ارشيف من : 2005-2008
خطبة السيد نصرالله في الليلة الاولى من ليالي عاشوراء في المجلس المركزي في مجمع سيد الشهداء عليه السلام
الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبين ابا القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الاخيار المنتجبين وعلى جميع الانبياء والمرسلين
السلام عليك يا سيدي ويا مولاي يا ابا عبد الله الحسين يا ابن رسول الله وعلى الارواح التي حلت بفنائك
عليكم مني سلام الله ابدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين
اخواني واخواتي السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته
يقول الله عز وجل في كتابه المجيد
بسم الله الرحمن الرحيم
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا اجرهم باحسن ما كانوا يعملون(96) ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون(97) ـ سورة النحل
صدق الله العلي العظيم
في البداية مبارك لكم وللمسلمين جميعا بداية العام الهجري وبداية السنة الجديدة بحسب التقويم الهجري القمري، وفي نفس الوقت كل العزاء والمواساة لحفيد ابي عبد الله الحسين (ع) بقية الله في الارضين وللمسلمين جميعا ولمحبي اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمناسبة ذكرى عاشوراء، وبداية ايام هذا الشهر المحرم، وذكرى ما جرى فيه من احداث والام ومصائب، اصابت قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل حدوثها حيث اعلم بها، وهو المفتوح على السماء وعلى الوحي، والهجرة وكربلاء متكاملان متواصلان، الهجرة النبوية من مكة الى المدينة كانت تأسيساً للانتقال من الجماعة من مرحلة الجماعة او المجموعة المحدودة الى مرحلة الامة وتأسيس الامة.
وكانت انتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، ومن مرحلة التنظير في الكثير من الابعاد الى مرحلة التطبيق في الكثير من الابعاد، إن الهجرة النبوية لخاتم النبيين رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كانت الخطوة التي اطلقت الإسلام كرسالة ودين وامة على مستوى العالم، وبعد 60 عاما من الهجرة كان لا بد لهذا التاسيس من إعادة تأسيس وكان لا بد لهذه الانطلاقة من إعادة تأكيد وتجديد والمؤسس والمجدد والمؤكد هو بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل هذا احد معاني ما يروى عن رسول الله (ص) حسين مني وانا من حسين احب الله من أحب حسين.
جاءت كربلاء لتجدد وتؤكد وتعيد الرسالة، المشروع، الفكر، الرؤية، المنطلقات، الاهداف ليس الى مكان او وعاء نظري او عقلي وانما لتعيد إحياء كل هذه المعاني والقيم في الامة، تجسيداً فكرياً وروحياً ونفسياً وسلوكيا وعملياً.
ولذلك نحن نتطلع الى كربلاء على اساس انها حادثة كبرى أعادت إحياء الدين وإحياء الاسلام وإحياء دعوة رسول الله (ص) بل بتعبير آخر واوسع وأدق إحياء رسالات السماء ورسالات الانبياء التي اكتملت وتمت بنبوة محمد (ص).
نحن امام حادثة اذا اردنا ان نستخدم مصطلحات معاصرة نقول انها احيت او اعادت احياء ثقافة الانبياء، ثقافة الرسالات والديانات السماوية، ثقافة السماء على الارض، الثقافة الالهية ذات المنشأ المنبع الالهي ودائماً الاجيال والأمم كانت بحاجة الى الانبياء وبعد ختم النبوة كانت بحاجة الى من يجدد بالقوة، بالفعل، بالكلمة، بالعلم وبالدم وبالتضحيات وبالدموع هذه الثقافة النبوية لانها لا تحفظ الا بهذه الطريقة نظراً لحجم التحديات الخطيرة والكبيرة التي تواجهها.
أيها الإخوة والأخوات
حتى لا نبقى في العموميات اود ان ادخل الى موضوع هذه الليلة عندما نقول ان كربلاء احيت ثقافة الانبياء، ماذا نعني بثقافة الانبياء الأن الناس عندما نقول ثقافة يذهب ذهنهم الى الدرس والكتاب، والمثقف هو الذي عنده معلومات يعرف كيف يعبر عنها ويختزنها في دماغه، ويعرف الخطابة او يعرف كيف يتكلم باختصاص معين، طبعا هذا المعنى هو المعنى الاضيق للثقافة.
