ارشيف من : 2005-2008

خيمة اعتصام في مركز مدينة غزة على الطريقة اللبنانية

خيمة اعتصام في مركز مدينة غزة على الطريقة اللبنانية

الفلسطيني المطرز، وشال أبيض كبير يلفها، وتعتمر الكوفية كذلك على الكتفين، تدعى أم العبد احميد، هتفت أمام مئات المحتجين والمنددين بحالة الاقتتال الداخلي مطالبة بحكومة وحدة وطنية تصون الدم الفلسطيني فردد المشاركون من خلفها الشعارات ذاتها.‏

أم العبد احميد أم لأسرى فلسطينيين، أحدهم طورد بالجزائر الدولة العربية الشقيقة لعدد كبير من الأعوام بعد أن أصيب، وعندما تشكلت السلطة الوطنية الفلسطينية عاد للأراضي فاجتمع شمله بوالدته وأسرته.‏

من أجل الشهداء والأسرى ومن أجل المطاردين والجرحى ومن أجل أمهات الشهداء شاركت أم العبد احميد تسعة مثقفين آخرين بالدعوة لاعتصام مفتوح والضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية، وحقن الدم الفلسطيني النازف بأيد فلسطينية، ومكثت قريباً من خيمة الاعتصام المقامة وسط مركز مدينة غزة على مدار ساعات اليوم، مهددة بإضراب مفتوح عن الطعام حتى يتوصل القادة من حركتي فتح وحماس لاتفاق يحقن الدماء النازفة ويحمل البشرى للشعب الفلسطيني بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتعالى على الجراح...‏

وفي وسط مركز المدينة الملتهبة بنيران الفتنة الداخلية أقيمت خيمة اعتصام يؤمها يومياً مئات المواطنين المطالبين بمطلب واحد، ألا وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية تتصدى للحصار المفروض على كل فئات الشعب الفلسطيني، وتسير نحو تحقيق أهداف المقاومة والثوابت الوطنية.‏

شعارهم "صوّب رصاصك فإنك قاتل وطنك"!!!‏

وتحت أقدام النصب التذكاري للجندي المجهول وسط غزة يستطيع كل مار ان يقرأ رسالة الاعتصام التي تقول: "هذا قلبي يا أخي.. فصوّب رصاصك إلى قلبي.. فأنت قاتل وطنك".‏

المواطنون العشرة الذين فكروا بداية بهذا الاعتصام الذي يأتي على الطريقة اللبنانية ليسوا من طرف معارض، وأغلبهم ليس له علاقة بالسياسة، وبعضهم الأعم ضحايا فلتان أمني سواء كلنوا جرحى أو ذوي قتلى سقطوا في الصراعات الدامية المتلاحقة، وبعضهم فنانون، ووجهاء عشائر ومخاتير ورجال إصلاح، وبعضهم الآخر ذوو أسرى أو شهداء، ومن ضمنهم مبعدان من مدينة بيت لحم يمثلان فئة المبعدين إلى القطاع.‏

لم يكن لهؤلاء المواطنين أي هدف أو مكاسب مادية يحققونها سوى إعادة الوحدة إلى الشعب الفلسطيني، وإعادة التلاحم الوطني، ووقف عمليات الاغتيال السياسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، تخرج الشعب الفلسطيني من المأزق السياسي والاجتماعي والاقتصادي.‏

مريم أبو دقة عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية التي تقود مسيرة الاعتصام في خيمة الاعتصام والإضراب المفتوح عن الطعام في ساحة الجندي المجهول، قالت إن الهدف من هذه الحملة هو وقف الاقتتال الداخلي والفلتان الأمني وتشكيل جبهة موحدة للقضاء على كل أشكال الفوضى من أجل صيانة الدم الفلسطيني، وتدعيم روح المحبة والتآخي تحت ظل العلم الفلسطيني، بعيداً عن أعلام الفئوية والحزبية، لأن فلسطين هي ملك للجميع والعلم الفلسطيني هو المظلة الحقيقية لكل الفلسطينيين على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.‏

وقالت أبو دقة: "لقد تناسى المقتتلون في الشوارع، قضايا هامة ومصيرية مثل حق العودة والقدس والجدار العازل، وبناء المستوطنات، أمام الصراع على مصالح فئوية وحزبية ضيقة"، مؤكدة على ضرورة حرمة الدم الفلسطيني، الذي يستباح جهاراً نهاراً، في الوقت الذي تقوم به "إسرائيل" بارتكاب مجازر بشعة وعمليات اغتيال واقتحام للمدن في الضفة الغربية".‏

وأكدت أبو دقة على نيّتهم لتشكيل دروع بشرية للضغط على كل الأطراف من خلال تشكيل رأي عام موحد من جميع الشرفاء والمخلصين والحريصين على القضية الفلسطينية، من أجل وقف حمام الدم في غزة والضفة، والمحافظة على الانجازات الوطنية التي تحققت بدماء الشهداء العظام أمثال ياسر عرفات، وأبو علي مصطفى، والشيخ أحمد ياسين وأبو جهاد والرنتيسي والشقاقي وغيرهم الذين قدموا لفلسطين الكثير.‏

