ارشيف من : 2005-2008
خطة بوش "الجديدة" للعراق أم لإيران:المزيد من الجنون… المزيد من المغامرات القاتلة
لأكثر من مؤشر واعتبار:
أولاً: لا شك، أن الخطة هي محاولة للتعامل مع معضلة الإخفاق الاميركي في العراق، إلا أنها في الإطار الاستراتيجي الأعم، محاولة للتعاطي مع مجموع الإخفاقات التي مني بها المشروع الاستعماري الاميركي ـ الاسرائيلي في المنطقة، والتي كان أبرزها الهزيمة المدوية لعدوان تموز من العام الفائت على لبنان. فالخطة في معطياتها المباشرة هي محاولة للتعاطي مع الهزيمة في العراق، إلا أنها في معطياتها ومرتكزاتها غير المباشرة، تحاول التعامل، انطلاقاً من العراق، مع سلسلة الهزائم الأخرى في المنطقة.
النتيجة الأولى المباشرة لهذه القراءة هي أنه لا تفكيك في المقاربة الاميركية بين ما يجري في العراق، وبين حلقات باقي المنطقة. ولذا، كان أحد أبرز التبريرات التي ساقتها إدارة بوش للدفاع عن خطتها الجديدة، هو أنه لا سبيل إلى الهزيمة في العراق، لأنها سترتد كارثياً على عموم المصالح الاميركية في المنطقة، وعلى مصالح حلفائها.
النتيجة الثابتة المترتبة على هذه القراءة، أن الولايات المتحدة ليست معنية لوحدها في هذه المعركة، وإنما المطلوب من حلفائها في المنطقة، وكل حسب موقعه، الانخراط بقوة فيها، والعنوان جاهز: حلف المعتدلين في مواجهة حلف المتطرفين، ومواد الاشتعال مهيأة: الخلافات المذهبية.
من هنا، لا يتوقع أحد أن تشهد المرحلة المقبلة تسويات فعلية، بل ضخ المزيد من التوتر والاحتقان، ودفعاً لها نحو سقوف المواجهة. نعم، يمكن أن نشهد بعضاً من تكتيكات السياسة ومناوراتها التي تهدف لاحتواء البعض، وعزل البعض الآخر، وإحداث انقسامات في هذا الفريق أو ذاك، ليسهل أخذ المعارضين من دول وقوى كل على حدة، كما نشهد نموذجاً غير ذكي على ذلك في لبنان.
ثانياً: من يراقب ويستمع إلى جملة المواقف التي صدرت مؤخراً عن بوش وتشيني ورايس، وهادلي، وغايتس.. الخ نجد القاسم المشترك، والحاضر الأكبر، والهدف المركزي هو ايران.
وما يجب استحضاره هنا، أن أمام ايران 60 يوماً تبدأ من أواخر شهر كانون الأول من العام الفائت، وتنتهي في شهر شباط، وذلك كحد أقصى، للرد على قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق بوقف تخصيب اليورانيوم، ومن المتوقع أن لا تستجيب طهران للضغوط الاميركية، وهي ضغوط يعرف الجميع أنها ليست محقة، فضلاً عن ان قرار مجلس الأمن نفسه ليس محقاً، لأن طهران لم يصدر عنها أي مخالفة للأنظمة المرعية من قبل وكالة الطاقة الدولية. من هنا، من المتوقع، في المقابل، أن تطالب واشنطن بعقوبات أكبر، وذلك في سياق خطة تصعيد موضوعة سلفاً.
ثالثاً: تقوم الولايات المتحدة منذ مدة بحشد المزيد من الأساطيل البحرية في منطقة الخليج، حيث هناك اليوم مجموعة ثانية من حاملات الطائرات متوجهة الى الخليج، هذا اضافة الى اعلان واشنطن أيضاً نيتها نشر صواريخ باتريوت في المنطقة، ومن المعروف ان وظيفة هذه الصواريخ هي إسقاط الصواريخ المهاجمة قبل وصولها الى أهدافها. وبالتالي، فهي، لا تعكس نية دفاعية أصلية، بقدر ما تختزن نية عدائية تحاول أن تحتاط لنتائجها مسبقاً.
ويبقى الأهم هنا، والذي لم يلتفت اليه كثيرون، هو التغييرات العسكرية التي قامت بها واشنطن على مستوى القيادات، فالقائد الجديد الذي حل مكان الجنرال جون أبي زيد، "ليس جندياً فحسب، وانما هو الأدميرال ويليام فالون، رئيس أركان القوات الاميركية في المحيط الهادئ، فما لا يعرفه فالون عن توفير الأمن في الشوارع يعرفه في مجال عمله لجهة ضرب الأهداف من الجو والحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة زمن الحرب".
