ارشيف من : 2005-2008
ما كان موقف الشباطيين عندما تبلّغوا أنّ حلفاءهم هم من يطعنون التحقيق؟
لفرنسا أن تزوّد التحقيق بمصادر تمويل الصدّيق لأنّ الأموال تأتي إلى فرنسا حيث يقيم
نزل الموقف الروسي من تغييب الدول العشر غير المتعاونة مع لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وما بينهما من دول متخفّية تدّعي الحرص على معرفة الحقيقة وإماطة اللثام عن القتلة، كمن تلقّى جسده ماء مثلجاً، فأصيب برعشة ورجفة وارتباك، وهبّ غاضباً مستاءً من هذه "اللسعة" غير المتوقّعة، وكأنّها فضحت أمره ونزعت ورقة التوت عن غايته المرجوّة من تسييس التحقيق بما لا يؤدّي إلى النتيجة المطلوبة.
ويضع أحد المراقبين اللصيقين بالتحقيقات الجارية في هذا الملف "الجرأة" الروسية في خانة "تصويب التحقيق بعيداً عن الحرتقة السياسية داخل مجلس الأمن"، مذكّراً في حديث مع "الانتقاد" بأنّه "ليس التدخّل الأوّل، بل هو الثاني من حيث الثقل، بعدما سبقه موقف حازم عندما أعطت روسيا لسوريا ضمانات بعدم توقيف أحد من ضبّاطها الذين استجوبهم رئيس لجنة التحقيق الدولية السابق الألماني ديتليف ميليس في مدينة فيينا النمساوية في 5 و7 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2005، بخلاف ما حصل مع الضبّاط اللبنانيين الأربعة الذين أُدخلوا السجن فوراً في 3 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، ولم يجدوا الوسيلة الفضلى للخروج منه ولو بالقانون، برغم الإشارات الواضحة جدّاً تجاههم التي أوردها الرئيس الحالي للجنة البلجيكي سيرج برامرتز في تقريره الصادر في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2006".
وعندما نالت سوريا الضمانة الروسية المذكورة أُعطيت تفسيرات سياسية بامتياز للأمر، وقيل إنّ روسيا تحمي سوريا، ولكنّ الواقع مختلف تماماً بحسب هذا المراقب، وهو يعتبر أنّ سوريا أفهمت روسيا صراحة أنّها تخشى من توقيف ضبّاطها استنادا إلى رواية الشاهد السوري محمّد زهير الصدّيق الذي اخترعته العبقرية الاستخبارية الغربية عبر أحد عملائها الصغار في لبنان، لاعتقادها بأنّ ميليس ينفّذ مؤامرة سياسية ضدّها تطلب رأسها، وبالتالي إسقاطها وتغيير النظام فيها، وهو ما لم ولن ترضى به روسيا التي تربطها بسوريا علاقات مميّزة.
ولمّا أدركت روسيا أنّ تحقيق اللجنة في عهد ميليس ورئيس فريق المحقّقين العاملين معه مواطنه الشرطي غيرهارد ليمان لم يكن موضوعياً وشفّافاً، بل مركّزاً على تثبيت رواية صحيفة "السياسة" الكويتية المفاجئة باستباقها التحقيق، وتدعيمها بإفادة الصدّيق الذي اختفى ليظهر في فرنسا حيث يعيش برخاء ونعيم، اتخذت روسيا قرارها بتصويب التحقيق ليطاول الجميع من دون استثناءات.. فكما وُضعت سوريا تحت المجهر كان يجب التعامل مع احتمالات أخرى باللغة والأسلوب نفسه من دون تحيّز وتمييز، وذلك في سبيل صون التحقيق ومعرفة الحقيقة عن القتلة الحقيقيين.
ويأخذ هذا المراقب على برامرتز عدم تسميته الدول العشر غير المتعاونة معه بشكل كافٍ برغم أنّ مجلس الأمن طلب في القرار الرقم 1595 من كلّ الدول في العالم تقديم التسهيلات اللازمة والمساعدة الحثيثة للجنة التحقيق، ويعتبره خطأ فادحاً كان يمكن تداركه بتسمية الدول حرفياً على غرار ما فعل ميليس في تقريريه الصادرين في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 و12 كانون الأول/ ديسمبر 2005، حيث نعت سوريا بأنّها غير متعاونة، متسائلاً: لماذا ميليس سمّاها بينما تحفّظ برامرتز على ذكر عشر دول دفعة واحدة؟ وهو رقم كبير، فكيف إذا ما تبيّن أنّ هذه الدول تملك معلومات مهمة عن التفاصيل الصغيرة في الجريمة وتتكتّم عليها ليقينها بأنّ كشفها يسيء إلى المخطّط المرسوم والرامي إلى استغلال الجريمة بأبشع الطرائق؟
وإذا كان من حقّ اللبنانيين قبل غيرهم معرفة هذه الدول التي لم تحترم القرار الدولي 1559، لأنّ الجريمة جرّت الويلات عليهم وتركت تداعيات سلبية كثيرة على وطنهم، فالحري أيضاً بمجلس الأمن المسؤول عن عمل برامرتز أن يطلع على "دول حلف التغييب" التي لم تتعاون وتخرق قراره الملزم للجميع، وهو ما يعتبر مسّاً بمصداقيته وحياديته.
واللافت للنظر أنّ بعض هذه الدول المتهمة بعدم التعاون اعتادت انتهاك حرمات مجلس الأمن وقراراته وسيّسته بما يتوافق ومصالحها.
