ارشيف من : 2005-2008

المعارضة تعتمد استراتيجية النفس الطويل.. والوقت لمصلحتها

المعارضة تعتمد استراتيجية النفس الطويل.. والوقت لمصلحتها

يشير الى النقيض كثير وأبرزه.‏

أولاً: استمرار فريق السلطة في غيّه، وإصراره على سياسة إدارة الظهر، وكأن لا أزمة في البلاد ولا من يحزنون. ليس لأنه لا يشعر بثقل ضغط حركة المعارضة عليه، هذا الضغط الذي يتزايد يوماً بعد يوم، ولدرجة يمكن القول معها إن هذا الفريق هو بمثابة الميت سريرياً من الناحية السياسية لولا امدادات الأوكسجين والأجهزة الحيوية التي تأتيه من قوى الوصاية الخارجية وتحديداً واشنطن وباريس، ولولا رفض المعارضة السياسي والأخلاقي لفكرة القتل الرحيم، واصرارها على التعامل مع هذا الفريق بمنتهى الديموقراطية والحضارية في آن.‏

وليست آخر بدع هذا الفريق سوى محاولاته الأخيرة والحثيثة، للقفز وبحركات بهلوانية فوق هوة المأزق السياسي، نحو هوة المأزق الاقتصادي، مع إدراكه الكامل أنه لا عبور حقيقياً نحو المعالجات الاقتصادية والمالية الفعلية والصحيحة إلا عبر المعالجات السياسية التي توفر الأرضية والاستقرار السياسيين لكل الملفات الضاغطة والمتفجرة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. الا أن اصرار هذا الفريق على المناورة، والتهرب في مواجهة القضية الأساس في لبنان، وهي قضية المشاركة وإعادة بناء مكونات السلطة على نحو متوازن، يؤسس لاستقرار عام مستديم، ان اصرار هذا الفريق على هكذا مناورات هو مؤشر واضح، على رفضه أي تسويات فعلية، وعلى سعيه للبحث عن وسائل دعم خارجية، وعن أوراق يظن أن بإمكانه توظيفها في وجه المعارضة.‏

ثانياً: اصرار رأس حربة فريق السلطة والوصاية الاميركية في لبنان النائب وليد جنبلاط على استخدام اسلحته الجرثومية والكيميائية بما يكفل تسميم كامل الواقع السياسي اللبناني، وتلغيمه بكل أصناف المتفجرات الطائفية والمذهبية، بما يكفل تعطيل أي مبادرة سياسية، أو محاولات تقارب بين الأفرقاء، وبما يبقي الحواجز عالية بين اللبنانيين لمنع أي عملية تلاقٍ في ما بينهم، وبما يتيح له الجلوس على التل والتفرج من بعيد، حيث يتيح له هذا الجلوس نوعاً من السلامة العامة، ان لسان حال جنبلاط يقول: ما دامت حساباتي السياسية خابت، وأنا مقبل على خسارة فادحة، فليخسر معي الجميع، وإلا فليمدوا لي يد الانقاذ، ويعيدوا الاعتبار لي، وأنا جاهز لأي تسوية في هذا المجال.‏

ثالثاً: اطلاق النار السريع على ما لاح من مبادرة الرئيس بري، فوليد جنبلاط لم يمهلها حتى أخذ يستهزئ منها، وأما رئيس الحكومة فاعتبرها ميتة قبل أن تولد.‏

رابعاً: عدم بروز أي مؤشر ايجابي ولو واحداً عما يحدث من اتصالات وتحركات سياسية في المنطقة، وبقاء الأمور، في الحد الأدنى، تحت سقف التريث والانتظار.‏

خامساً: الكلام الأخير المنسوب إلى السفير المصري في لبنان حسين ضرار، والذي قاله إثر لقائه مع سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، فخلاصة كلام ضرار تقوم بالتالي:‏

أ ـ الدعوة إلى عدم انتظار الترياق من الخارج، وتحديداً من الرهان على ترتيب ما سريع في العلاقات العربية ـ العربية، والمقصود هنا كما يبدو العلاقات السعودية ـ السورية تحديداً.‏

