ارشيف من : 2005-2008

المعارضة قالت كلمتها قوية، فهل سيستوعب فريق السلطة اللاشرعي الدروس والعبر؟

المعارضة قالت كلمتها قوية، فهل سيستوعب فريق السلطة اللاشرعي الدروس والعبر؟

أمام فريق السلطة اللاشرعية واللادستورية وداعميه الاقليميين والدوليين، لاستيعاب ما جرى، واستخلاص الدروس والعبر قبل فوات الأوان.‏

بدت المعارضة يوم الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني/ يناير في أبهى صورها: تماسكاً، تنظيمياً، تخطيطاً وقدرة على الإدارة، والإمساك بزمام الأمور، بالرغم من كل الضغوط الميليشياوية والمافياوية التي مارسها فريق السلطة الانقلابي، لحرفها عن مسارها، لا شك أن ما جرى فاق تصورات هذا الفريق، الذي ظهر موتوراً، عصبياً، لا يكاد يلوي على شيء، سوى السلوك العصابي، الفاقد لزمام أمور نفسه، ولا يجيد إلا الإرهاب والعنف السياسيين.‏

استطاعت المعارضة أن تظهر مدى الهوة التي باتت تفصل المجتمع اللبناني في غالبيته العظمى، عن هذه السلطة المتشرنقة حول نفسها، في علاقة نرجسية قاتلة، واذا كان لها من معين بعد، فهو العون الخارجي، لقد نجحت المعارضة في تحويل فريق السلطة إلى حالة ديكتاتورية، لا علاقة لها مع شعبها، لا تعرف طريقاً إليه إلا بالإكراه والعنف، والاستعانة بالغريب، الذي هو غالباً ما يكون عدواً.‏

اننا أمام سلطة تعيد انتاج نفسها على صورة أنظمة المنطقة التي لا يغادر رئيسها، أو زعيمها، أو قائدها المفدّى، موقع رئاسته إلا بالقتل، أو العزل بواسطة شعبه، أو بالانقلاب عليه.‏

لقد تعرّى فريق السلطة بالأمس إلى درجة المجون، وبان أشبه ما يكون بفريق مسترزق، محمولاً على الأكف الاميركية حتى لا نقول أكثر، سقط هذا الفريق في امتحان الوطنية اللبنانية، وفي امتحان الجنسية اللبنانية، ما دامت جنسية سلطتها اميركية بامتياز.‏

بدا فريق السلطة خاوياً، هزيلاً، ضعيفاً، ومربكاً إلى أقصى الحدود، هو لجأ إلى آخر ما في جعبته من أوراق: السلوك الميليشياوي، التهويل بالفتن المتنقلة، والحروب الأهلية، وهو في هذا كله، لم يتورع بزج حتى الأسلحة الرمزية من مواقع دينية وسواها، عسى بذلك يعيد تدوير الزوايا، فيتمكن من القاء شبهة الفتنة المذهبية على تحرك وطني رفيع ومن الدرجة الأولى، إنه الإفلاس المدوي بلغة العواء المجروح.‏

هذا الوضع المزري لهذا الفريق استدعى نجدة عاجلة في صورة مواقف اقليمية ودولية، أقل، ما يقال فيها، إنها محاولات استيعابية اضطرت فيها الولايات المتحدة، ولأول مرة، ان تقدم موقفاً يحض على الحوار والمعالجات السياسية.‏

لا نريد هنا أن نستبق الأمور، فخطوة المعارضة كبيرة ونوعية لدرجة، اذا ما أراد القيمون على أمر فريق السلطة استيعاب دلالاتها ومراميها، والتعامل معها على هذا الأساس، يمكن أن تفتح آفاق الحلول الجدية، واذا ما أصرّ هؤلاء على دس رؤوسهم في الرمال، والتعامل مع رسالة المعارضة، تعاملاً متجاهلاً لحقائق الأمور، ومستخفاً بمجرياتها، ولا يتوخى إلا المناورة واستهلاك الوقت، فإن الأمور متجهة نحو خيارات حاسمة، وليتحمل حينذاك كل طرف مسؤوليته كاملة.‏