الثقافة ككلمة وكمصطلح معناها أوسع من هذا بكثير، ما تؤمن به انت هذا جزء من ثقافتك، عقيدتك، القيم الاخلاقية التي تؤمن بها، هذا جزء من ثقافتك، رؤيتك لكل الاشياء حولك هذا جزء من ثقافتك، طريقة تفكيرك هذا جزء من ثقافتك طريقة التعبير عما تفكر به هذا جزء من الثقافة، يعني طريقة التعبير .. مرة "حكي" مرة فن، أشكال مختلفة، "الحكي" في نثر في ادب في شعر في كلام عادي في كلام بليغ هذ جزء من الثقافة.
مبادىء سيرتك وسلوكك هذا جزء من ثقافتك، العادات.. عاداتك وتقاليدك هذا جزء من ثقافتك، ولذلك عندما اتحدث الليلة عن الثقافة اتحدث بهذا المعنى الأوسع الارحب الذي هو المعنى الصحيح، وهو غير المعنى الذي يتداوله الناس عادة.
هنا ينفتح النقاش وخصوصاً ونحن في ذكرى عاشوراء على ما أثير حتى في الاسابيع والشهور الماضية.. عندما طرح التساؤل التالي:
اية ثقافة تريدون أنتم ايها الناس ثقافة الحياة او ثقافة الموت؟
واتهمت المقاومة بانها تروج لثقافة الموت !
من الاتهامات المعتمدة في هذه الاونة الاخيرة لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وغيرها انها تروج لثقافة الموت فالحديث دائماً عن الموت والقتل والدم والاسر والقصف ولا مكان للحديث عن الحياة.
ماذا تريدون؟
البعض يقف ويخيّركم ويقول هل تختارون ثقافة الفرح او ثقافة الحزن، وكأنهم يطرحون الامور بتقسيم حاد في كل الاحوال هذه اسئلة مطروحة، نعم هناك ثقافة حياة وهناك ثقافة موت هناك ثقافة فرح وثقافة حزن وفي حياة الناس أشكال وألوان متعددة للثقافة .
عند شعوب وأمم مضت في التاريخ وشعوب وأمم موجودة الان هناك شعب ثقافته ثقافة عز، كرامة ويعني له العزة والكرامة شيء، وهناك شعب قد لا تعني له كلمة عزة وكرامة شيئاً آخر على الاطلاق، هاتان ثقافتان متناقضتان.
هناك ثقافة جهاد وهناك ثقافة استسلام، هناك ثقافة البحث عن الانتصار وصنع الانتصار وهناك ثقافة هزيمة والاعتراف بالهزيمة والخضوع للهزيمة ونتائج الهزيمة هاتان ثقافتان مختلفتان.
هناك ثقافة الهم الجماعي يعني ان آتي انا وانت لنحمل هم الناس من حولنا هم شعبنا هموم امتنا ـ اليوم اصبح من الانتقادات التي توجه الينا مثلاً اننا نحمل هموم الامة واننا نفكر بالامة انظروا عن اي مثلبة وذنبا يتحدثون ليتهمونا به عندما تهتم بامتك فانت متهم. هناك ثقافة الهم الجماعي والمسؤولية اتجاه الناس وهناك ثقافة الانانية والهم الشخصي. الزعيم يفكر بزعامته كيف يبقى زعيما وكيف يبقى آمناً وكيف اذا مات زعيماً يورث زعامته لولده أما الامة، أما هموم الناس أما أمن الناس اما مستقبل الناس أما مصائر الناس فهي لا تعني له شيئاً هذا الهم الشخصي. وهناك ثقافة الانعزال العُزلة الذي يختبىء في بيته فلا يعنيه ما يجري من حوله او يختبىء في كهف ويعيش في عالم اخر هذه ايضاً ثقافة.
التكبر ثقافة والتواضع ثقافة، العنصرية ثقافة نحن شعب الله المختار هذه ثقافة عنصرية وهناك ثقافة نبوية :" الناس سواسية كأسنان المشط"، "لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى"، "الناس كلهم لادم وادم من تراب" هذه ثقافة.
وهكذا عندما نتحدث عن طريقة تفكير عن قيم اخلاقية عن سلوك عن عادات عن تقاليد وهنا اريد ان أدخل مباشرة إلى موضوع ثقافة الحياة وثقافة الموت في هذه الليلة.