وإذ يؤيّد المراقب المطلب الروسي الذي جاء في موقعه الصحيح، فإنه يشدّد على أنّ برامرتز سوف يضطرّ لتبيان هذه الدول العشر أمام مجلس الأمن، لكي يصار إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقّها، باعتبار أنّها تعرقل التحقيق وتعطّله وتؤثّر فيه بشكل سلبي. مؤكداً أنّ حجب المعلومات عن برامرتز يوجب تدخّل مجلس الأمن كما تدخّل إبّان عهد ميليس عندما كان يصف سوريا بأنّها غير متعاونة.
ويوضح المراقب نفسه أنّ الدول العشر يجب أن تٌُسمى الآن وليس في التقرير المنتظر للجنة التحقيق في شهر آذار/ مارس المقبل، للحؤول دون تأخّر التحقيق شهرين إضافيين، مع ما يترتّب على ذلك من تكاليف ومصاريف إضافية على مجلس الأمن. وبمجرّد حدوث التسمية فإنّ مجلس الأمن يصدر قراراً يطلب بموجبه من الدول غير المتعاونة تقديم ما لديها من معلومات للقاضي البلجيكي.
وباتت الدول العشر معروفة ولكلّ واحدة منها خصوصيتها لجهة علاقتها بالتحقيق.. ففرنسا تتقدّمها لأنّها بكلّ بساطة تحمي الشاهد الصدّيق وحالت دون استجوابه، حتّى أنّها لم تُعِر القضاء اللبناني أيّ اهتمام عندما توجّهت القاضية جوسلين ثابت بناءً لطلب النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا إلى باريس لسماع الصدّيق، فمُنِعت من مقابلته وعادت خالية الوفاض.
ويرى المراقب المذكور أنّ فرنسا لا تستطيع التذرّع باستقلالية القضاء لرفض الطلب اللبناني باسترداد الصدّيق، وذلك لسببين اثنين: أوّلهما أنّ رئيس الجمهورية العماد إميل لحود تعهّد بعدم تنفيذ حكم الإعدام بالصدّيق المدعى عليه بإعطاء إفادة كاذبة، وهي أساساً لا تصل عقوبتها إلى الإعدام. وثانيهما أنّ مسوّدة مشروع المحكمة ذات الطابع الدولي التي وافقت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عليها، تلغي عقوبة الإعدام، وبالتالي فإنّه لم يعد من حجج منطقية بيد فرنسا.
وبصرف النظر عن قضية الاسترداد بحدّ ذاتها، يقول المراقب إنّه يمكن لفرنسا أن تزوّد التحقيق بمصادر تمويل الصدّيق لأنّ الأموال تأتي إلى فرنسا حيث يقيم، وإذا كشفت فرنسا أمام برامرتز مصادر تمويل الصدّيق لكي يعيش على أرضها الشهيرة بغلائها وهو الفقير المعدم، فإنّه يمكن للجنة التحقيق ولرئيسها أن يتوصّلا إلى معرفة من يقف وراء تضليل التحقيق عن قصد عبر الصدّيق، وبذلك يتقدّم التحقيق خطوات مهمة، لأنّ لمن يضلّل التحقيق هدفه الأساسي هو إبعاد التحقيق عن المجرم الحقيقي وتقديم مجرم وهمي بدلاً عنه لتحقيق مصلحة سياسية.
وتبقى ثمّة أسئلة مشروعة عن هذه الدول غير المتعاونة، فكيف تظهر نفسها بأنّها حريصة على مسار التحقيق والقضية برمّتها وتستعجل قيام المحكمة ذات الطابع الدولي، وتتهرّب من مساعدة اللجنة الدولية في عملها؟! ولماذا تخفي ما تعرفه عن اللجنة؟ وهل تخسر "الحكومة اللبنانية" شيئاً إذا طلبت من مجلس الأمن أن يبلغها أسماء الدول العشر؟ وهل تفقد حكومة السنيورة رصيدها الدولي إذا ما أصرّت ولو مرة واحدة، على اتخاذ موقف مشرّف يحضّ مجلس الأمن على طلب السير قُدماً في كشف أسماء هذه الدول ويحثّها على التعاون، أم أنّها لا تريد أن تُغضب أميركا وفرنسا والسعودية وألمانيا والكويت و"إسرائيل" وأوستراليا والإمارات العربية المتحدة.. وسواها من دول "تغييب الحقيقة"؟ وما هو موقف قوى 14 شباط/ فبراير عندما تبلّغت بأنّ حلفاءها الدوليين هم من يطعنون التحقيق ولا يريدونه أن يصل إلى خواتيمه الصحيحة؟ ولماذا أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما أبدت سوريا خشيتها من تسييس التحقيق، فأرغدت وأزبدت وهدّدت بتغيير النظام في سوريا، وهي غير قادرة أساساً على الخروج من منازلها وقصورها وغرف نومها، والتزمت الصمت المطبق تجاه حلفائها الموقّتين؟
مجرّد أسئلة من "حواضر" الموقف الروسي العاصف في مجلس الأمن، ولو كرهت أميركا وفرنسا وسواهما من دول التخفي، كما يختم هذا المراقب الذي يؤكد أنّه بعد تفكيك برامرتز للألغام التي زرعها ميليس في طريقه، وتفتيت المؤامرة المرسومة استخبارياً، فلا بدّ من أن تتوّج الجهود بتسمية الدول العشر، وهو أمر حاصل في المدى المنظور.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018