ارشيف من : 2005-2008
حرب إليوت أبرامز (غير الأهلية)..هل إدارة بوش تخرق القانون في جهد لإثارة حرب أهلية فلسطينية؟
المحافظين الجدد" كان قد أشاع منذ بضعة أشهر أن الولايات المتحدة ليست فقط غير مهتمة بالتعامل مع "حماس" بل وتعمل على ضمان فشلها، فمباشرة بعد انتخاب "حماس" استقبل أبرامز مجموعة من رجال الأعمال الفلسطينيين في مكتبه بالبيت الأبيض وأخذ بالحديث عن "إنقلاب" ضد حكومة حماس المنتخبة حديثاً – الإطاحة بقيادتها بالقوة وبأسلحة تقدمها الولايات المتحدة. وبينما كان رجال الأعمال مصدومين كان أبرامز مصراً – ينبغي على الولايات المتحدة أن تدعم فتح بالبنادق والذخيرة والتدريب ليتمكنوا من قتال حماس من أجل السيطرة على الحكومة الفلسطينية.
ومع أن المقربين من أبرامز يعترفون أن كلماته بدرت عنه في لحظة إحباط فإن الحديث عن "الإنقلاب" لم يكن مجرد كلام، فطوال السنة المنصرمة قدمت الولايات المتحدة البنادق والذخيرة والتدريب لناشطين فلسطينيين من "فتح" ليتصدوا لـ"حماس" في شوارع غزة والضفة الغربية، وقد تم تدريب و"تخريج" عدد كبير من ناشطي "فتح" من معسكرين – أحدهما في رام الله و الآخر في أريحا. وقد تحول هذا الإمداد الذي بدأ كجدول صغير إلى سيل (نقلت صحيفة هآرتس أن الولايات المتحدة الأمريكية خصصت مبلغاً هائلا قدره 86.4 مليون لأجل القوة الأمنية لأبي مازن) وبينما سار هذا البرنامج قُدماً بدون أن تلحظه الصحافة الأمريكية كان يجري الحديث عنه علناً في وسائل الإعلام العربية وفي إسرائيل. تتدفق آلاف البنادق والطلقات إلى غزة والضفة الغربية عبر مصر والأردن وهما حليفتا الإدارة الأمريكيةالمختارتان لهذا البرنامج.
في البداية اعتقد البعض أن جهود الإمداد (التي بدأت تحت غطاء "مساعدة رئاسة السلطة الفلسطينية على تنفيذ التزاماتها ضمن خارطة الطريق في تفكيك البنية التحتية للإرهاب وإرساء سيادة القانون والنظام في الضفة الغربية وغزة" وفقا لإحدى وثائق الحكومة الأمريكية) ستتدعم القوى الأمنية تحت قيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس و ظن المسؤولون أن الأسلحة الإضافية ستخيف رجال حماس بسهولة وأنهم سيتنازلون بخنوع عن مناصبهم التي كسبوها مؤخراً بجهد جهيد، ولكن ذلك ليس فقط لم يحدث بل وقد أصبح البرنامج تحت الهجوم في كافة أنحاء العالم العربي وخاصة بين حلفاء أمريكا المقربين.
ومع أن كلاً من مصر والأردن قامتا بإمداد "أبي مازن" بالسلاح ضمن "برنامج أبرامز" (أرسلت مصر مؤخرا 1900 بندقية إلى قطاع غزة والضفة الغربية توازيها 3000 بندقية أرسلتها الأردن) فإن كل من ملك الأردن عبد الله والرئيس المصري حسني مبارك لا يعتقدان بأن المشروع سينجح – وكلاهما يناوران لإيجاد طريقة للخروج منه. "من يستطيع أن يلومهما" قال لنا مسؤول في الإدارة الأمريكية "فمع أن مبارك لا يكن الحب لحماس فهولا يريد أن يظهر على أنه يسقطهم، وهذا ينطبق أيضا على الأردن". وقد كان مسؤول في البنتاغون أكثر قسوة، قال مبينا ازدراء واشنطن شبه المعلن لبرنامج أبرامز "هذا لن ينجح والجميع يعلم ذلك، هذا البرنامج يتصنع الذكاء أكثر من اللازم ونحن لا نتقن هذه الامور أنها أعمال أبرامز التقليدية". وقد تابع هذا المسؤول ملاحظاً "من غير المتوقع أن تضع أي من الأردن أو مصر مستقبلها في يدي البيت الأبيض. ومن هو من خارج البيت الأبيض ذاك الذي يريد أن يرى حرباً أهلية بين الفلسطينيين؟ وهل تعتقد حقا أن الأردنيون يرونها فكرة حسنة؟ فما إن تبدأ الحرب حتى ينتهي أمر عبد الله فخمسون بالمئة من ابناء بلاده فلسطينيين".