وعلى حد تعبير بعض الوسائل الصحفية، فإن بوش قد يكون "يقوم بإرسال إشارات للحرب، إلا أن الاسرائيليين يستعدون لها، فبحسب تقارير "صنداي تايمز" اللندنية، فإن الطيارين الاسرائيليين كانوا يتدربون على القيام بضربات جوية باستخدام قنابل "البانكر ـ باستر" النووية ضد المواقع النووية في آراك، اصفهان، وناتانز".
وفي هذا السياق يقول الجنرال الاسرائيلي المتقاعد عوديدبترا "إن الضربة الجوية الاميركية على ايران أساسية لوجودنا، وعلينا المساعدة بتمهيد الطريق عن طريق التأثير على الحزب الديمقراطي ومحرري الصحف الاميركية، ونحن بحاجة للقيام بذلك لتحويل القضية الايرانية الى قضية ثنائية تتعلق بالحزبين، لا علاقة لها بالفشل العراقي".
رابعاً: من يتابع جولة وزيرة الخارجية الاميركية رايس في المنطقة يلحظ التالي:
أ - زرع الوهم بأن هناك يقظة اهتمام اميركية بالقضية الفلسطينية، وأن هناك محاولات ستبذل لتحريك عجلة التسوية على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي,
وما تجدر ملاحظته هنا، أنه سبق للكيان الاسرائيلي أن مهد لزيارة رايس بجملة مواقف هدفها تسهيل بيع هذا الوهم، وذلك من خلال القبول بالتهدئة من جهة، واطلاق موقف ايجابي نسبياً، ولأول مرة، من مبادرة الملك عبد الله الملك السعودي التي سبق وتبنتها قمة بيروت.
ب ـ العمل على ما تسميه واشنطن بمحور "الاعتدال العربي" بقاعدته الثلاثية: السعودية، مصر، والأردن، إضافة الى منظومة دول الخليج الأخرى، لهذا المحور وظيفة محددة، سبق وأعلن عنها بوش صراحة: مواجهة ايران، والتصدي لنفوذها في العراق، وفي المنطقة.
ج ـ ارسال رسائل الى دمشق أوروبية واميركية، ولو بالواسطة، مغزاها، ان لا نظرة موحدة لكل من طهران ودمشق، وهدفها غير المعلن، تحييد دمشق، وفصلها عن طهران.
خامساً: من يقرأ تفاصيل خطة بوش للعراق، يجد أن الهدف المركزي فيها هو التخلص من كل ما تعده نفوذاً ايرانياً: حلفاء وقوى، وصولاً الى أهداف مادية بعينها، المطلوب باختصار اجراء جراحة سياسية وأمنية عميقة تؤدي الى اعادة بناء المعادلة السياسية والأمنية في العراق لمصلحة الاحتلال وحلفائه، وبالاتجاه الذي تعتبره لغير مصلحة ايران.
خلاصة القول هنا، أننا أمام ادارة لا تعقل ولا تعتبر، وهي تحاول الهروب من مآزقها المتعددة الى الأمام، من خلال تنقيل حروبها من جبهة الى أخرى.
إن اشارات الحرب التي تبعث بها ادارة بوش لا تعني أبداً أنها قادرة على خوضها والفوز بها، وتجربة لبنان خير مثال، ولذا، يبعد أن تكون واشنطن تقرع طبول الحرب والعدوان للوصول اليها، وانما لدفع خصومها الى قبول التفاوض معها على القطعة، وتحديداً حول مأزقها في العراق، حتى لا تضطر لخوض مفاوضات واسعة، أعلنت صراحة انها لا تتحمل أثمانها.
لكن لنفترض جدلاً، أن خطة بوش، وهي آخر فرصة له، فشلت كما يتوقع كثيرون، وأن بوش قرر توسيع الحرب باتجاه ايران، فماذا ستكون النتيجة، نستطيع الجزم أنه، ومهما كانت طبيعة الضربة وحدودها، أن واشنطن ستخرج مهزومة، وستكون في وضع من يلعب لعبة الروليت، ليطلق الرصاصة الأخيرة في رأسه ورأس الكيان الاسرائيلي، قبل رؤوس الآخرين.
مصطفى الحاج علي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018