ارشيف من : 2005-2008
إيران ـ أميركا اللاتينية: نواة عالمية صلبة في وجه الهيمنة الأميركية
محمود أحمدي نجاد لفنزويلا في أيلول/ سبتمبر الماضي، فالزيارة التي قام بها نجاد نهاية الأسبوع الماضي وبداية الأسبوع الحالي إلى عدد من بلدان أميركا اللاتينية، كانت أكثر أهمية من الزيارة الأولى، لأنها شملت إضافة إلى فنزويلا، بلدين انضما حديثا ـ منذ تشرين الثاني/ أكتوبر الماضي ـ إلى قائمة بلدان أميركا اللاتينية المعارضة للسياسات الأميركية، هما: نيكاراغوا دانييل أورتيغا وغواتيمالا رافائيل كورييا، اللذان لا يقلان "ثورية"، بحسب التعبير الذي كان الأكثر تواتراً في خطب الرؤساء، عن الرئيس الفنزويلي هيغو شافيز. كما شملت أيضا لقاءً بين الرؤساء الثلاثة والرئيس البوليفي إيفو موراليس، ذي التوجهات التي قد تكون أكثر ثورية وجذرية، والذي وافى نجاد والآخرين إلى عاصمة الإكوادور كويتو، حيث احتفوا جميعاً باستلام كورييا منصب الرئاسة.
والواقع أن وجود أحمدي نجاد بالذات وليس أي رئيس آخر، عدا شافيز وموراليس، إلى جانب كورييا وأورتيغا لحظة ابتداء ولايتهما في الحكم، هو أمر مشبع بالمغزى لجهة هذا اللقاء العابر للقارات بين زعماء جمعهم وقوفهم في صف المواجهة العالمي الأول مع الهيمنة الأميركية، وهو اللقاء المرشح لأن يستقطب رؤساء آخرين في ظل انسداد الآفاق أمام إمكانية استمرار المعادلة الدولية المحكومة بالتفرد الأميركي، وما بثه ـ على الأقل منذ مجيء المحافظين الجدد ـ من مظاهر الفوضى والاضطراب والقلق والحروب في عالم اليوم. الاستقطاب المنشود ليس مجرد أمنية، لأن هناك ما يكفي من الإشارات الدالة على أن الرئيسين نجاد وشافيز حريصان على تهيئة الشروط الموضوعية لذلك الاستقطاب باتجاه تحفيزه عبر إرساء أشكال جديدة من التعاطف العملي مع البلدان الفقيرة، من خلال مدّ يد المساعدة الحقيقية إليها، خلافاً لأشكال المساعدات المعتمدة حتى الآن بين الشمال والجنوب، التي لم تفعل غير تكبيل الجنوب بالمزيد من الفقر والبؤس والمرض والفساد والدمار الاقتصادي والخواء السياسي والضياع الحضاري. مليار ونصف مليار يورو خصصها الرئيسان الإيراني والفنزويلي لتمويل صندوق مشترك لتنفيذ مشاريع في البلدان النامية التي تريد التخلص من الهيمنة الأميركية، وقد وصف شافيز ذلك الصندوق قائلاً بأنه سيصبح "آلية للتحرر"، غامزاً بلا شك من قناة ما لا يُحصى من صناديق تدخل إليها عشرات المليارات سنوياً ولا تخرج منها فوائد ملموسة للشعوب المقهورة. وقد لا يكون كلام شافيز مبالغاً فيه برغم التواضع النسبي للمبلغ قياسا إلى ضخامة المشكلات، حيث أثبتت "المشاريع الاجتماعية" التي نُفذت في فنزويلا خلال السنوات القليلة الماضية، ناجعيتها كآليات تحرر من خلال التأييد الشعبي المتزايد لشافيز داخل فنزويلا، وامتداد ذلك إل سائر بلدان أميركا اللاتينية التي تشهد تسارعاً ملحوظاً لتوجهات التحرر من الهيمنة الأميركية. والملاحظ في هذا المجال أن "الشعبوية" التي يتهم بها شافيز من قبل الأميركيين هي تحديداً حرصه على الاهتمام بتحسين أوضاع الفقراء، خلافاً للعقائد الرأسمالية التي ترهن الازدهار الاقتصادي بالاستثمار المكثف في المضاربات وغيرها من اهتمامات كبار المتموّلين.
