ارشيف من : 2005-2008

ما سر الإقامة الطويلة للحريري في الرياض؟

ما سر الإقامة الطويلة للحريري في الرياض؟

العاصمة الفرنسية بمشاركة عشرات الدول الأجنبية، وفي مقدمها الولايات المتحدة التي تشارك للمرة الأولى بفعالية خلافاً للمرات السابقة التي كانت تعرقل فيها تقديم أي مساعدة للبنان اذا لم تقترن بشروط سياسية وفواتير مطلوب من لبنان أن يسددها في أكثر من ملف سياسي.‏

وفي هذا السياق تطرح علامات استفهام كبرى من قبل اللبنانيين عن تداعيات هذا المؤتمر على مستقبل لبنان السياسي، وما هي الفواتير التي سيسددها فريق السلطة لراعيه الأميركي مقابل هذه الديون الجديدة؟ وكيف ستصرف هذه الديون التي سيستلمها هذا الفريق الذي رتب ديناً على لبنان تجاوز أربعين مليار دولار منذ استلامه السلطة عام اثنين وتسعين؟ ولماذا هذا السخاء المستجد دولياً تجاه لبنان خلافاً للسنوات الماضية؟ هذه الأسئلة وغيرها من الهواجس تطرح علامات استفهام كبرى بشأن تداعيات هذا المؤتمر والشروط المطلوبة من ورائه.‏

تعاطت المعارضة الوطنية مع مؤتمر "باريس 3" من ناحيتين: الأولى الترحيب بأي مساعدات دولية يمكن أن يحصل عليها لبنان من دون أي التزامات وشروط سياسية، والثانية رفض الورقة الكارثية والإغراقية للحكومة اللادستورية برئاسة فؤاد السنيورة إلى هذا المؤتمر، لأنها ستؤدي إلى توسيع دائرة الفقر الذي بات يعم السواد الأعظم من اللبنانيين، وهذا ما ركّز عليه الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في مقابلته مع صحيفة "الأنباء" الكويتية مؤخراً، ولفت اليه أيضاً رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال في أحد تصريحاته: إنه مهما حصل لبنان على مساعدات فإنها ستذهب هباء خلال أربعة أشهر في ظل استمرار الأزمة السياسية على حالها، والمطلوب حل الأزمة السياسية تفادياً للكارثة.‏

في البعد الأول المتعلق بالتخوف من الشروط السياسية، تؤكد مصادر متابعة أن القروض الجديدة التي سيحصل عليها فريق السلطة من "باريس 3" لها ثمن مطلوب من هذا الفريق دفعه، وجزء منه قد دُفع سلفاً.‏

وواضح أن الهدف الأول والأخير من هذا المؤتمر هو محاولة تعويم فريق السلطة ليكمل تنفيذ الانقلاب الداخلي عبر تنفيذ الأجندة الأميركية بعد محاصرته دستورياً وشعبياً من قبل المعارضة التي تواصل تحركها السلمي في مواجهته منذ الأول من كانون الأول الماضي.‏

ويريد الراعي الأميركي من فريق السلطة في المرحلة الراهنة مواصلة تآمره على المقاومة الذي كان بدأه قبل وخلال وبعد العدوان الصهيوني على لبنان، وذلك من خلال استمرار السعي لتطبيق القرار 1559 وتحوير القرار 1701 وتنفيذه بعيداً عن النصوص الأساسية التي خرج بها في نهاية عدوان تموز. ومن هذه الانحرافات المطلوبة بحسب المصادر، استبدال الطيران التجسسي الفرنسي بالطيران التجسسي الصهيوني الذي يواصل خرقه للأجواء اللبنانية، وهو ما بات واضحاً ومعلناً ولم يؤخر تنفيذه سوى التحذيرات الواضحة التي أطلقها حزب الله في أكثر من موقف، والتي حذر فيها قوات الطوارئ من الانحراف عن مهامها التي نص عليها القرار 1701. كما تلفت المصادر المتابعة إلى أن أحد الالتزامات السياسية لمؤتمر "باريس 3" هو الشروع في تنفيذ مشروع توطين الفلسطينيين في لبنان، وهو ملف لم يكن بعيداً عن المحادثات التي أجرتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال جولتها على المنطقة وحديثها عن ضرورة إحراز تقدم في عملية التسوية بين الصهاينة والفلسطينيين. وليس مستبعداً أن يكون هذا الملف في رأس جدول أعمال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع رئيس الحكومة اللادستورية فؤاد السنيورة اذا زار الأول إلى لبنان، والزيارة مرجحة خلال الفترة القريبة الآتية.‏

أما في الشق المتعلق بكارثية الورقة التي يحملها فريق السلطة إلى "باريس 3"، فإن المعارضة أكدت رفضها الكامل لها، لأنها ستزيد الشعب اللبناني فقراً من خلال المديونية الجديدة والضرائب الجديدة ورفع أسعار المحروقات، فضلاً عن أن الفريق الذي يستولي على السلطة هو الذي أغرق لبنان في الديون لرهنه للإرادة الأجنبية، وهو سيحصل على المليارات الجديدة التي ستؤول إلى جيوب أقطابه الذين نهبوا أموال الشعب سابقاً، وتحديداً تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.‏

في هذه الأثناء استمر الكباش الكبير بين المعارضة وفريق السلطة حول الأزمة السياسية، وقد أوحت الأيام الأخيرة أن هناك سباقاً بين إمكانية إيجاد ثغرة في الطريق المسدود للوصول إلى حلول في الأيام المقبلة، والتصعيد الكبير الذي قد تقدم عليه المعارضة والمشابه لما حصل في السادس من أيار/ مايو عام اثنين وتسعين. وفي هذا السياق برزت الحركة المكثفة التي قام بها خلال الأيام الماضية السفير السعودي عبد العزيز خوجة لإيجاد مخارج للأزمة من دون أن تصل الأمور إلى حد الحديث عن مبادرة سعودية. وما لفت المراقبين مؤخراً هو "الإقامة الطويلة" لرئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري في الرياض منذ نحو شهر، حيث قطع اجتماعاً كان يعقده أواخر كانون الأول الماضي مع صحافيين في جريدة "المستقبل" في قريطم بعد تلقيه اتصالاً من الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وتوجه مباشرة إلى المطار وغادر منه إلى السعودية في الفترة التي قام فيها وفد من حزب الله بزيارة إلى السعودية.. وبقي الحريري هناك ولم يقطع إقامته إلا لزيارة باريس ولقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ثم عاد إلى السعودية من دون أن يعود إلى لبنان حتى الآن.‏

وترى بعض الأوساط المراقبة أن هذه الإقامة في الرياض لها أسباب عدة، أحدها إبعاده بقرار سعودي عن أجواء رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع في سياق محاولة لإيجاد مخارج للأزمة، وهما المشهوران في دفعه إلى عرقلة أي تفاهم أو مسودة اتفاق يمكن أن يُتوصل اليها لحل الأزمة في لبنان.‏

على أي حال، هناك سباق كبير بين الذهاب نحو التصعيد الكبير الذي تهيىء له المعارضة ما لم تظهر حلول خلال الأيام المقبلة، وبين إمكانية إحداث ثغرة نحو الحلول المطلوبة قبل مؤتمر "باريس 3".‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ العدد1198 ـ 19 كانون الثاني/ يناير 2007‏

2007-01-19