتي السابق ولمنع استبعاده من أي صفقة مع آسيا الوسطى لا تحصل منها على نصيب الجار القوي والقادر حتى على المشاكسة والمعاكسة مهما كان الثمن. وبعد آستانة، انتقل تشيني إلى فيلينوس حيث كان باستقباله ممثلو خمسة وعشرين بلداً أوروبياً بينهم خافيير سولانا الممثل الأعلى لخارجية الاتحاد الأوروبي.
صحيفة كوميرسانت الروسية عرضت على صفحتها الأولى صورة لديك تشيني ناطقة بالتهديد وهو يطلق من فيلينيوس تهديدات مباشرة إلى روسيا التي اتهمها، في جملة ما اتهمها به، بأنها تستخدم الغاز كوسيلة للضغط وكرافعة سياسية. وكتبت الصحيفة تحت الصورة المذكورة عبارة "العدو على أبوابنا". فالحقيقة أن ممثلي خمسة وعشرين بلداً أوروبياً، بينهم خافيير سولانا، كانوا ينتظرون ديك تشيني في فيلنيوس التي شقت عصا الطاعة مع أخواتها الكثيرات قبل خمسة عشر عاماً، ليتحدثوا معه عن الحوار، أو بالأحرى، عن المواجهة مع روسيا التي باتت بالإضافة إلى قدراتها الضخمة في مجالي النفط والغاز ممراً إجبارياً لهذه السلع نحو الغرب، الذي صار عليه أن يدفع الأثمان أضعافاً مضاعفة بعد إعادة النظر الروسية بتصدير الغاز عبر الأراضي الأوكرانية. هذا يعني أن العلاقات الروسية الغربية مرشحة للتأزم حول الملف النفطي ولكن أيضاً حول ملفات أوكرانيا وجورجيا، وربما أيضاً حول ملفات بلدان الفلك السوفياتي التي التحقت بالغرب من خلال الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.
وبالترابط المباشر مع ذلك، ارتسمت خلال العام الماضي ملامح مواجهة جديدة بين الشرق والغرب مع انعقاد القمة السداسية لبلدان منظمة شنغهاي للتعاون التي تشارك فيها الصين وروسيا وأربع بلدان في آسيا الوسطى هي طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وكازخستان، حيث وقعت عشرات الاتفاقيات في مجالات التعليم والطاقة والتبادل التجاري والمالي والعسكري. خطوة افتتحت "مرحلة جديدة في مجال تنمية المنظمة" على حد تعبير الرئيس الصيني هو جينتاو. وكذلك لتعزيز العلاقات مع منظمات دولية مماثلة وخصوصاً مع دول تمثلت في القمة بصفة مراقب كإيران وباكستان والهند ومنغوليا. رقعة جغرافية تغطي القسم الأكبر من الكرة الأرضية، مع قدرات بشرية تصل إلى حدود ثلاثة مليارات نسمة.
وكما في الشرق الأوسط والشرق الأقصى وشرق أوروبا، تلقت واشنطن ضربة مؤلمة في إفريقيا التي هرع نحو خمسين من زعمائها إلى الصين حيث وقعوا اتفاقيات استثمارية وتجارية وحصلوا على قروض ومساعدات بحدود تسعة مليارات دولار مخصصة للتنمية الحقيقية وغير خاضعة لإملاءات كتلك التي تفرضها الجهات الغربية، الأمر الذي من شأنه ان يفتح آفاقاً أوسع لتعاون اقتصادي ذي تداعيات سياسية لا تنسجم مع المصالح الأميركية في القارة. وبالتوازي مع التقدم الصيني باتجاه إفريقيا، حصل تقدم جاء هذه المرة من أميركا اللاتينية، ومن منتدى بورتو آليغري الاجتماعي، الذي قرر نقل المواجهة مع "دافوس" نادي الأغنياء الذي انعقد مؤخراً في الأردن، إلى إفريقيا بالذات، بعد أن كان مقتصراً على البرازيل وبومباي في الهند.
وهذان التطوران، تضاف إليهما القمة الأميركية اللاتينية ـ العربية، لتفتح مع التقارب الصيني الإفريقي مجالاً لإرهاصات كتلك التي شهدتها خمسينيات التحرر الوطني وباندونغ وعدم الانحياز التي يبدو أيضاً أنها مؤهلة لتمتد باتجاه أوروبا، مع رومانو برودي الذي دعا، فور فوزه على المال السياسي المتمثل ببرلسكوني، إلى إقامة نواة إيطالية لأوروبا لاتينية في وجه السياسات الانكلوسكسونية والجرمانية التي تعصف بأوروبا لمصلحة واشنطن. وقد جاء هذا التطور ليؤكد تصاعد النفور اللاتيني تجاه الولايات المتحدة خصوصاً بعد موقفها السلبي من صفقة التجهيزات العسكرية الإسبانية لفنزويلا.
ومع فنزويلا، ننتقل إلى جبهة لا تقل أهمية عن جبهة الشرق الأوسط لجهة تصاعد العداء للولايات المتحدة. فإذا كانت نهاية العام الماضي قد شهدت فوز هيغو شافيز بولاية ثالثة في حكم فنزويلا، فإن بدايته قد شهدت فوز ميشيل باشليه في الشيلي, وبينهما فاز اليساري رافائيل كورييا في الإكوادر وعاد دانييل أورتيغا إلى الحكم في نيكاراغوا، ولم تتمكن واشنطن من إدخال ربيبتها غواتيمالا إلى مجلس الأمن كعضو غير دائم. وإذا كان اليميني فيليبي كالديرون قد فاز على خصمه اليساري مانويل لوبيز أوبرادور بفارق ضئيل في الأصوات في الانتخابات المكسيكية، فقد اتهمه هذا الأخير بالتزوير، وقام بتشكيل حكومة موازية، في وقت كانت الولايات المتحدة تعمد فيه إلى بناء جدار عازل بينها وبين المكسيك للحد من تدفق المهاجرين، الأمر الذي سيعطي بالتأكيد دفعة قوية لليساريين.
ويمكن القول بأن الصعوبات التي تلف مسألة الانضمام التركي إلى الاتحاد الأوربي تحدث تأثيرات سلبية على العلاقات الأوروبية الأميركية، وعلى العلاقات التركية الأوروبية في وقت لا تتحرك فيه العلاقات الأميركية التركية بشكل مرض على خلفية المشكلة العراقية، وتعزز مواقع الإسلاميين الأتراك في الحكم.
وفي حين تستعد فيه أوروبا للعيش بلا طوني بلير وجاك شيراك، تستعد الولايات المتحدة للعيش بلا جورج بوش الذي هزم على خلفية المشكلة العراقية في الانتخابات النصفية، ما أجبره، حتى الآن، على التخلي عن الثنائي رامسفيلد ـ بولتون وخصوصاً على مواجهة لجنة بيكر ـ هاملتون التي نصحته، وسط توجه أميركي عام، بالتوجه نحو سوريا وإيران، كطريق إجباري للخروج من الشرق الأوسط بماء الوجه. نصيحة رد عليها بالقفز في الفراغ عبر الإعلان عن إرسال المزيد من الجيوش إلى العراق، وعبر استخدام عضلات إثيوبيا في احتلال الصومال، مدللاً بذلك على أن طيشه لا يسمح له، بدلاً من الانتصار الكاذب الموعود، إلا بمواصلة العناد المفضي إلى الهزائم المزدوجة.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني/ يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018