دعوة الانبياء ضلوات الله وسلامه عليهم اجمعين من ادم ابينا ادم الى نوح الى ابراهيم الى موسى الى عيسى الى محمد صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين هي دعوة الى الحياة وليس دعوة الى الموت، هي دعوة الى الحياة ولكن اي حياة القرآن الكريم يوصف الحياة المنشودة التي يسعى اليها الانبياء بالحياة الطيبة يعني الانبياء عليهم السلام عملوا من اجل ان يساعدوا الناس على اقامة حياة طيبة، والحياة الطيبة المنشودة هي حياة طيبة في الدنيا وهي حياة طيبة في الآخرة، يعني دعوة الانبياء وحركة الانبياء ليست فقط لاقامة حياة طيبة في الاخرة، وان كان هو الاصل وانما لاقامة حياة طيبة في الدنيا ايضاً. للبشرية وللناس وهذا يعني ان الانبياء عليهم السلام نظّروا وقدموا مشروعاً وحركة ونموذجاً يتطلع الى الحياة الحقيقية الصحيحة في عمقها في جوهرها وهي الحياة الممتدة، الاديان الالهية تتحدث عن حياة ممتدة.
اسمعوني جيداً ليس في الحياة الالهية موت، ولا ثقافة موت، الموت في الاديان الالهية هو مجرد انتقال من حياة الى حياة، من وجود الى وجود، من مكان الى مكان، من حال الى حال، وليس عدم، وبالتالي في الاديان الالهية ليس هناك عدم اسمه الموت، وانما الموت كما يقول الحسين عليه السلام لاصحابه:" صبراً يا بني الكرام ما الموت الا قنطرة".. مش جسر الجسر ممكن يكون طويل، قنطرة صغيرة يعبر فيها الانسان من عالم الى عالم، ومن حياة الى حياة، وبحسب الحياة الاولى التي يعيشها تتحدد حياته الاخرة، التي ينتقل اليها عبر الموت، وهنا قدم الانبياء بحسب المصطلح السائد خطتهم وبرنامجهم لإقامة الحياة الطيبة في الدنيا وخطتهم وبرنامجهم لاقامة الحياة الطيبة في الاخرة، يعني لم يقدموا مجرد شعارات عامة او هتافات عامة او كلمات عامة وانما وضعوا بين يدي البشرية وفي كل زمان ومكان وجيل بما يتناسب مع ذاك الزمان وذاك المكان وذاك الجيل البرنامج التفصيلي الواضح البين الذي يفهمه البدوي في الصحراء والفيلسوف في المدينة حتى اذا ما فهموه واتبعوه اقاموا لانفسهم حياة طيبة في الدنيا وحياة طيبة في الاخرة وعندما ندخل الى هذا الطرح او الى هذا المشروع او الى هذا البرنامج سوف نجد ان ما قدمته الاديان السماوية وخاتمتها رسالة الاسلام هو الطرح الوحيد القادر على الاحاطة بحاجات الانسان كفرد وبحاجات الانسان كجماعة وكأمة لتكون له حياة طيبة.
ماذا تعني الحياة الطيبة؟
يعني ان يعيش الانسان حياة راضية مرضية مطمئنة سعيدة ما امكن، هنا نتكلم عن الدنيا ومنسجماً مع نفسه ويشعر ان جزءاً كبيراً ان لم يكن كل حاجاته يتم تلبيتها بشكل او بآخر لكن لا يجوز النظر الى الانسان بشكل مجزأ وناقص وهذا ما تعاني منه الكثير من الشعوب في العالم في هذه الايام.
لو نظرنا الى الانسان كجسد فقط كحاجات مادية هل يكفي ان يشبع الانسان او يرتوي الانسان او يلبي شهواته ورغباته الجسدية حتى يصبح انساناً سعيداً وحتى يعيش حياة طيبة هادئةً طيبةً مطمئنة مرضية انظروا الى ماذا يجري في العالم؟
عندما نقرأ في الصحف عن اسباب الانتحار سوف نجد ان جزءاً من اسباب الانتحار هو الفقر، ولكن ان اسباب كثيرة تؤدي الى الانتحار هي الازمات النفسية والمعنوية والروحية.
لا يجوز النظر للانسان فقط كجسد، الانبياء اتوا بالتعاليم الالهية التي تعرّف الانسان يعني الذي خلق الانسان قدم له التعاليم..
وهنا فقط للتشبيه تصوروا ان احد ما يصنح كمبيوتر وثم تطلب من شخص آخر ان يضع له دليل الاستخدام، لن يستطيع اعداده، لا بد وان يخطىء .. من صنع الكمبيوتر هو الذي يعرف كيف يضع له هكذا دليل..
