ارشيف من : 2005-2008
العراق:أسماء اختفت.. وحوادث ووقائع كبرى.. وصورة ظلت قاتمة
السياسية على المشهد العراقي، بحيث انها هي التي حددت مسارات واتجاهات مختلف مفردات الملف العراقي الشائك والمعقد، وهي التي يمكن ان تحدد معالم وملامح الصورة الكلية للمشهد العراقي في العام الجديد 2007.
وهذه الأحداث الأربعة بحسب الأسبقية الزمنية هي: تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام في مدينة سامراء (130 كم شمالي بغداد) في الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير الماضي، وتشكيل أول حكومة عراقية منتخبة وفق دستور دائم برئاسة نوري المالكي، والتي أعلن عنها رسميا في الثاني والعشرين من شهر أيار/ مايو الماضي، ومن ثم مقتل زعيم تنظيم القاعدة في العراق الأردني أبي مصعب الزرقاوي في منطقة هبهب التابعة لمحافظة ديالي عبر غارة جوية أميركية في السابع من شهر حزيران/ يونيو الماضي، وأخيرا صدور حكم الإعدام شنقا حتى الموت بحق الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين واثنين من معاونيه هما: برزان إبراهيم الحسن وعواد حمد البندر في الخامس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ومن ثم تنفيذ حكم الإعدام به صبيحة الثلاثين من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
وبين تلك الاحداث الأربعة حفلت الساحة السياسية العراقية بأحداث ووقائع كثيرة، كانت في واقع الأمر إفرازا واستحقاقا طبيعيا لكل حدث من الأحداث الأربعة، مجتمعة كانت أو كلا منها على حدة.
ليس هذا فحسب، بل إن تلك الأحداث من حيث سياقاتها ارتبط بعضها ببعض لتضفي في جانب كبير منها صورة ربما بدت أكثر قتامة وغموضا للوضع العراقي بعناوينه المتنوعة.
فتفجير مرقد الإمامين العسكريين مثل شرارة لمزيد من العنف الطائفي العراقي، واتخذ أشكالا ومظاهر قد لا تكون مسبوقة من قبل ولم يألفها المواطن العراقي شيعيا كان أو سنيا، عربيا كان أو كرديا أو تركمانيا أو أشوريا.
وتجلت مظاهر ذلك التصعيد في العنف الطائفي بارتفاع أعداد القتلى، لا سيما من المدنيين الأبرياء، الى مستويات مقلقة ومروعة، واستفحال ظاهرة التهجير القسري الجماعي في أحياء ومناطق عديدة من العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، الى جانب عمليات الاختطاف والقتل الجماعي المنظم عبر الاغتيالات والسيارات المفخخة والأحزمة والعبوات الناسفة.. وكل ذلك كان وما زال يجري في الجزء الأعظم منه على الهوية الطائفية اكثر منه شيئا آخر.
ولعل الأرقام التي أوردتها قبل أيام قلائل جهات حكومية عراقية وتداولتها بعض وسائل الاعلام العراقية والعالمية تعكس جانبا من الواقع.
وبرغم الجهود والمساعي التي بذلتها أطراف من اتجاهات مختلفة، وكذلك ما قامت به الحكومة الجديدة برئاسة نوري المالكي، فإن ذلك لم يكن كافيا لكبح جماح العنف الطائفي ووضع حد له وإعادة بناء جسور الثقة التي نجحت الجماعات الإرهابية وقوات الاحتلال من خلال بعض أساليبها في تقويضها بين مكونات المجتمع العراقي.
وبرغم أن الحكومة الجديدة التي خلفت حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري اشتملت ـ كما هو الحال مع مجلس النواب العراقي (البرلمان) ـ على شخصيات من كل مكوّنات المجتمع العراقي تقريبا، إلا ان ذلك للأسف لم يساهم في إزالة او حتى التقليل من حالات الاحتقان السياسي الذي كان غالبا ما يلقي بظلاله على أجواء ومناخات الشارع العراقي، وكذلك لم يسهم في صياغة وبلورة تصورات ورؤى موحدة او بأدنى تقدير متقاربة، للقضايا المهمة والحساسة والخطيرة في الشأن العراقي. وفي معظم الأحيان كان يبدو للمراقب ان الحكومة مكبلة وعاجزة في خضم تجاذبات سياسية كبيرة وتقاطعات حادة عن فعل شيء حقيقي ينعكس عبر نتائج إيجابية على أرض الواقع.
