ارشيف من : 2005-2008

"مؤتمر الانتصار، تساؤلات مستقبلية" لمعهد المعارف الحكمية

"مؤتمر الانتصار، تساؤلات مستقبلية" لمعهد المعارف الحكمية

وآب/ اغسطس 2006، عندما نزعت عن الجيش الإسرائيلي، الذي قُهر، ثوبه المزيف، ودمرت نموذج آلته العتيدة وهزمته.‏

ثلاثة وثلاثون يوماً، كسنين في أهميتها، لأن آثارها من النوع الذي لا ينضب. وكثر الحديث عنها ويستمر في وسائل الإعلام المحلية والعالمية في العالمين العربي والاسلامي، وحتى كُتبت عنها الكتب في أوروبا واميركا.‏

خلف هذا "النصر الإلهي"، تنتصب مفاهيم عدة، أبرزها: الإيمان بالله، الاستعداد النفسي والإعداد الميداني، والثبات في المعركة. لم يكن نصراً جافاً، بل كان من نواحي العسكر والتقنية ذا أهمية.‏

والدخول في تفاصيل عدوان تموز على لبنان، من الناحية العسكرية، ليس إلا جانباً عادياً في مقابل ما يراه الخبراء والمحللون العسكريون في ذلك الصمود من ثقافة عسكرية، وكذلك ما يراه الباحثون السياسيون من مقدمات ونتائج.‏

أوّل من تبين له نتائج الحرب في تموز الماضي هو الكيان الصهيوني، فقد عاد إلى نقطة البداية في فلسفته العسكرية. وقد أعطى النصر في لبنان راحة لحركات المقاومة في فلسطين المحتلة لتعرف الاستفادة مما حصل، وهل يمكن جعل هذه التجربة الكبيرة في جنوب لبنان موضعاً للبحث والدراسة والتحليل؟‏

"مؤتمر الانتصار وتساؤلات مستقبلية" الذي نظّمه معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية في قاعته الثقافية في حارة حريك يبدي كثيراً من الحقائق بخصوص جوانب هذه التجربة، الدينية والعسكرية والسياسية.‏

أهمية هذا المؤتمر، الذي انعقد يومي الثلاثاء والأربعاء 16 و17 من الجاري، يدل عليها مضمون المعلومات للمتحدثين فيه من طوائف عدة، تخلص بمعظمها إلى النصر الذي أحيا ثقافة المقاومة وطمس عنوان الضعف والمهادنة.‏

ويتزامن، هذه السنة، "مؤتمر الانتصار" الإلهي مع بداية شهر محرم، حيث الكربلائية الملهمة لانتصار القلة الصابرة على الطغيان اليزيدي. وما حصل في كربلاء، بدّل حال الأمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، وهو مرتبط بانتصار بدر وثبات أُحد والأحزاب وغيرها من الملاحم الإسلامية.‏

والتاريخ يوضح جداً مسببات ونتائج تلك المعارك، أما بالنسبة إلى النصر الذي حققته المقاومة في لبنان، فهو لا بد سيمهد لانتصارات أخرى. لكن، تفسير مركّبات النصر في تموز، هدف إليها مؤتمر "الانتصار الإلهي، تساؤلات مستقبلية"، ومن المسلّم به، في هذه الحالة أن التساؤلات تنطلق مما حدث (النصر) لتستقدم معرفة بما هي نتائج هذا العمل الكبير.‏

فاعليات المؤتمر‏

"مؤتمر الانتصار، تساؤلات مستقبلية" انعقد في القاعة الثقافية لمعهد المعارف الحكمية في حارة حريك، وقد توازت فيه الرؤية الدينية في الانتصار واستراتيجية المقاومة في القتال، وخُلُقها اللافت وأيضاً تأثيراتها على المجتمع اللبناني والصهيوني.‏

اليوم الأول، الثلاثاء، قُسم إلى جلستين: وكان الافتتاح بكلمة مميزة لمدير معهد المعارف الحكمية الشيخ شفيق جرادي تحدث في بدايتها عن وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله للمعركة المصيرية التي شنتها "اسرائيل" على لبنان بأنها من الحروب الكبرى، "ولما شارفت الحرب على خواتيمها هنأ سماحته الأمة "بالنصر الإلهي"، وهو الأمر الذي أدخل إلى قاموس المصطلح السياسي في اليوميات اللبنانية مفردة جديدة".‏

وفي كلمة جرادي، مواقف بارزة تكشف عن القوة الحكمية الإلهية التي تنصر أهل الحق، وتشير إلى أن مثل تلك المعارك "الابتلاءات" تميز أهل النفاق من الفئة المؤمنة، وخصص الشيخ جرادي مساحة لألطاف النصر، انزال السكينة في قلوب المؤمنين وافراغ الصبر على المقاتلين، والطمأنينة، وصغر قيمة العدو".‏

ومن نتائج "حرب النصر" كشف ما كان يضمر أهل النفاق السياسي والاجتماعي الذين كانوا يخالطون أهل المقاومة: يخرجون عند الملمات من صفوف المؤيدين للمقاومة، وذلك يعود إلى خسة نفوسهم وجبن ارادتهم عن الطموح لنصر حقيقي، واضطرابهم الدائم من عقدهم وباطنيتهم النفسية المظلمة.‏

وبعد الافتتاح، ترأس الجلسة الأولى الشيخ جرادي وتحدث فيها الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن عن "المقاومة الاسلامية والتجديد التكاملي للوعي الديني"، وبدا الدكتور عبد الرحمن متحمساً وهو يقرأ محاضرته التي تعرّف بإحاطة قيادة حزب الله بالقيم الاسلامية، ووعيها بهذه القيم بشكل فاق ما حققته المشاريع السلفية للتجديد الديني كالمشروع الاحيائي الذي تجلى فيه الاسلام بخاتميته، لكنه فصل بين القيم العقدية والقيم الروحية.‏