الله سبحانه وتعالى الذي خلق الانسان، اعلم بحاجات هذا الانسان وهو أعلم بمن خلق وماذا خلق ولذلك جاءت التعاليم الالهية لتنظر إلى الانسان بنظر شمولية (هلق كلمة شمولية في لبنان لا ادري كيف يفهمونها شاملة أحسن..) بنظرة شاملة إلى حاجاته الجسدية لأن الانسان جسد، لأن الانسان عقل، الى حاجاته القلبية والروحيةـ لان الانسان روح.. ووازنت بين الحاجات، فجاءت الشرائع السماوية لتقول له في تلبية حاجاتك الجسدية اعمل وكُل من كد يدك ومن عرق جبينك وعندما تحصل على الرزق فليكن رزقك من الحلال لا من السرقة ولا من الغش وكل طعاماً حلالاً زكياً نقياً وأشرب كذلك. ولا تسرف في الطعام وفي الشراب وتزوج فالزواج طريقة لإيجاد السكينة والطمأنينة في العائلة وفي البيت و..و.. وتمشي معه في تلبية حاجاته الجسدية ويعطوه مساحة كبيرة جداً من الحلال ومساحة ضيق جداً من المحرمات والممنوعات.. ويقال له في تلبية حاجات الجسد اجتنب هذه المساحة الضيقة.
في حاجات العقل يفتح الإسلام وديانات السماء امام عقل الإنسان العلم والمعارف العظيمة والكبيرة والعميقة ويدعوه الى طلب العلم في كل مجال وفي كل اختصاص ليلبي حاجات الانسان العقلية، تعرفون هناك اناس يمكن ان يبقى بلا طعام وبلا شراب وعندما يكتشف اكتشافاً علمياً يحصل على سعادة لا تضاهيها سعادة ..هذا نوع من الحاجات البشرية.. الإنسان أيضاً قلب وروح ونفس له مشاعر له عواطف له أحاسيس.. من يقبل أن يعيش عند إنسان يطعمه ويسقيه ولكن يضربه ويذله ويسجنه ويسيء اليه صباح مساء.
هذه ليست حياة لأن هناك جانب آخر في هذا الانسان، روحه قلبه عاطفته..أحاسيسه مشاعره يتم الاساءة اليها ويتم تجاهل حاجاتها الطبيعية.
إذا الانبياء (ص) جاؤوا ونظروا الى الانسان هذه النظرة الشاملة، وأخذوا بيده وعلموه وأرشدوه وهدوه الى بناء الحياة الطيبة التي تتحقق من خلال الاستجابة الى الحاجات الطبيعية المشروعة للانسان، لجسده وعقله وقلبه وروحه وعاطفته.
نظروا ايضا الى حاجات الفرد والى حاجات الجماعة، فكما نبحث عن حياة طيبة للفرد نحن نبحث عن حياة طيبة للجماعة..لشعب لامة للبشرية جمعاء وجاءت الشرائع السماوية هنا والتعاليم الالهية هنا لتتحدث عن صلة الرحم وعن التكافل والتآزر والتعاون والتجاور والتحابب والتآخي والتلاقي والتعارف بين الناس جميعاً كل الناس، لان الامن هو حاجة جماعية وصناعة جماعية، لان التطور الصناعي او الاقتصادي او الزراعي او العلمي هو صناعة جماعية وحاجة جماعية وهكذا.
وهذا ايضاً جانب نظرت اليه تعاليم السماء والاديان السماوية الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا ليعلموا كيف يعمر الارض التي خلقنا الله فيها واستعملنا، جاؤوا ليعلموا الانسان كيف يحيي الارض وكيف يحيي الناس ولذلك كانت حياة الناس غالية جداً في القرآن وفي ديانات السماء فلقد جاء في القران بما معناه "من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً ومن احيا نفساً كأنما احيا الناس جميعا"ً رسالات السماء التي تملك ثقافة الحياة هي التي تعلم المسلمين والمؤمنين بالانبياء ورسالات السماء ان اغلى ما في الانسان هو دمه وروحه فلا يجوز ان يسفك هذا الدم ولا ان تزهق هذه الروح اما ثقافة الجهل، ولا اقول ثقافة الموت وهي التي تستبيح ازهاق الارواح وقتل الانفس لشهوة عابرة او انفعال طارىء او غضب شخصي.