وطبيعي ان تردي الواقع الخدماتي وتراجع مستوياته مثّل مؤشرا سلبيا على عمل الحكومة اعترف به رئيسها وآخرون من المساهمين في صنع القرار، وما النية بإجراء تعديل وزاري يشمل عددا من الوزارات ذات الطابع الخدماتي إلا إقرار بالواقع السيىء ومحاولة لمعالجته.
وإذا كان هناك من اعتبر ان مقتل الزرقاوي سواء تم عن طريق القوات الأميركية او القوات العراقية، سيفضي الى انفراجات مهمة على الصعيد الأمني بالدرجة الأساس، وتبدلات في موازين القوى في الميدان، فإن شيئا من ذلك القبيل لم يحصل. وإذا كان قد حصل فبدرجات غير كبيرة ولا مشجعة، بحيث لم ينعكس على مجمل الوضع العام آنيا، دون التقليل من أهمية ذلك الحدث على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى.
في الوقت ذاته فإن مبادرات الحكومة من خلال طرحها مشروع المصالحة والحوار الوطني في الخامس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو الماضي، والمؤتمرات التي عُقدت تحت إطار هذا العنوان، لم تخرج عن نطاق الفعل الإعلامي اكثر منه الفعل السياسي المثمر عن معطيات وحقائق شاخصة للعيان، لسبب بسيط هو ان المساهمين والمنخرطين والمتفاعلين والمؤيدين لمشروع المصالحة والحوار الوطني هم في واقع الأمر ليسوا من الخصوم الحقيقيين للحكومة والعملية السياسية.. وإذا كانوا كذلك فإنهم لم يتبنوا منهج اللجوء الى السلاح، حتى ولو أبدى البعض منهم نوعا من التعاطف والتأييد للمقاومة المسلحة.
وقد يصدق الشيء نفسه على مجمل مشروع أو خطوات محاكمة الرئيس العراقي المخلوع وعدد من أعوانه وإصدار حكم الإعدام عليهم. ففي الواقع ان تداعيات المحاكمة كانت في بعض ـ أو معظم ـ الأحيان من العوامل المساهمة والمساعدة في الدفع باتجاه العنف الدموي في الشارع العراقي، ذلك العنف الذي لم تغب عنه في أي وقت من الأوقات السمة الطائفية بوجهها السلبي المقيت.
وثمة صحة في الرؤية التي تذهب الى أن ما شهده العام الماضي من موجات عنف وإرهاب في العراق لا يتعدى كونه صدمات وردود فعل طبيعية ومتوقعة حيال أحداث جانب منها كان مخططا له بدقة، كتفجيرات مدينة سامراء، وأريد لها ان تعمق "الاستقطابات" الطائفية وتزيد من الشروخ في الجسد العراقي وتوسع الهوّة بين بعض مكوناته او جميعها.
وهذه الصدمات وردود الفعل من المستبعد ان تشكل معالم وملامح ثابتة من صورة الواقع العراقي الحقيقي الآخذ بالتشكل بطريقة تدريجية بطيئة، ولكن في الوقت ذاته فإنه من المستبعد ان تلوح في الأفق وتتجلى بوضوح معالم وملامح تلك الصورة في عام 2007، فهو أغلب الظن لن يكون الا استمرارا في سياقات أحداثه ووقائعه لعام 2006.
يبقى ما يستحق الإشارة في هذه القراءة الاسترجاعية السريعة لعام 2006 في العراق، انه في مقابل تفاقم حدة المشاكل والأزمات الأمنية والخدماتية وحتى السياسية في الشارع العراقي، فإن دينامية السياسة الخارجية العراقية بدت في حال أفضل من الأعوام السابقة. ولعل المعلم الأبرز فيها تمثل بعودة العلاقات الدبلوماسية بين بغداد ودمشق إثر قطيعة كاملة دامت ربع قرن، وذلك بعد زيارة تاريخية ناجحة قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم للعراق في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
فضلا عن جولات عربية وإقليمية ودولية خلال العام الماضي لعدد من كبار الساسة العراقيين، كرئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس كتلة الأغلبية في مجلس النواب السيد عبد العزيز الحكيم ورئيس البرلمان محمود المشهداني.
وذلك التحرك النوعي والكمي على الخارج مع تحرك الخارج السياسي والدبلوماسي تجاه العراق، يُعد من بصمات العام الماضي الداعية للتفاؤل، الى جانب البصمات الداعية للتشاؤم.
الانتقاد/ العدد 1196 ـ 5 كانون الثاني / يناير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018