ارشيف من : 2005-2008

محاضر جديدة عن تخبط قيادة الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان: احتللنا كل البلاد العربية في 6 أيام فكيف نعجز جنوبي الليطاني؟

محاضر جديدة عن تخبط قيادة الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان: احتللنا كل البلاد العربية في 6 أيام فكيف نعجز جنوبي الليطاني؟

بشأن مسار حرب لبنان الثانية. ويلقي عمل اللجنة، برغم التحفظات على تشكيلها، ظلالا كثيفة على كل من المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل. وبرغم أن الاتهامات ستكون ذات معنى فقط إذا تم توجيهها إلى سياسيين أو عسكريين فاعلين، فإن التهم ستلاحق رئيس الأركان دان حلوتس بعد استقالته وعدداً من القادة العسكريين الآخرين.‏

وعرضت صحيفة «هآرتس» أمس عددا من الوثائق التي تبين دور حلوتس في الحرب والإخفاقات التي تنسب إليه. وترى الصحيفة أن المشكلة المركزية التي تواجه حلوتس هي كيفية معالجته لأمر التصدي لصواريخ الكاتيوشا وعرقلته شن العملية البرية التي كانت معدة أصلا لمواجهة الكاتيوشا. وتظهر الوثائق أيضا حيرة الجنرالات وارتباكاتهم في حين كان الثابت الوحيد إصرار رئيس الأركان على عدم الشروع بعملية برية.‏

وتبين الوثيقة أنه في عصر الثاني عشر من تموز، بعد ساعات من أسر الجنديين، في مشاورات جرت برئاسة حلوتس، عرض الجنرالان موشيه كابلينسكي وغادي آيزنكوت الخطوات اللازمة لعملية برية. وهنا قال كابلنسكي: يا رئيس الاركان، انتبه. عندما نقول (وذكر الاسم الكودي لخطة تشمل غارات جوية وقصفا مدفعيا واسعا في الاراضي اللبنانية) علينا أن نعرف أنه في منطقنا فور ذلك يأتي «مي ماروم» (الاسم الكودي لخطة تشمل زج فرق في خطوة برية واسعة)». وتحدث آيزنكوت عن استعداد لتنفيذ «مي ماروم» ابتداء من 16 تموز. وتابع «ما أقوله هو أن نُعد للخيار. ألا ندخل اليه في مسار الاشتباكات. هذا سيفوت الأمر وسيكون خطأ».‏

حلوتس لا يستبعد خطوة برية ولكنه يقول: «انني لا أراها تحدث في نهاية هذا الاسبوع. لا أعتزم في هذه المرحلة غير تحريك خطوة لنار مكثفة في كل الاتجاهات. ينبغي خلق التهديد والاستعداد لتنفيذ خطوة برية، ولكن برأيي هذا ليس في نهاية هذا الاسبوع».‏

في 15 تموز، تقويم جديد للوضع. هيئة الاركان بعد نجاح الحملة اللامعة التي دمر فيها سلاح الجو معظم شبكة صواريخ «فجر» المتوسطة المدى لدى حزب الله. وفي ضوء الرضى من نتائج الحملة التي أُعدت جذورها منذ عهده في سلاح الجو، يعود حلوتس الى التمسك بما يعرفه ويثق به: القدرة الجوية. «ما تبقى الآن»، يقول رئيس الاركان لضباطه الكبار «هو خرائب بيروت. والآن سنركز جميعنا، كل الجيش الاسرائيلي على اصطياد الكاتيوشا. اذا كانت هناك حالة طقس جيدة غدا، فكل تشكيلاتنا تنقض على جنوب لبنان. سيكون هناك ظل على جنوب لبنان».‏

أيزنكوت يقترح اتخاذ خطوات برية أولية محدودة: «اجتياحات محدودة بالزمان والمكان، الدخول والخروج». وفي الغداة، في 16 تموز تطرح للمرة الاولى بنت جبيل كهدف محتمل للعملية. الموصي هو قائد السلاح البري الجنرال بيني غينتس. «يا رئيس الاركان، خطاب النصر لنصر الله (في أيار 2000) أُلقي في بنت جبيل. يجب تفكيك المكان ـ هذا مكان شيعي ـ وإبعادهم شمالا. بل انني أفكر حتى بخطوة برية محدودة على هذه المنطقة، يمكن احتواؤها».‏

