ارشيف من : 2005-2008

جدارية على خيمة كربلاء

جدارية على خيمة كربلاء

والديني والاجتماعي الذي كان معيشاً في ذينك الزمانين والمكانين.‏

لم يكن المخيم التهجيري الأوّل في الإسلام الذي أقامه رسول الله (ص) في شعاب مكة فعلاً وحركة عبثية، إنما جاء في سياق التأسيس الأوّل لدولة الإسلام وضمن تأمين الأرضية الصالحة لاستكمال نزول الوحي وانتشار رسالة الإسلام في الأرض. لهذا نقرأ أن النبي (ص) لم يهاجر وحده، بل حمل معه عياله والبذرة الأولى من أصحابه مع عائلاتهم والتجأوا جميعاً إلى أرض جرداء لا ماء فيها ولا كلأ، ليحاصروا هناك ثلاث سنوات من قبل المشركين الأوائل من بني سفيان القابضين على آلهة الأرض، وكانوا في حصارهم لا يبيعون مخيم النبي أو يبتاعون منه، ولا يزوجون ساكنيه أو يتزوجون منه، حتى بلغ النبي وأصحابه مبلغاً كانوا يقتاتون فيه من حشائش الأرض وأوراق الشجر.‏

هذه الخطوة النبوية التأسيسية الأولى للإسلام نجدها تتكرر بعد ستين عاماً بقرار من حفيد النبي (ص) الإمام الحسين (ع)، الذي عمل أيضاً على حمل عياله وأطفاله مع "الصفوة المتبقية" من المسلمين الخلّص وهاجر من المدينة فمكة فالعراق حيث أقام مخيمه في أرض جرداء قاسية مُنع عنهم فيها الماء والكلأ في حصار يراد منه خلع ثوب رسالة الوحي والإسلام وارتداء ثوب الارتداء والسكوت عما يقوم به يزيد من فسق وفجور وخراب في دولة النبوة والصلاح، ودولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‏

وإذا ما أردنا المقارنة هنا بين المخيمين، يستوقفنا ذلك التطابق الكبير بينهما على مستوى الشكل والمضمون والهدف المرتجى. فالرسول (ص) لم يهاجر وحده مع أصحابه، بل أمرهم بأخذ عيالهم وأطفالهم وهو يعلم أنهم ذاهبون ليحاصروا وربما ليُقتلوا أو يُنكل بهم! وهنا نسأل: هل حمل النساء والأطفال مع النبي (ص) كان فعلاً غير محمود أو غير محسوب، أم أنه جاء ليشير الى أمر غاية في الأهمية، وهو أن الدين جاء لنقل المجتمع بأسره رجالاً ونساءً وأطفالاً من ظلمات الجهل الى نور الإيمان. وعليه فالهجرة جاءت ضمن تشكيل اجتماعي واسع ليس مقتصراً على الرجال ليظن بأن ثمة مجموعة من المقاتلين خرجوا عن أمر السلطان وآلهة الأرض، وثمة من خرج ليقاتلهم ويعيدهم الى بيت الطاعة.‏

هذه الهجرة الجامعة نراها تتكرر مع الإمام الحسين (ع)، الذي أمر ـ أسوة بجده رسول الله (ص) ـ أصحابه وأهل بيته بحمل النساء والأطفال معهم في قافلة الرحيل نحو إعادة بناء الدولة الإسلامية التي تعرضت على مدى نصف قرن لكثير من التحريف والضياع. وعليه فإن الذين يرون في حمل الإمام الحسين وأصحابه للنساء والأطفال وتعريضهم للحصار والقتل فعلاً خاطئاً أو غير مدروس، إنما يخطّئون عن قصد أو غير قصد حركة الرسول الأولى، خاصة أن الإمام (ع) أراد التأسيس بفعل وحركة جده (ص) حيث قال(ع): "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر أسير بسيرة جدّي وأبي".‏

من هذا القول نرى أن ما قام به الإمام الحسين (ع) إنما جاء تأسياً بسيرة جده، ولتكون هجرته تلك الفعل المكمل للهجرة الأولى للنبي (ص) ولجميع الأنبياء. فخليل الرحمن إبراهيم (ع) هاجر من العراق الى مصر، ثم توجه الى الشام واستقر في فلسطين. وهاجر كليم الله موسى (ع) من مصر الى مدين، ثم خرج بقومه نحو الشام.‏