والمشروع الاصلاحي، وان تجلى فيه الاسلام بعالميته، وتصدرته القيم الفكرية، إلا أنه أخلّ بشرط حققته المقاومة الاسلامية "مبدأ العلم المستعمل" و"الشخصية المتكاملة" ـ أي جمع النظري والعملي، وكذلك المشروع الأصولي الذي حظي بمبدأ الجامعية ـ غير أنه فصل بين القيم السياسية ولوازمها من القيم الاخلاقية اللتين جمعتهما المقاومة.‏

والى الجلسة الثانية، التي ترأسها السيد ابراهيم الموسوي، وتناوب على الكلام خلالها المفكر الاميركي "الفرح بانتصار المقاومة" فرنكلين لامب، وتلاه الدكتور خليل أحمد خليل.‏

فرانكلين لامب، وعنوان محاضرته تأثير حرب تموز على اللوبي الصهيوني، قال "انتصاركم هو انتصارنا"، ويشرح لماذا "خسارة اسرائيل مهدت لخسارة بوش في الانتخابات الأخيرة"، والشعب الاميركي أقرب إلى العرب والمسلمين مما يعتقد البعض، الا انه لا يعرف الحقائق فقط. المفكر الاميركي المسيحي لفت الانتباه إلى سعي اللوبي الصهيوني إلى شق صفوف المسلمين لإحلال الفتنة.‏

ولا ينفك متحدثاً عن الاهتمام الجديد من قبل الاميركيين بمعرفة ما حصل في لبنان، فالسيد نصر الله بنظر لامب هو "المصداقية الكاملة لما يجري في بلدكم".‏

وأتى بعد كلام فرانكلين لامب محاضرة بعنوان: "في المقاومة والسيادة" للدكتور المحاضر في الجامعة اللبنانية خليل أحمد خليل فبدأ بالتعريف بتأثير حرب تموز على المجتمع اللبناني. نقطة أرخها خليل وهي ان تاريخ لبنان المستقل (1943 - 2006) يتحدد بمقاوماته السياسية والمسلحة.‏

"لا سيادة بلا استقلال، ولا استقلال بلا دفاع وطني"، وجديد الدكتور خليل هو جديد لبنان المقاومة، وتكوّن جيل مقاوم من وراء ظهر الطائفية السياسية، والثقافة الجديدة عنوانها "السيادة بالمقاومة".‏

ولعل التعبير المناسب "انتصار التسالم الأهلي على العنف الطائفي"، وصفة من خليل لما يحدث في لبنان حالياً.‏

اليوم الثاني: تبصّرٌ تأثيري‏

المتحدث في الجلسة الثالثة كان المشرف العام السابق على قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان تيمور غوكسيل، لم يتفاجأ غوكسل بالحرب الاسرائيلية الأخيرة، تحدث عن مشاكل "اسرائيل" الاستراتيجية ونقاط ضعفها، وعن الجيش "الأكاديمي" الذي نسي مبدأه الأول "نقل المعركة إلى أرض العدو". "أعرف كم من الاسمنت اشتريتم لبناء غرف تحت الأرض في الجنوب" غوكسل اراد أن يعرف فقط "كيف تم البناء مباشرة أمام أعين الاسرائيليين، ومن قرر بناء الغرف؟ وتوقع غوكسل أن الحرب المقبلة لإسرائيل "أكثر حدة، أكثر قتلاً، وبفضل حزب الله حرق الجيش الاسرائيلي نظرياته العسكرية السابقة".‏

المحاضرة الاولى في الجلسة الرابعة "التبصر الخلقي كمكون "لميتاستراتيجيا" المقاومة للباحث في الفكر السياسي والفلسفي محمود حيدر.‏

وبحسب حيدر، فإن المتبصر متصل بالغيب وبالشهادة، واستطاع الجمع بينهما و"الميتا ـ ستراتيجية هي التي تتجاوز المسائل السياسية وحتى فوق السياسية، أي تعطي اضافة نوعية غيبية على الممارسة السياسية".‏

ومن سمات المقاومة كما حدد الباحث حيدر "الوسيلة الفاضلة للغاية الفاضلة"، وتبصر قيادة المقاومة الاسلامية البيئة الداخلية اللبنانية، ومساهمة تبصرها في قبول الآخر في الوطن، ما يدل على اخلاقية عالية للمقاومة.‏

وبعد حيدر، شارك رئيس حزب التضامن اميل رحمة بمداخلة معبراً عن اعتقاده بالنصر الإلهي، وأن طائفة الشيعة لا تتعامل بفوقية وبالتالي هي حماية للبنان.‏

الختام مع الدكتور جورج حجار وما قدمه بخصوص "الانتصار وسقوط النموذج البديل في لبنان"، وركّز حجّار على أن "سوريا في عين العاصفة"، والضغوط التي تتعرض لها قيادتها، ثم انتقل الى تأكيد التخطيط للحرب على لبنان، في تشرين الأول/ اكتوبر عام 2006، والتي أفشلتها المقاومة فكانت في تموز/ يوليو من العام نفسه، وختام بحثه استعراض للأهداف الاسرائيلية في الحرب التي لم يتحقق منها شيء.‏

التساؤلات التي طرحها المؤتمر ستكون بلا شك لبنات في بناء المستقبل من خلال الإجابات التي قدّمها الباحثون في مداخلاتهم.‏

حسن زراقط‏

الانتقاد/ العدد 1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007‏

2007-01-19