وتشير «هآرتس» إلى أن الانشغال ببنت جبيل أخذ من الجيش الاسرائيلي زمنا كبيرا، جاء بعضه على حساب معالجة المشكلة الأكثر حدة، الكاتيوشا. وجاءت الخطوة برغم استياء الكثيرين في هيئة الاركان، بمن فيهم قائد المنطقة الشمالية أودي آدم ونائبه ايال بن رؤوفين. وتكرر الانشغال بضرب الرموز طوال المعركة. وحقيقة أن المدينة الشيعية ظهرت كشرك دموي ولواء غولاني تكبد هناك ثمانية قتلى في صباح 26 تموز، وهو ما عزز حافز الجيش الاسرائيلي للنبش في الجرح.‏

في 18 تموز، يعقد حلوتس «منتدى كبار المسؤولين في موضوع تحقيق أولي للحرب». رئيس شعبة العمليات، العميد سامي ترجمان، يعرض بدائل لخطوات محتملة وبينها «مي ماروم». خطط الحد الأقصى هي «مي ماروم» ـ وأنت رفضتها، يقول ترجمان لحلوتس. «نحن لا نرى هذا الخيار». حلوتس: «انني أتبنى نهج رئيس شعبة العمليات (آيزنكوت) لعمليات صغيرة. واذا لم يتم هذا من قبل القيادة، فإنني سآخذه وأنقله الى مسؤولية هيئة الاركان». خلاصة تقويم الوضع في هيئة الاركان في ذاك اليوم: «رئيس الاركان لا يرى حاليا خطوة برية واسعة النطاق». وبالتوازي، في الاسبوعين الأولين للحرب، بالتدريج، يتحقق تغيير في موقف كابلينسكي وآيزنكوت. فإذا كانا في 12 تموز دفعا نحو خطوة مرتبة، متعددة المراحل في نهايتها دخول واسع، فإنهما يطلبان الآن مثل حلوتس التركيز على خطوة خطوة، ننتظر لنرى.‏

في 26 تموز دخلت الحرب أسبوعها الثالث. في ذاك الصباح، تأتي الأنباء الشديدة من بنت جبيل. تنعقد مشاورات لدى حلوتس في موضوع أهداف العملية. الأكثر حدة من بين المتحدثين في صالح الخطوة البرية الواسعة هما بالذات رجلا سلاح الجو. الجنرال ناحوشتان (لحلوتس): «عليك أن تضع هذا على طاولة الحكومة. عليك أن تقول باستقامة انه من دون خطوة برية واسعة فإننا لن نتمكن من إزالة تهديد الكاتيوشا. واذا لم تصادق الحكومة، فينبغي القول بوجوب وقف الحملة الآن. وحقيقة أن الحرب بين الجيش الاسرائيلي وحزب الله، سيكون ممكناً تصويرها كتعادل، لنقل هكذا: من ناحيتنا، التعادل هو خسارة، ومحظور علينا أن نخسر. يجب أن نقول للقيادة السياسية اننا لا يمكننا أن نقلص أكثر مما يوجد الآن (نار الكاتيوشا)، إلا اذا احتللنا حتى الليطاني. أنا لا أفهم ماذا نفعل على المستوى التكتيكي. اذا ما هو الانجاز؟ ماذا نريد؟».‏

الجنرال أودي آدم، الذي يشارك في الحديث من خلال مؤتمر فيديو، يحاول حث خطوته، التي تستند الى منطقة أمنية خاصة (البراميتر) محاذية للمنطقة الأمنية القديمة وتشكل «خشبة قفز» للسيطرة حتى الليطاني، بحسب خطة «مي ماروم». ويقول آدم «يا رئيس الاركان، البراميتر أكثر جدية بكثير من الذهاب الى بنت جبيل أو الى أي نوع من هذه الاماكن. انظر، اتفقنا على ألا نحتل بنت جبيل، أن نحتلها يعني أن نمر هناك بخمسة آلاف منزل، بيتا بيتا».‏

رئيس دائرة البحوث العميد يوسي بايدتس «اذا دخلنا في الليل الى الخيام وقتلنا ثلاثين مخربا ولم يُخدش لنا أي جندي، فلا يوجد أي تغيير في ذلك. أنا فقط أقول إن نهج الخطوة خطوة ليس هو الذي سيؤدي الى الضربة المهمة لحزب الله».‏

حلوتس: «ماذا يعني التغيير؟».‏

بايدتس: «خطوة برية واسعة».‏

حلوتس: «أنت تنظر الى حزب الله، أنا أنظر الى نموذج غزي ـ فلسطيني وأعتقد أن خطوة، وخطوة اخرى وخطوة اخرى سيؤدي بنا الى مكان آخر، ليس شاملا، ولكن سيؤدي الى مكان آخر».‏