هجرات وهجرات ومخيمات وخيم كان أصحابها يغالبون واقعاً سياسياً واجتماعياً ودينياً غاية في الصعوبة والقساوة، فالنبي (ص) أراد اقتلاع سلطان الشرك وتحطيم أوثان الدنيا وربط المجتمع ربطاً سماوياً بإله واحد أحد صمد غفور رحيم عادل قادر. وهو في فعله هذا إنما كان ينسف الحاضرة الاقتصادية والقوة القبلية لأبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب، لذا نهضوا لقتاله دفاعاً عن أصنامهم التي يديرونها بأهوائهم. وكذا فعل الإمام الحسين (ع) الذي نهض في خطوة أراد من خلالها إعادة ربط المسجد بالسماء بعدما أصبح ملحقاً بباحات قصر السلطان الذي سلخ من المسجد سحره الروحي وكساه بالطراريح للقوافل المسافرة، وجعل المنبر خاضعاً لنظام الخطبة المنصوصة من كرسي القصر وكتبة الملك. ولكي لا يبقى المسجد ساتراً أمامياً من السواتر الحامية لجور الحاكم وانحرافه، خرج الإمام (ع) رافضاً حكم يزيد الذي جعل بين مجلس ندمائه ومجلس الصلاة خطوة جارية، فارتحل الى كربلاء لا ليستلم حكم الكوفة، بل ليقيم خيمة الحق فوق رمال الدعوة، لأنه لو بلغ الكوفة واستلم حكمها كان جيش الشام الجرار سيعيد قلب الموازين لقبائل سبق لها أن غدرت بعلي (ع) ولم تناصر الحسن (ع)، وكان الإمام عندها سيُقتل كحاكم وليس كمصلح. وما حمل العيال والأطفال الى خيمة التأسيس الثاني للإسلام إلا إشارة الى أن التأسيس الصحيح للإسلام يبدأ من التكوين الاجتماعي الكامل الذي يجب أن يشارك الجميع فيه، المرأة الى جانب الرجل والطفل الى جانب والديه.‏

بين خيمة النبي (ص) وخيمة الإمام الحسين (ع) ثمة فعلان يشيران ويختصران حركة كل ذلك الفعل، فالخيمة الأولى أرادت ربط السماء بالأرض وطرد آلهة وأوثان يحاصرون بيت إله واحد، أما الخيمة الثانية فأرادت إعادة ربط الأرض بالسماء بعدما كاد سلطان الدنيا يطفىء روح الإله عن نور الأرض.. ولكي يبقى هذا النور وضاءاً مشرقاً كان لا بد من نداء وتضحية بحجم ذلك النور، فكانت دماء ذكية لأحفاد خاتم الأنبياء، دماء هي عصارة صلة ورحم تمتد الى رحم كل الأنبياء من النبي الأول آدم (ع) إلى خاتم النبوة.. أو ليس الإمام الحسين آخر حفيد لآخر نبي؟ أو ليس الدم الذي ارتفع في كربلاء الى السماء هو دماء موصولة بشرايين أولئك الأنبياء العظام؟‏

من هنا نعرف القيمة السماوية التي ضخها بنو هاشم وخلص أصحابهم في شرايين الأرض، ليشكل أولئك الشهداء نور حق وعدل متدرجا نحو حراك تاريخي دائم لا يزول. وللدلالة على نوعية وقيمة وهوية ذلك الدم الذي أريق يقول الشاعر "سليمان بن قتة التمي":‏

عيني جودي بعبرة وعويل‏

واندبي إن بكيت آل الرسول‏

ستة كلهم لصلب علي‏

قد أصيبوا وسبعة لعقيل‏

واندبي إن ندبت عوناً أخاهم‏

ليس فيما ينوبهم بخذول‏

فلعمري لقد أصيب ذوو القر‏

بـى فابكي على المصاب الطويل‏

حسان بدير‏

الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير2007‏

2007-01-19