الحياة الطيبة التي اراد الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم ان يحققوها في الارض بنوها على اساس العلم في كل مجالاته، الايمان المنفتح الواسع الباحث عن الحق وعن الحقيقة الغير متعصب المتأمل المتفكر المتدبر القائم على الدليل، وعلى اليقين والاخلاق والقيم الاخلاقية والعمل الصالح الذي يترجم في السلوك ولذلك كانت دعوة الى الابتعاد عن الخبائث وعن الرذائل.
تصوروا ما حال مجتمع يثب فيه الناس على بعضهم فيقتلون بعضهم بعضاً يسرقون بعضهم بعضا يغشون بعضهم بعض يعتدي بعضهم على اعراض بعض اية حياة هذه التي يعيشها هذا المجتمع في هذا السياق وهنا اود ان اصل الى طبيعة المناسبة التي نتحدث عنها في هذا السياق نجد ان روايات والايات والاحاديث وسيرة الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم حتى في التعاطي مع الحياة في هذه الدنيا لا نجد توجيهاً نبوياً او دعاءاً ورثناه عن الانبياء والائمة الصالحين يقوللنا مثلاُ بالدعاء اللهم "موتني"؟
هل مر معكم مثل هذا الدعاء!
او اللهم موت عزيزي فلان او ارحامي فلان او فلان! ما في ولا نبي ولا كتاب سماوي ولا حديث عن رسول الله او اهل بيت رسول الله او صحابة رسول الله او السلف الصالح انو والله واحد دعا على نفسه بالموت هذا غير موجود بل بالعكس الموجود ان يدعو الانسان لنفسه بأن يطيل الله عمره ان يدعو الانسان لوالديه لارحامه لاعزائه يدعو له بطول العمر هذه ثقافة حياة او ثقافة موت.
وايضاً ورد في بعض التأكيدات شرعية على بعض الاعمال وان كانت واجبة بالمعنى الفقهي الا ان الاحاديث الشريفة اشارت الى اثارها فمثلاُ ان صلة الرحم تزيد في العمر يعني واحد يصل رحمه بأي شكل من الاشكال هذا يؤثر في زيادة العمر، الصدقة تزيد في العمر تطول العمر، تكفل الايتام الترحم على الايتام في التعاطي معهم هذا يطيل عمر الانسان اذن جاءت الثقافة الدينية لتعلم الانسان على الاعمال التي تطيل عمره.
اما مسألة الدعاء بالشهادة وبطلب الشهادة هذا امر خاص هو ما سأصل اليه.. المسار الطبيعي هو هذا ولذلك عندما حصل السجال في لبنان مؤخراً على حكاية بدنا نعيش ليش في حدا بلبنان بقول بدنا نموت، مين بيقول بدنا نموت، كلنا نقول بدنا نعيش، لكن، كيف نريد ان نعيش وهنا يأتي السؤال المهم ايضاً هل نريد ان نعيش اذلاء مهددين من قبل الصهاينة هل نريد ان نعيش مصادرين من قبل القوى الكبرى في العالم هل نريد ان نعيش ولا يسمح لنا في لبنان ان يكون لدينا جيش قوي يريد ان يدافع عن لبنان في مواجهة "اسرائيل" هل نريد ان نعيش ولا يسمح لنا ان نبني اقتصاداً سليماً معافى في لبنان بعيداً عن شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هل يسمح لنا ان نعيش في لنبان في ظل دولة لا فساد فيها ولا لصوص فيها ولا محسوبية فيها هنا السؤال؟ اذن نحن نريد ان نعيش كلنا ليس فقط في لبنان كلنا نريد ان نعيش ولكن هناك امور لا يكفي ان يعيش الزعماء حتى يعيش الناس، لا يكفي ان تبقى بعض البيوتات مترفة حتى يكون الناس في عيش او في حياة، هنا نحن نختلف نحن لا نختلف اننا نريد ان نعيش او اننا نريد الحياة نحن نختلف في طبيعة الحياة التي نبحث عنها ولذلك كانت رسالات الانبياء المنسجمة مع فطرة الانسان الان في ادغال افريقيا يمكن ان تذهبوا الى مجموعة من القبائل لم تسمع بنبي ولم يصل اليها صوت نبي او كتاب سماوي ولكن بالفطرة سوف تجدون ان هؤلاء الناس في هذه القبيلة او في تلك القبيلة لا يتحملون الاهانة ولا الذل ولا الاعتداء على الاعراض ولا اخذ اموالهم بغير حق ولا اهانتهم بأي شكل لان هذا هو مقتضى الفطرة الانسانية.