وظل حلوتس متحفظا تجاه العملية البرية وبتأييد من رئيس شعبة العمليات.‏

آيزنكوت: «مطلوب وسائل برية واقتحامات لنحو أسبوع في هذا الوقت، في ظل تحسين نمط العمل والتعلم من الأحداث التي نمر بها». ولا يزال أيزنكوت يعارض احتلال المنطقة. «الفارق بين البدائل (في الثاني) لا نحتفظ بأرض لبنانية. من ناحيتي، هذا عبء، وعليه، فإن نمط العمل هو «اقتحامات، دخول وخروج، ما قلناه في بنت جبيل. يجب ألا نجعل من بنت جبيل حائط المبكى. تحقق الانجاز... (نذهب) الى مكان آخر».‏

يدلين: «يصعب علي أن أصدق بأن دولة اسرائيل مع... الفرق ومع... طائراتها غير قادرة على أن تقوم بخطوة برية تأخذ 200 ناشط بالاجمال: وتعالجهم. ليس لنا بديل إلا أن نصل الى اسبوع آخر من دون أن نوقف الكاتيوشا... في النهاية، السوريون ينظرون، الجميع ينظر، سيتعين علينا أن نفعل ذلك. لا أقول أن نفعل ذلك غدا، ولكننا ملزمون أن نفعل ذلك هذا الاسبوع». وخلص رئيس شعبة الاستخبارات إلى أنه «في النهاية يُخيل لي أننا ندفع الأثمان بدفعات صغيرة، بدل أن ندفعها مرة واحدة بدفعة كبيرة (لحلوتس) انظر، هذه الحرب الطويلة ليست في مصلحتنا. نحن نريد أن ننهيها أقوياء، وهذا ما لا يجري».‏

كابلينسكي: «أقترح عليك أن تأمر هذا المساء بتجنيد بعض الوحدات اللازمة، لإنهاء الخطة التي يفترض بها أن تعرض هنا غدا، المصادقة عليها، تحديد الجدول الزمني والشروع في عملية الاعداد التي ستخدمنا في الخطوة البرية، بهذا الحجم الكبير أو ذاك».‏

حلوتس يُجمل: «طُرحت هنا بدائل. ما ينبغي لنا أن نفعله هو أن نضم كل البدائل معا. لا يوجد هنا بديل متفوق... على مستوى الجاهزية علينا أن نكون جاهزين لعمل كل شيء». رئيس الاركان يعود لإمكان تشديد الغارات الجوية، بما في ذلك على ما يبدو ضرب أهداف بنى تحتية مدنية في بيروت. «أعتزم أن أضع هذا مرة اخرى على الطاولة. أنا أقول انه قبل أن نحرك الفرق، الأولي، الزهراني، الليطاني، هذا ليس مهماً. يجب أن نجلب لبنان الى مكان آخر».‏

في 27 تموز يصدر رئيس الاركان تعليمات متجددة لمهاجمة بنت جبيل.‏

كابلنسكي: «بالنسبة لبنت جبيل أتفق مع أودي آدم في شيء واحد. لا معنى عسكريا تكتيكيا لاحتلال بنت جبيل (ولكن) هنا معنى آخر... معنى الرمز وما نفعله نفعله، من أجل من سيقص القصة غدا».‏

آدم يختلف معه: «لا حاجة الى معركة بطولية من أجل أن نحتل هذا الثقب (بنت جبيل)».‏

وتشير «هآرتس» إلى أنه عندما نضج فهم المستوى السياسي وهيئة الأركان في أن «قصة» الحرب هي وقف الكاتيوشا، وليس بنت جبيل أو الرموز الاخرى، كان الأمر بعد فوات الأوان. وتقول انه في نظرة الى الوراء، يجب أن تدوي أقوال يدلين في مشاورات 28 تموز: «نحن في نقطة درك في الدائرة بيننا وبين حزب الله. الوضع ليس جيدا. حزب الله يشعر نفسه منتصراً ونحن نعتبر، عن حق أو عن غير حق، كمن لا نوفر البضاعة. أعتقد أن من واجبنا أن نغير ذلك. لدينا خمسة حتى عشرة أيام، علينا أن نبني خطة وأن نتمسك بها، ألا نغيرها طوال الوقت. أن نسمح للقوات بالسير بالعمل. أن نقلص قليلا كمية تقويمات الوضع وأن نفعل أكثر وأن نقوم بعمل أكبر. في موضوع الكاتيوشا، نحن ملزمون بأن نُري بأنه يمكن التغلب على هذا، وإلا فإنه سيطاردنا على مدى السنين. ويبدو أن هذا يمكن أن نفعله فقط من الارض. بحياتك، آباؤنا احتلوا كل البلاد العربية في ستة أيام ونحن لا يمكننا أن ندخل مع فرقتين وأن ننهي الأمر جنوبي الليطاني؟».‏

المصدر: صحيفة الأخبار اللبنانية‏

2007-01-24