لا شك، أن المعارضة ستبني على خطوة يوم الثالث والعشرين، وهي واثقة من نفسها أكثر، ومطمئنة إلى قدرتها على الإمساك بالمبادرة وزمام الأمور، وتجاوز الأفخاخ، وهي اذ تمهل، لا كالماضي مهلاً طويلة، فإنها لا تهمل، وإن غداً لناظره لقريب.‏

كل ذلك، لأن سلطة المعارضة منبثقة اليوم من هذه البيعة الوطنية الواسعة والشاملة لأغلب القوى السياسية والطائفية والمذهبية في لبنان، لقد برهنت المعارضة بالملموس، وللمرة الألف، أنها معارضة سياسية بامتياز، وأن مشروعها لبناني ـ وطني بامتياز، وان خياراتها لا يمكن الا أن تكون خيارات وطنية جامعة، المعارضة اليوم هي سلطة الشعب، لأنها تنهض على إرادة الشعب الغالبة، وتعبر عن هذه الإرادة الغالبة، لذلك، هي المؤهلة لتجسر الهوة بين المجتمع والسلطة، محققة في ذلك جوهر الديموقراطية في تعريفها البديهي، أي بما هي حكم الشعب بالشعب، فالمعارضة لو كانت انقلابية كما يصفها فريق السلطة اللاشرعي واللادستوري، لما رفعت مطلب اجراء انتخابات نيابية مبكرة، ولاختارت وسائل غير ديموقراطية وغير مدنية من أجل الإمساك بمقاليد الأمور في البلاد، لكن لننظر، في المقابل، ماذا يفعل فريق السلطة؟‏

ـ يرفض الذهاب إلى اجراء انتخابات نيابية مبكرة.‏

ـ يرفض القبول بمبدأ المشاركة الحقيقية في إدارة شؤون البلاد، بالرغم من ادراكه طبيعة وجوهر النظام الطائفي السياسي في لبنان، وللتركيبة الطائفية في لبنان.‏

ـ أصر على الاحتفاط بالسلطة بالرغم من فقدانها لشرعيتها السياسية، ولشرعيتها الدستورية، بفعل تحول الحكومة إلى حكومة اللون الواحد، والفريق الواحد.‏

ـ الاصرار على صم الآذان، وحجب العيون، عن إرادة الغالبية العظمى من اللبنانيين.‏

ـ اللجوء إلى لعبة الفتنة صناعة وسعياً وترويجاً.‏

ـ اعتماد أساليب الترهيب الأمني، والأساليب الميليشياوية، وصولاً إلى تهديد الناس في أرزاقهم اذا لم يتجاوبوا مع ضغوطهم.‏

ـ رهن لبنان بالمطلق للمشروع والاملاءات الاميركية.‏

ـ اتخاذه موقف الطرف والى جانب العدو الاسرائيلي أثناء عدوان تموز.‏

بعد هذا الغيض من فيض، من هو الانقلابي في لبنان؟ ومن الذي يحاول أخذ لبنان في مسار ومتاهات مشاريع الفوضى الاميركية لتفتيت المنطقة إلى كانتونات مذهبية وطائفية واتنية؟ أليس أمثال جنبلاط الذي ما زال يحدوه طموح الكانتون الدرزي ليحل عقدته كأقلية، وهذا ما أثار عقيرته عندما وجد من اللبنانيين من اشترى أراضي يراها ضرورية لمشروعه، أليس أمثال جعجع الذي ما زال يطمح لإقامة الكانتون المسيحي، في سياق مشروعه الفيدرالي التقسيمي للبنان؟ ولذا أليس من مصلحة هذين الميليشياويين أن لا يبقى لبنان موحداً، ولا الجيش موحداً، ولا علاقت سوية بين القوى الكبرى، والطوائف الكبرى.. الخ.‏

ولذا هذان من عمل ليل ـ نهار لجعل الصراع في لبنان صراعاً مذهبياً وتحديداً بين السنة والشيعة.‏

في مطلق الأحوال، ما حدث في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني/ يناير، هو بمثابة خط فاصل بين مرحلتين لهما ما قبلهما، ولهما ما بعدهما، وبالتأكيد، فإن ما بعدهما آتٍ، ويبقى مضمونه النهائي رهن بمدى الاعتبار والدروس التي سيتعلمها او يستوعبها فريق السلطة اللاشرعي واللادستوري.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد1199 ـ 26/01/2007‏

2007-01-26