اذن نحن نريد ان نعيش بكرامة بعزة نريد ان نعيش بمنعة نحن ابناء المدرسة التي ترفض ان تعيش بذل وشعارها كان ابدا التاريخ هيهات منا الذلة. عندما نطلب حياة من هذا النوع حياة تستجيب لحاجتنا المتنوعة الروحية والمعنوية والمادية هذا يعني ان سندخل حكماً في التحدي في التحديث لان من هناك يريد ان يمنع هذه الحياة عنا في كل مجال من المجالات "ما مُتع غني الا بما حُرم منه فقير" هناك رأسمالية متوحشة رأسمالية متوحشة قد تتجسد في دولة الولايات المتحدة الاميركية مثلاً التي ترمي عشرات الالاف من اطنان القمح في البحر لتحافظ على سعر القمح الاميركي في الوقت الذي يموت فيه عشرات الملايين من البشرية جوعاً الرأسمالية المتوحشة قد تتجسد في مجموعة في شركة في شخص في بنك هناك اشخاص كل همهم وغمهم كيف يراكمون ثروتهم ولو على حساب جوع الناس ومرض الناس وفقر الناس وحاجات الناس المادية. وهنا يصبح الناس امام تحدي هناك من يريد ان يمنع الناس ان يكون احراراً من يريد ان يستعبدهم ان يقهرهم ان يتسلط عليهم هناك قوى او دولا او مجموعات او اشخاص يشعرون بحاجاتهم الاكيدة الى التجبر على الناس والى الطغيان والى الاستبداد والى التربب الم يقل فرعون للناس انا ربكم الاعلى حتى في القضايا المعنوية والنفسية هناك من يواجهك ليمنعك من ان تكون حراً او عزيزاً او كريماً وانت هنا تصبح امام التحدي هل تستسلم؟ لا يجوز ان تستسلم على اي جبهة من الجبهات ليس في ثقافة الانبياء استسلام ليس في ثقافة الانبياء هزيمة او اعتراف بالهزيمة ليس في ثقافة الانبياء يأس ما بتعرفوا في الاحكام الشرعية من الكبائر اليأس من روح الله ما في يأس ما في قعود ما في اعتراف بالهزيمة حتى لو هزومت يجب ان اقوم من جديد ابني عزيمتي لاجدد ارادتي انطلق اعمل افكر ولكن لا استسلم حتى للهزيمة في مرحلة من المراحل ان لحقت بي عندما عندما تصبح امام التحدي فانت سوف تصبح مجبراً على ان تقاوم عسكرياً او تقاوم سياسياً ان تقاوم اجتماعياً ان تقاوم ثقافياً ان تقاوم اعلامياً وعندما تدخل في المقاوماة فان هذا الامر يستلزم التضحيات العطاء والفداء دم ودموع واموال وخسائر هي تضحيات في طبيعةو الحال لتنتصر هذه المقاومة وتصنع الحياة وتحفظ الحياة في مسار المقاومة يأتي عنوان الشهادة في هذا المسار يأتي عنوان الشهادة الشهادة هنا ليست موتاً عابراً الشهادة هنا هي قتل في معركة الحياة يأتي الشرفاء في هذه المعركة ليدافعوا عن شعبهم عن اهلهم عن امتهم عن مقدساتهم عن كرامة هذه الامة وهذه المقدسات عن منعة وقوة هذا الشعب وهذا الوطن وهذه المقدسات هذا الامر يستحق التضحية نعم لو كنا امام واقع هناك من يحتل ارضنا ويعتدي علينا وجلس كل واحد منا في بيته؟ ماذا ستكون النتيجة هل ستكون حياة عندما تسلم امة رقبته لجبار سوف يذبح اعداد كبيرة منها كالنعاج على اعتاب هذا الجبار، ولكنها عندما تقاتل وتقاوم ستقدم عدد أقل من الضحايا ولكنهم سيكونون شهداء ويغيرون هذا الواقع.