الفكرة أساسها مختار عشيرة...‏

الفكرة كما علمت "الانتقاد" أساسها مختار عشيرة "نفيعات" المنحدرة من بئر السبع القطاع الجنوبي المحتل من فلسطين، فكما يقول مختار العشيرة الشيخ جاد الله جاد الحق أبو طاحونة وهو أحد سكان مخيم جباليا: "الفكرة نبعت بالأساس مني، فلا يصح بالمطلق أن يقف وجهاء الشعب متفرجين على استباحة الدم الفلسطيني".‏

وأوضح انه اجتمع مع عدد من السياسيين البارزين من حركتي فتح وحماس الذين تربطهم به علاقة وثيقة خاصة في مخيم جباليا، واقترح عليهم إقامة خيمة اعتصام حيث وجد ترحيباً من كل الفئات الشعبية، ومن ثم قام بالاتصال ببعض من بدأوا بتطبيق فكرته على الأرض ومنهم د. مريم ابو دقة.‏

وناشد المختار أبو طاحونة كل أولياء الأمور بالضرب على أيدي أبنائهم ومنعهم من المشاركة بأي حالة اقتتال داخلي، ووقفهم عن حمل البنادق وتوجيهها لصدور أشقائهم، قائلاً إن النجاح الأولي ينبع من داخل الأسر الفلسطينية التي يجب أن تجد طريقة للتحكم بعقلانية بأولادها الذين تجتذبهم الفصائل المختلفة.‏

رسالتهم "فلسطين لنا جميعاً"‏

الرسالة التي أراد منظمو الاعتصام إبلاغها لكل القادة السياسيين وأصحاب النفوذ والمقاومين من الفصائل الفلسطينية المختلفة وكل من حمل الحجارة والبنادق أن فلسطين وطن للجميع تحوي آهاتهم كما تحوي جراحهم وآلامهم وأحلامهم بوطن حر غير محاصر.‏

من جانبه حدد الدكتور والمحلل السياسي أسعد أبو شرخ، أهداف الحملة التي جاءت تحت عنوان "جسر التواصل والمحبة.. من أجل غد مشرق ووقف الاقتتال والحفاظ على السلاح الفلسطيني"، قائلاً إن مجموعة من المثقفين والأكاديميين والصحافيين والمهتمين قد تداعت بعد حالة الاقتتال والفلتان الأمني، وضياع المجتمع وضرب المنظومة القيمية للشعب الفلسطيني، خاصة في ظل تدهور الحالة الأمنية، بهدف التنديد بكل من يساهم في عمليات الاقتتال وتوتير الساحة الفلسطينية من خلال التصريحات الصحافية التي لا تخدم المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.‏

وحدد أبو شرخ أهداف الحملة بالمطالبة بوقف الحملات الإعلامية والتراشق الإعلامي بين مختلف الفصائل, وسحب جميع المسلحين من الشوارع، ونشر قوى الشرطة الفلسطينية فقط, والمطالبة بسيادة القانون وفرض النظام والمحافظة على أرواح المواطنين, ومطالبة السلطات الثلاث الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي بالإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها جميع التنظيمات والشخصيات الوطنية ذات الكفاءة والخبرة والنزاهة بناءً على وثيقة الوفاق الوطني التي اجمع عليها الجميع، وذلك من أجل وقف حالة الاقتتال الداخلي والانتباه إلى القضايا المصيرية للشعب الفلسطيني.‏

وأوضح الصحفي والكاتب موفق مطر أن ما دفعه للمشاركة في هذا الاعتصام هو الإحساس بأن الإنسان الفلسطيني يتعرض لتدمير ذاتي، وتدمير وتفتيت للقيم الأخلاقية والإنسانية، ومسح عناصر الشخصية الوطنية، وإلغاء وإفناء الضمير الإنساني لديه، مضيفاً أن القضية الفلسطينية والتحرر الوطني باتت مهددة, وعمليات الاقتتال والفلتان الامني والتناحر ساهمت بشكل فعال في التدهور الأمني والأخلاقي والقيمي لشرائح المجتمع المختلفة.‏

وقال مطر: "إن توافد العشرات من المواطنين على مختلف أعمارهم وتعدد ثقافتهم هو رسالة واضحة للمعنيين في الرئاسة والحكومة بضرورة التحرك الفوري والعاجل لوقف النزيف الدموي بين الأشقاء، ووقف عمليات الاغتيال السياسي وقتل الأطفال والنساء في الشوارع".‏

إحدى المشاركات وهي زوجة الشهيد سعيد شملخ التحقت بالاعتصام برفقة عدد من جاراتها وقريباتها قائلة "إن الاعتصام حتى ينجح هو بحاجة لجهود كل ضمير فلسطيني يؤلمه الاقتتال الداخلي وضياع حصاد ما قدمه الشهداء والجرحى".‏

وقالت: "لقد دفعتني مشاعر الأمومة إلى هنا، فمن يموت هم أبناؤنا وأطفالنا وأزواجنا، يجب أن تتضافر سواعدنا لندافع عن كرامة شعبنا ونتصدى لعدوان الاحتلال بدلاً من توجيه بنادقنا إلى صدورنا".‏

الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007‏

2007-01-19