آلية تحرر أخرى سيوفرها توقيع أحد عشر اتفاقاً بين فنزويلا وإيران في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والسياحة. كما اشتملت الاتفاقات على إنشاء شركة يسهم فيها البلدان للتنقيب عن النفط وتسويقه. ولعل الخطوة الأكثر أهمية هي التعهد الذي قدمه نجاد لشافيز بالعمل داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط وخارجها، من أجل خفض جديد للإنتاج، في ظل تراجع الطلب الأميركي على النفط الفنزويلي بسبب الارتفاع غير العادي في درجات الحرارة في أميركا الشمالية خلال الشتاء الحالي، وخصوصاً بسبب استمرار سياسات إغراق الأسواق من قبل البلدان المصدرة الخاضعة للإملاءات الأميركية. وتؤكد المصادر وجود فائض كبير في السوق النفطية، الأمر الذي يفسر الهبوط السريع في الأسعار، الذي بلغ 15 دولاراً للبرميل، ما يستدعي الإسراع في معالجة الوضع منعاً لمفاجآت إضافية على مستوى هبوط الأسعار. وحتى الآن استجابت الجزائر للدعوة الإيرانية الفنزويلية، في وقت يبدو فيه أن تلكؤ كبريات الدول المصدرة في الاستجابة يعود إلى اعتبارات على صلة بالتوترات القائمة حالياً في الشرق الأوسط وبتزايد الضغوط الأميركية على إيران. وقد بات من المؤكد أن التقارب القائم بين إيران وفنزويلا اللتين تحتلان موقعاً متقدما على مستوى إنتاج النفط وتصديره، سيسمح للمرة الأولى في تاريخ المشكلة النفطية بتوفير الشروط اللازمة لاستخدام النفط سلاحا استراتيجيا في معركة التحرر، خلافاً لاستعمالاته الظرفية كما حدث خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 73، أو لاستعمالاته التي ظلت بعيدة عن الإسهام في تنمية البلدان الفقيرة بسبب توظيف العائدات في المشاريع والمرافق التي تخدم المصالح الرأسمالية، أو تجميدها في مصارف البلدان الغربية، ناهيكم عن استخدامها في تغطية نفقات حروب الخليج.
ومع أهمية النفط كمصدر للقوة، لكن السمة الأبرز للتقارب بين إيران وبلدان أميركا اللاتينية المناهضة للهيمنة الأميركية هي قدرته على تشكيل نواة صلبة لحلف عالمي يمثل مصالح الشعوب المقهورة للوقوف في وجه التفرد الأميركي بالشأن العالمي. وميزة هذا الحلف أنه خلافاً للوضع الذي كان سائداً خلال الحرب الباردة والقطبية الثنائية بين معسكرين متكافئين من حيث القوة وينتمي كل منهما إلى الإطار الحضاري الغربي، يجمع أطرافاً تنتمي إلى العالمين الشرقي والغربي، الإسلامي والمسيحي، ما يؤهله من موقع الانتماء المشترك إلى عالم الفقراء، ومن موقع التصدي المشترك للامبريالية، أن يقدم للمرة الأولى صورة عن الكيفية التي يمكن من خلالها تحديد أطر الصراع العالمي كصراع بين توجه إنساني تنصهر فيه القيم التحررية الإسلامية والمسيحية مع الأشكال المهذبة لليسار الثوري والليبرالية المعتدلة، ليشكل جبهة متحدة ضد الطغيان المتمثل بالرأسمالية المتوحشة وسياسات الغزو والإخضاع التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها في شتى أنحاء العالم.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد1198 ـ 19كانون الثاني/يناير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018