وقد كان بعض الضباط رفيعي المستوى في الجيش الأمريكي والمسؤولين المدنيين في البنتاغون أكثر النقاد صراحة ضمن الإدارة الأمريكية لبرنامج أبرامز الذي لم يعلموا به حتى منتصف شهر آب قبيل نهاية حرب إسرائيل على "حزب الله". وقد غضب وزير الدفاع دونالد رمسفيلد عندما علم بالبرنامج ورتب لاجتماع مع الرئيس بوش لمحاولة اقناعه بأن البرنامج سيعطي عكس النتائج المرجوة. وقد كان رمسفيلد قلقا لأن المشروع المضاد لـ"حماس" سيدفع الجماعات المسلمة بين حلفاء أمريكا إلى التطرف وسيشكل في نهاية المطاف خطرا على القوات الأمريكية التي تحارب المتطرفين السنيين في العراق.. ووفقا لتقاريرنا فإن بوش أخبر رمسفيلد أن عليه أن يركزعلى العراق وأن "الحقيبة الفلسطينية" في يدي وزير الخارجية. وبعد هذه المواجهة أدرك رمسفيلد أن ليس لديه الكثير ليفعله.
وقد بدأ وضع تصور لمشروع "أبرامز" في شباط 2006 على يد مجموعة من مسؤولي البيت الأبيض الذين أرادوا أن يقدموا رداً صلبا ومتماسكا على نصر "حماس" الانتخابي في كانون الثاني. ويقال أن أبرامز تزعم هؤلاء المسؤولين ومن بينهم العضوان البارزان في جماعة المحافظين الجدد ديفد ورمسر وجون هانا، وقد أقرت كوندوليزا رايس هذه السياسة ويقال أن الرئيس أقرها بعد ذلك لهيئة المخابرات المركزية CIA وقرر أن يكون تنفيذها تحت إدارة لانغلي. ولكن البرنامج واجه المشاكل منذ البداية، وقد وردنا في تشرين الأول أن "كل من هيئة المخابرات المركزية CIA والسفارة الأمريكية في اسرائيل بل وحتى اسرائيل كرهت المشروع"، ولقد نعت مسؤول عسكري أمريكي بارز المشروع بأنه "غبي" و"ذو نتائج عكسية".
وقد استمر المشروع بالرغم هذه الانتقادات مع أن المسؤولية عن تنفيذه وضعت ببطء في يدي مسؤولي مكافحة الإرهاب الذين يعملون بتنسيق وثيق مع وزارة الخارجية ووردنا أن هيئة المخابرات المركزية CIA "حاولت التملص" من مسؤولية تنفيذ مشروع أبرامز، ومنذ شهر آب على الأقل كان كل من رايس وأبرامز والمندوب الأمريكي ديفد ولش المدافعين الأساسيين عن البرنامج وتم تضمين المشروع "كجزء من مبادرة وزارة الخارجية للشرق الأوسط" وقد رفض مسؤولون في الحكومة الأمريكية التعليق على تقرير ذكر أن البرنامج هو الآن جزء من "مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط" التي أطلقتها وزارة الخارجية الأمريكية لإرساء دعائم الديمقراطية في المنطقة. وإذا كان كذلك فإن تحويل مسار الأموال المخصصة من البرنامج إلى شراء الأسلحة قد يكون مخالفا لمقاصد مجلس الشيوخ وخرقاً للقانون الأمريكي.
وكان المستفيدان من هذه العطايا الأمريكية السخية هما الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" ومحمد دحلان وهو قائد سياسي فلسطيني مثير للجدل وذو شعبية من قطاع غزة، وقد اعتمدت الولايات المتحدة أيضا على النصح من محمد رشيد وهو خبير مالي كردي فلسطيني معروف له مكاتب في القاهرة. وحتى في اسرائيل فإن تحالف الولايات المتحدة مع هاتين الشخصيتين يكاد يقابل بالسخرية المعلنة. ومع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت دعم البرنامج بتردد فأن العديد من كبار مستشاريه أوضحوا أنهم لا يريدون أن يكون لهم دور في إشعال حرب أهلية فلسطينية، وهم يشكّون أيضاً في إمكانية إضعاف "حماس" ويشير هؤلاء المسؤولين إلى أن "حماس" قد اكتسبت المزيد من القوة منذ بدأ المشروع وهذا يعود جزئيا إلى أن قادتها يعتبرون أكفاء ويتمتعون بالشفافية والنزاهة ولا يساومون على مبادئهم – وهذا النوع من القادة المنتخبين ديمقراطيا هو بالذات النوع الذي كانت إدارة بوش ستدعمه لو كان في أي مكان آخر من الشرق الأوسط.
