ارشيف من : 2005-2008
ساركوزي المرشح يتنصل من ساركوزي الوزير
أبريل المقبل، بدأت منذ ثلاث سنوات.
احتدم خلال هذه السنوات الصراع على أشده بين أمراء الحزب الاشتراكي لينتهي، قبل أشهر، بإخلاء الساحة لسيغولين رويال.
حسم الصراع تطلب وقتاً أطول بين أمراء حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، واتخذ شكلاً أكثر ضراوة قبل أن يحسم، ربما بشكل غير نهائي يوم الأحد الماضي (14/1/2007)، مع فوز نيكولا ساركوزي بتمثيل الحزب في الجولة النهائية.
حتى اللحظة الأخيرة ظل رئيس الوزراء دومينيك دوفيليبان مصراً على عدم التراجع، في حين التزم رئيس الجمهورية جاك شيراك جانب التربص، ربما بانتظار أن يحطم كل من ساركوزي ودوفيليبان بعضهما البعض (لا سيما في ظل التحقيقات بتهم الفساد)، أملاً بأن يخلو له الجو للفوز بولاية أخرى.
لكن اتساع موجة التأييد لساركوزي، برغم العديد من أخطائه القاتلة، دفعت الجميع إلى الالتحاق بـ"الواقف"، من وزيرة الدفاع ميشيل إليو ماري، إلى وزير الدفاع السابق آلين جوبيه، ووزير الميزانية فرنسوا جاكوبي، ووزير الرياضة جان فرانسوا لامور. لا عجب في ذلك، بعد أن فاز ساركوزي بـ70% من أصوات 70 ألف مندوب شاركوا في المؤتمر الحزبي. دوفيليبان نفسه أظهر أخيراً جانب اللين وأعرب عن تقديره لـ"وزيره" ساركوزي من أجل وحدة الحزب في الانتخابات!
ساركوزي هذا، الذي لم يبق أمامه إلا منافس واحد على قصر الإليزيه بشخص الاشتراكية سيغولين رويال، من هو على وجه التحديد؟
إنه عدو الأقليات العربية والإفريقية، رفض الاعتذار للجزائريين عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا بحقهم طيلة 120 عاماً من الاستعمار الاستيطاني، معتبراً أن الأبناء غير مسؤولين عن أعمال الآباء، وصف شبان انتفاضة الضواحي بأنهم حثالة، وكرس الانقسام بين فرنسا وضواحيها موجهاً ضربة صاعقة لمشروع الإدماج. يهودي وأدخل أعداداً كبيرة من اليهود إلى الحزب لاحتلاله من الداخل. أبدى ضراوة غير مسبوقة في ملاحقة ما أسماه بالجريمة، التي ألصقها بالجانحين والمتسكعين والمهمشين، وجلهم من العرب والأفارقة، الذين لم يجدوا لأنفسهم مكاناً قي بنية المجتمع الفرنسي، منح أجهزة الشرطة صلاحيات مطلقة استخدمتها في تجاوزات بينها عمليات قتل ذهب ضحيتها عربيان وإفريقي. قاطع احتفالات لأن أعداداً من العرب والأفارقة كانوا بين المدعوين. ووجهت له اتهامات بتأييد السياسات الأميركية والإسرائيلية خلافاً للتوجه الديغولي الكلاسيكي. وهو معروف بأنه أكثر أطلسية مما هو أوروبي، وأكثر ليبرالية مما هو اجتماعي. وخاتمة المطاف رفضه المطلق لفكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. لا مكان لتركيا في الاتحاد، تلك مقولته المأثورة.
أفكار ساركوزي وتصرفاته العنصرية ربما تدغدغ مشاعر الكثيرين من الفرنسيين. وربما لهذا السبب راهن ساركوزي على اكتساح الشارع الانتخابي الفرنسي عبر إثارة النعرة القومية. والأكيد أن تضعضع الحزب الاشتراكي وتشرذم بقية اليسار قد أغرياه بسلوك هذا السبيل، فصب جام غضبه على المهاجرين مزايداً في ذلك حتى على زعيم الجبهة القومية، جان ماري لوبين. لكن المفاجأة التي لم ينتظرها ساركوزي جاءت من الحزب الإشتراكي الذي عاد سريعاً إلى إثبات وجوده وتجاوز صراعاته والالتفاف حول مرشحة جامعة لم تلبث أن تفوقت على ساركوزي في استطلاعات الرأي. وهكذا وجد نفسه في موقف حرج أمام اليسار واليمين المتطرف اللذين أخطأ في الرهان على كسب شعبيتهما، بعد أن كان قد استعدى الفرنسيين من أصول عربية وإفريقية، الذين يمتلكون الملايين من الأصوات.
تغيرت! تغيرت! رددها ساركوزي أكثر من تسع مرات خلال مؤتمر الحزب. تحدث عن الأخلاق في السياسة، وعن آلام العمال الخائفين من التسريح، وعن الطلاب العاجزين عن مواصلة التعلم, وعن العاطلين عن العمل الذين وعد بتخفيض عددهم من 11% حالياً إلى 5% عام 2012. ووعد بقروض بدون فوائد للطلاب الراغبين في إطلاق مشاريع تجارية. وتكلم مع المهاجرين بصفتهم فرنسيين كالآخرين، لكن أوضاعهم أشد صعوبة، لذا فهم يستحقون مساعدات أكبر. ثم كاد أن يتنكر حتى لفرنسيته عندما تذكر بأنه مهاجر ابن مهاجر جاء من هنغاريا وعانى وقاسى كسائر المهاجرين. وذكر بأنه أول من اعترف بالإسلام كثاني دين في فرنسا، وأن من حق أتباعه أن تكون لهم دور عبادة لائقة. وبالنسبة لـ"إسرائيل" برر موقفه بأنه ليس أكثر تأييداً لها من سيغولين رويال، أو من العديد من الحكام العرب. وأشاد بموقف شيراك عندما أدان التدخل الأميركي في العراق. لكنه تناسى ما فعله في واشنطن، في أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما أدان عنجهية الديبلوماسية الفرنسية في عدم تأييدها المطلق للسياسات الأميركية.
51% من الفرنسيين صرحوا بأن ساركوزي يثير مخاوفهم، ولا يجعلهم يشعرون بالاطمئنان، لأسباب في مقدمتها سرعته في التغير. وأكثر ما يخيفهم فيه شعار حملته الانتخابية: كل شيء يصبح ممكناً... بعد الوصول إلى الإليزيه. أفلا يعني ذلك أيضاً إمكانية التراجع عن العهود والوعود. ألا يقدم بذلك خدمة لمنافسته التي بدأت أسهمها تميل مؤخراً نحو الهبوط. ألا يمكن لاحتدام الصراع السياسوي بين يمين مفكك، بين أمراء يسرون الضغينة على بعضهم البعض برغم الحرص الظاهري على فوز الحزب، وبين يسار مماثل من جميع الوجوه، أن يدفع لوبين إلى المقدمة؟ ألا يمكن للخوف من لوبين أن يدفع الفرنسيين إلى التصويت بالاجماع لجاك شيراك كما فعلوا في الدورة الماضية؟ لا شك بأن تساؤلات كهذه هي ما يدور الآن في ذهن شيراك، المتربص بالجميع وبالولاية الثالثة؟
ع.ح
الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/يناير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018