ارشيف من : 2005-2008
الطالباني في دمشق:صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين
البلدين بعد قطيعة استمرت أكثر من ربع قرن. وإذا كانت محادثات الطالباني في دمشق تركزت على القضايا الأمنية وتطوير العلاقات الاقتصادية فإن الابعاد السياسية لهذه الزيارة تبدو في غاية الأهمية, إذ انها جاءت بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش استراتيجيته الجديدة التي اتهم فيها سوريا مجددا بالقيام بدور سلبي تجاه العراق، فيما تأتي زيارة الطالباني في هذا التوقيت لتمثل توجهاً عراقياً لتحسين العلاقات مع سوريا، وهو الأمر الذي قد لا يتوافق مع توجهات سياسة بوش واستغلاله الملف العراقي ضد كل من سوريا وإيران.
ويمكن القول انه انطلاقا من المعادلة السابقة فإن دوائر القرار في المنطقة وأميركا تهتم بالتطورات التي تشهدها العلاقات السورية ـ العراقية، واحتمالات تطور المناخ الايجابي بينهما نظرا لأن الحدث العراقي ـ السوري ليس حدثا عابرا أو ثنائيا في تداعياته وانعكاساته، بل يحتوي في كل خطوة على آليات احتمال تطوره إلى شأن إقليمي، خاصة في ظل العلاقات الجيدة بين دمشق وطهران وإمكانية تأسيس مثلث سوري ـ عراقي ـ إيراني, أولى مهامه تكون حوارا مشتركا بين الأطراف الثلاثة حول كيفية إعادة بناء العلاقات مع العراق، وإيجاد حل للمشكلة الأمنية هناك, فضلا عن أن العلاقات السورية ـ العراقية عبر التاريخ هي علاقات تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية.. لم تتوقف مفاعيلها عبر الحدود حتى في أصعب الأزمات التي نشأت بين البلدين خاصة في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حيث اتسمت العلاقات في عهده بالتوتر والصراع على الرغم من الأيديولوجية الحزبية الواحدة (البعث) قبل انهيار حكم صدام عام 2003 اثر الغزو الأميركي للعراق.
في الواقع, من يقرأ اللحظة السياسية الراهنة لهذا المناخ الجديد لا يمكن له ان يتجاهل ما تواجهه السياسة الأميركية من عقبات في العراق، وما شهدته هذه السياسة من متغيرات بعد أقل من أربع سنوات على احتلاله, متغيرات بدأنا نشهد ملامحها بفوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس النصفية، وتقرير لجنة بيكر ـ هاملتون, وعلى أرض العراق زيادة أعداد القتلى في صفوف القوات الأميركية, ولعل من شأن هذه المتغيرات مجتمعة دفع الحكومة العراقية إلى البحث أكثر فأكثر عن خياراتها السياسية في محيطها الإقليمي.
وعلى الرغم من أهمية هذا التوجه إلا أن ذلك لا يعني القفز فوق مسألة اختلاف الأولويات بين دمشق وبغداد، واختلاف "أجندة" كل طرف وعلاقته بالآخر, إذ ركز الرئيس الطالباني خلال محادثاته مع المسؤولين السوريين على الجانب الأمني والمساهمة السورية في حل المعضلة الأمنية التي تعصف بالعراق وسط المخاوف من حرب طائفية شرسة تدفع بالعراق نحو المجهول.. وبعيدا عن التفاصيل فإن الجانب الأمني يحمل معه في الأيام القادمة المزيد من التعاون بين أجهزة البلدين بخصوص الملفات الأمنية والحدود والشخصيات المطلوبة حيث وقّع البلدان اتفاقية أمنية بهذا الخصوص.
على المستوى السياسي ترى سوريا أنه لا بد من انسحاب القوات الأميركية من العراق انطلاقا من مفهوم السيادة الوطنية، فيما الحكومة العراقية يبدو انها تتهرب من هذا الاستحقاق، بل وتدعو إلى استمرار الوجود العسكري الأميركي في البلاد, ولعل هذه المسألة تظهر مدى التأثير الأميركي على السياسة العراقية في المرحلة الحالية، وهو الأمر الذي يشكل أيضا نقطة افتراق في سياسات البلدين.
في الواقع, على الرغم من اختلاف هذه الأولويات الا ان ذلك لا يقلل من حجم وأهمية التطلعات المتبادلة والمصالح المرتقبة للجانبين, فبعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي معها أصبحت هذه العلاقات على سكة تطور غير مسبوق يأمل العراق من سوريا، إضافة إلى المساهمة في حل المعضلة الأمنية، المساهمة في إعادة إعمار العراق والاستفادة تجاريا من الموانئ السورية، وإعادة الدورة الاقتصادية إلى العلاقات بين البلدين التي يتبعها بالتأكيد بعث دورة الحياة الاجتماعية والثقافية في جغرافيا سياسية تبرز كحامل أساس في كل المحطات التاريخية، فيما تأمل سوريا جعل العراق عمقا لها، والقيام بدور اقتصادي في السوق العراقية الناشئة، ونسج علاقات اقتصادية قوية، فضلا عن إيجاد حل لمشكلة نحو مليون عراقي في سوريا.
نعم المناخ بين بغداد ودمشق بدأ يتغير وبات يظهر وكأنه أمام مرحلة مغرية بالفوائد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية نظرا لأهمية كل طرف للآخر لأسبابه الخاصة, ومع هذا المناخ بدأت قناعة عراقية على مستوى الحكومة التي معظم قادتها هم من الحلفاء السابقين لدمشق، بأهمية عودة الجسور بين العاصمتين.. ولعل من شأن تحقيق ما سبق الدفع بهما إلى العمل معا من أجل تجاوز الخلافات الثنائية والانخراط في مرحلة جديدة تقوم على التعاون لمواجهة المشكلات الأمنية وتعزيز العلاقات, وبما يؤدي كل ذلك إلى مصلحة متبادلة على المستوى الاستراتيجي.
سورياً: في تحسين الموقع في مواجهة المساعي الهادفة إلى عزلها عربيا ودوليا وتحسين دورها في الأزمتين اللبنانية والفلسطينية، وبما يؤدي كل ذلك إلى موقع أفضل في قضيتها الأساسية أي قضية استعادة الجولان في معركة الصراع مع "إسرائيل".
عراقياً: في التطلع إلى دور سوري للخروج من المعضلة الأمنية وتحقيق المصالحة الوطنية والبدء بإعادة الإعمار والبناء.. إنها معادلة مغرية بدأت بالتشكل، ومعها تبدو العلاقات بين البلدين قد دخلت مرحلة جديدة.
الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018