الشهادة هنا هي جزء من معركة، الشهادة كما كنت اقول في احتفالات المقاومة مشروع الأمة مشروع حياة لا يمكن ان يكون مشروعنا هو ان تستشهد الامة نعم يمكن أن يكون للفرد مشروع شهادة وأنا أطمح أن تختم حياتي بالشهادة فلان يطمح ان تختم حياته بالشهادة وهنا عندما اتحدث عن الشهادة اتحدث عن المواجهة عن مقاومة مشروعة هادفة ولذلك ليس كل من يقتل شهيد وإنما من يقتل في سبيل الله شهيد وسبيل الله هو سبيل عيال الله وسبيل خلق الله وسبيل كرامة وعزة وحياة ومنعة وسعادة خلق الله عز وجل.
الشهادة هنا تصنع حياة الأمة استطيع ان أقول أن الشهادة هنا هي قمة الحياة وذروة الحياة وجوهر الحياة وكلها حياة ليس في الشهادة موت.
الشهادة، أبناؤكم واخوانكم الشهداء يصنعون حياة الامة يحفظون كرامة الأمة ويعيدون للأمة أمجادها المسلوبة يحفظون للابناء وللاحفاد مستقبلاً لهم مكان فيه، وهؤلاء الشهداء اذا يصنعون الحياة والشهادة هنا تصنع حياة الامة وتصنع حياة الفرد الشهيد..
الفرد الشهيد الذي ينتقل من حياة إلى حياة.. ولكن حياة دنيا الى حياة آخرة.. من حياة لذتها ممزوجة بالالم الى حياة كلها لذة وجوهر اللذة.. من حياة أمنها ممزوج بالخطر الى حياة كلها امن وامان وطمانينة وسلام من حياة مهددة الى حياة ثابتة راضية مرضية وبالتالي في اللحظة التي يسقط فيها أخي أو أخوك أبني أو أبنك، والدي أو والدك زوجتي أو زوجتك، أختي أو أختك في هذه المواجهة، طفلي أو طفلك في هذه المواجهة في هذه اللحظة التي يسفك فيه هذا الدم تصنع حياتان، حياة للامة في الدنيا وفي الاخرة وحياة لهذا الذي سفك دمه حياة ابدية أزلية.. وينتقل من هذه الدار الى الدار التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. هذه هي مدرسة الانبياء (ص) وبفعل هذه الثقافة التي كرسها الانبياء ورسالات الانبياء ورسول الله (ص) قولا وعملا في صدر الاسلام بتضحايت اهل بيته وصحابته والسلف الصالح، جاءات كربلاء لتكرس وتعزز وتؤكد هذه الثقافة ولتوقل لنا ان الحياة الطيبة التي نبحث عنها هي التي تستجيب لهذه الحاجات ومن اهم هذه الحاجات ان يكون هناك حكومة صالحة وحكم عادل وان يكون هناك حياة عزيزة فإذا ما وضع الحسين ابن رسول الله بين خيارين بين الحرب وبين الذل .. ماذا اختار؟
هنا ليست مسابقة خيارات تربح فيها مبلغا من المال او تخسر فيها مبلغا من المال.. هنا لسنا في موقع ترف فكري، وأن تقول اخترت كذا ثم تقول لقد اخطات وإنما هنا في خيار حاسم ونهائي وأبدي ماذا تختار؟
هل تختار ان تعيش بذل.. أم تختار ان تواجه الاسنة والرماح والسيوف.. يعني أن تواجه الطائرات والدبابات والصواريخ والقنابل..
من أراد ان يفهم ـ وخصوصاً في هذه الايام اعيد فتح هذه الملف من جديد رغم الحصار العالمي والاقليمي والمحلي الذي فرض عليه وهو ملف الحرب الاخيرة حرب تموز / آب حرب العدوان الصهيوني على لبنان والرؤوس التي تتدحرج والتي تتساقط الان ـ أنا أقول لهم جوهر هذه المقاومة حقيقة هذه المقاومة عمق هذه المقاومة هي تلك الثقافة التي تعلمناها خلال عشرات السنين.. وفي هذا المكان تعلمناها جميعا، الثقافة التي تحولت الى ايمان راسخ وارادة صلبة فينا واستعداد حقيقي لترجمة هذه الثقافة، الثقافة عمق قافة المقاومة وقوة ثقافة المقاومة ليست في ما تملك من سلاح وإن كان لا بد من سلاح وليس في ما تملك من تنظيم وان كان لا بد من تنظيم وليس في ما تملك من تخطيط وان كان لا بد من تخطيط قوة المقاومة اولا وقبل كل شيء في روحها في قلبها في ارادتها في عزمها الناشىء من ثقافتها التي تلخصها عبارة : " الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة (الحرب) والذلة وهيهات من الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون".