وطبعا أمام الرأي العام تبدو رايس مستاءة وقلقة حول "الفوضى المتزايدة" بين الفلسطينيين، دون أن تذكر أن هذه الفوضى هي بالذات ما يهدف إليه مشروع أبرامز وقد صرحت خلال زيارة لإسرائيل أنه "لا يمكن بناء بناء قوة أمنية بين ليلة وضحاها للتعامل مع هذا النوع من الفوضى الموجودة في غزة و الناجمة عن عدم القدرة على ممارسة السلطة وعدم قدرتهم (السلطة الفلسطينية التي تقودها حماس) على ممارسة السلطة تعود بالطبع إلى عدم رغبتهم بالتماشي مع المعايير الدولية". وحتى الخبراء في شؤون الشرق الأوسط ومسؤولي وزارة الخارجية المقربين من رايس يعتبرون تصريحاتها حول أعمال العنف الفلسطينية خطيرة وحذروها من أنه إذا تكشفت تفاصيل البرنامج الأمريكي أمام الرأي العام فإن ذلك قد يلطخ سمعتها، وفي الواقع فإن مسؤولي البنتاغون يعترفون بأن عدم قدرة "حماس" على توفير الأمن لشعبها والصدامات التي اندلعت مؤخراً ناجمة عن مشروع أبرامز والمسؤولون الإسرائيليون يدركون هذا وقد بدأوا يتمردون. وفي إسرائيل على الأقل وجهة نظر رايس حول أن "حماس" يمكن أن تزاح عن السلطة تواجه الرفض بشكل مستمر وأحيانا أمام الرأي العام.
ووفقا لمقال نشر في الصحيفة اليومية الإسرائيلية "هآرتس" فإن مسؤولين رفيعي المستوى في المخابرات الإسرائيلية أعلموا رئيس الوزراءالإسرائيلي إيهود أولمرت بأن "حماس" لا يمكن إزاحتها بل إن منافستها "فتح" آخذة بالتفكك، وأوضحوا بأن أي مشروع أمريكي يهدف لإزاحة "حماس" سيفشل. وقد نبذ مسؤولي المخابرات الإسرائيليين هؤلاء أيضا دعوة "أبو مازن" للانتخابات المبكرة لإزاحة "حماس" قائلين أن مثل هذه الانتخابات ستدمر "فتح" تقريبا. و كما نقلت هآرتس فإن ((رئيس الشين بيت يوفال ديسكين أخبر الحكومة يوم الأحد (24 كانون الأول) بأنه في حال أجريت انتخابات في السلطة الفلسطينية فإن فرصة نجاح "فتح" تقارب الصفر. وقال ديسكين في اجتماع الحكومة الأسبوعي يوم الاحد أن حركة "فتح" في حالة سيئة ولذا فإن على اسرائيل أن تتوقع أن تحرز حماس نصراً ساحقاً)).
ويبدو أن الملك الأردني عبد الله يوافقه الرأي. ففي نفس اليوم الذي كتب فيه هذا المقال (25 كانون الثاني) أبقى الملك عبد الله "أبو مازن" ست ساعات منتظراً لقاءه في عمان وفي نهاية المطاف أخبره أن عليه العودة إلى من حيث أتى وأن لا يعود لمقابلة الملك عبد الله إلا بصحبة قائد "حماس" ورئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، كما رحب مسؤولون سعوديون بهنية مؤخرا لإجراء محادثات في المملكة العربية السعودية معلنين كما يبدو وجهة نظرهم في البرنامج الأمريكي لإزاحة "حماس". وهكذا هي الحال: بعد مضي سنة على انتخاب "حماس" وتصميم إليوت أبرامز على أن نشر بذور حرب أهلية بين شعب هو أساساً واقع تحت الاحتلال سيدفع برنامج أمريكا لإرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط إلى الأمام نجد أن احترام المثل الديمقراطية الأمريكية يكاد ينهار، وليس فقط في العراق.
(*) بول ودورد صحافي أميركي، ومؤلف عدة كتب. الموضوع ترجمة لمقال نشر في موقع "منتدى حل النزاعات" (www.conflictsforum.org)
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018