ب ـ تأكيده بأن لا عودة سريعة لأمين عام الجامعة العربية الدكتور عمر موسى، ما لم يتلق اشارات واضحة من الأفرقاء اللبنانيين تظهر تغييراً في المواقف، واستعداداً مغلباً للقيام بتسوية.‏

ج ـ حرصه على ابلاغ المعارضة رسالة واضحة بضرورة التهدئة، وعدم القيام بهذه المرحلة بأي خطوات تصعيدية، هذه الرسالة ان دلت على شيء، فإنما تدل على رغبة قوى اقليمية معينة على ابقاء الأمور في حالة ستاتيكو معينة، خشية اندفاعها نحو الخيارات الحاسمة، بانتظار تبلور شيء ما دولي واقليمي يخص المنطقة.‏

سادساً: عدم صدور حتى الآن، أي كلام اميركي يشير الى وجهة التغيير التي سيعتمدها بوش في المنطقة. ولا يخفى على أحد، أن ادارة بوش الحالية هي في حالة حيص بيص الآن، فلا هي تستطيع الاستمرار على ما هي عليه، ولا هي تستطيع التراجع على نحوٍ دراماتيكي، ولذا من المرجح، ان تزاوج بين خيارين: الأول، عدم الاقرار الفاقع بالهزيمة، والاكتفاء بالقول بأن هناك اخطاء، والثاني، الانكفاء إلى الخطة "ب"، أي الى خوض المواجهات بالوكالة، بدلاً من خوضها بالأصالة. والسلاح الرئيسي في هذه المواجهات هم الأدوات الاميركية في المنطقة من أنظمة وقوى وشخصيات سياسية، وأما عنصر المواجهات فهو الفتنة المذهبية، التي من شأنها ان تحدث تحويراً وتزييفاً مريعاً في وجهة وطبيعة الصراع، فبدلاً من أن يكون مع الاحتلالين الكولونياليين الاميركي والاسرائيلي، يصبح بين دول المنطقة نفسها وأبناء البلد الواحد.‏

وجل ما ستبحث عنه هنا واشنطن هو نوع من صفقات تهدئة، أكثر منها صفقات تسوية، تسمح لها بإعادة ترتيب أوضاعها في المنطقة تحت غطاء كثيف من الصراعات والانقسامات الداخلية.‏

سابعاً: تمسك المعارضة بعناوين معركتها السياسية، وإصرارها على ان تكمل معركتها بوسائل سلمية وسياسية وحضارية، وتجنب أية أفخاخ يمكن ان تنصب لها على الطريق، لحرف معركتها عن مسارها ووجهتها الحقيقيتين.‏

خلاصة كل ما تقدم تقود إلى الاستنتاجات الرئيسة التالية:‏

أولاً: نحن أمام معركة مديدة في الزمن، وهذا ما تدركه المعارضة، ولذا، فهي تهيئ نفسها، لمعركة ذات نفس طويل، إدراكاً منها لطبيعة المعركة نفسها، ولكون الوقت يعمل لحسابها أكثر مما يعمل لمصلحة واشنطن وفريق السلطة، خصوصاً اذا ما أحسنت ادارة المواجهة، وشكل برنامجها السياسي قناعة عامة، وقدرة على جذب المزيد من القوى والأطراف والبيئات الشعبية في لبنان.‏

ثانياً: لا يبدو أن مسار الأمور حتى الآن هو مسار تسويات، بل المرجح، حتى الآن، هو أن الأمور تتجه نحو المزيد من التجاذب، ومحاولة كل فريق استخدام ما يملك من أوراق، وخصوصاً أن فريق السلطة يعي تماماً طبيعة مأزقه الداخلي، وعجزه عن تقديم مخارج فعلية قليلة الكلفة، وجيدة النتائج، في حين تتفوق عليه المعارضة نوعياً في أكثر من نقطة، وإن كانت هي بدورها تواجه صعوبات ليست مستحيلة التذليل.‏

من هنا، فإن الأشهر الثلاثة القادمة على الأقل، من المتوقع أن تكون حبلى بالمزيد من الاستقطاب والمواجهات، ولا خيار أمام فريق السلطة الا القبول بتسوية بات معروفاً سقفها، وإلا فعليه ان يواجه الحائط المسدود.‏

الانتقاد/ العدد1196 ـ 5 كانون الثاني/يناير2007‏

2007-01-05