اليوم تأتي الادارة الاميركية ومعها اداتها "اسرائيل"، ومن اهم العبر السياسية لحرب تموز/يوليو ما يجب ان يتاكد منه العرب والمسلمون والناس أجمعين ان "اسرائيل" هي اداة اميركية.. نكتة لوبي صهيوني ولوبي يهودي وأن "اسرائيل" حاكمة اميركا هذا خداع استخدم في مرحلة من المراحل لتبرير الهزيمة امام "اسرائيل".
"اسرائيل" هذه الثكنة العسكرية المتقدمة في قلب عالمنا العربي والاسلامي هي آداة عسكرية اميركية و"نقطة على أول السطر".
تأتي الادارة الاميركية ومعها اداتها العنصرية العدوانية "اسرائيل" لتفرض واقعاً جديداً على لبنان على فلسطين على العراق على كل منطقتنا اعلربية والاسلامية وهنا نصبح نحن جميعا امام التحدي هل نخاف من قرقعة السلاح من التهويل من الخطابات الرنانة هنا تأتي مدرسة حرب تموز وتأتي بكل فخر واعتزاز مدرسة المقوامة الاسلبامية في لبنان تأتي هذه المدرسة لتقول هذه التجربة امامكم نحن لا نتحدث عن احداث حصلت في التاريخ هذه تجربة موجودة امامكم هذه تجربة حية نابضة حاضرة مشرقة وبإمكانكم ان تختاروا ما تشاؤون.
اليوم ايها الخوة والاخوات نحن بحاجة الى تجديد هذه الثقافة الثقافة التي في نهاية المطاف تصنع الانتصار.. كما انتصرتم..
بالامس تدحرج رأس دان حالوتس ولكن الذي يختبىء خلف هذا المشهد هو كل الكيان الصهيوني، روحه عمقه.. المسألة التي حصلت في الحرب الاخيرة هي في الحقيقة ليست مسألة سلاح هزم سلاح، أو مسألأة عدد الشهداء هنا وعدد القتلى هناك، المسألة هنا لا تقاس بالحسابات المادية..
إن اهم ما في حرب تموز ونحن في ذكرى كربلاء ان الروح هنا هزمت الروح هناك.. وعندما تهزم الروح ماذا ينفع السلاح.. لجنة الجنرلات الكبار في الجيش الاسرائيلي يقولون قد نستطيع ان ناتي باسلحة جديدة وتكنولوجيا جديدة وخطط جديدة ولكن من أين نأتي بالروح وبالارادة وبالثقة.
هنا النصر الاستراتيجي الذي تحقق في لبنان وهذه الروح التي هزمت تلك الروح هي روح مسلحة بالدم وتلك روح مسلحة بالسيف .. يعلمنا الحسين (ع) أن الدم ينتصر على السيف.
يجب ان نحتفظ بهذه الروح..
لا يكفي ان يكون لدينا سلاح وتخطيط وتنظيم واستراتيجيا دفاعية وطنية أو ما شاكل.
لا يكفي ان تكون لدينا فيالق وألوية وجحافل اسألوا عن الروح الكامنة هنا في هذا الجحفل او ذاك
اسألوا عن الارادة الواقفة هنا خلف هذا السلاح او ذاك يمكننا حينئذ ان نستطلع أو نستكشف النصر أو الهزيمة مبكرا
اليوم وفي بداية هذه المجالس التي اردناها وفي كل عام مجالس للمواساة.. مجالس للثقافة ومجالس لتجديد وتأكيد المفاهيم الالهية والنبوية الاصيلة لتأكيد التواصل والتواد فيما بيننا.. ومجالس ايضا للحضور في الميدان والساحة.. وإن كنتم بعد تجربة حرب تموز وآب أكدتم للعالم كله مستوى الحضور الكبير والتاريخي لكم في هذه الساحات..
ليس في ساحة احتفال وإنما في ساحة قتال..
أيضا في هذه العام نعود الى الحسين (ع) في كربلاء لنتعلم منه ومن اختها زينب ومن الرجال والنساء والاطفال في تلك الواقعة العظيمة نتعلم للعقل ونتزود للقلب ونستلهم للروح ونشحذ بالذكرى ارادتنا وعزمنا لنواجه كل التحديات الاتية ولنخرج منها منتصرين كما خرجنا مرفوعي الراس وكما سوف نبقى انشا الله
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018