ارشيف من : 2005-2008
ميليشيات الحريري وجنبلاط وجعجع وسعيد تستعيد أجواء الحرب
كبير، يوم الثلاثاء الفائت، على مختلف الأراضي اللبنانية، جملة أمور توقّف عندها المراقبون والمتابعون والسفارات الأجنبية والعربية، لما تحمله من دلالات متعدّدة على مستوى الوضع المأزوم الذي أوصلت قوى السلطة البلاد والعباد إليه، بتعنّتها ورفضها لمبدأ الشراكة، وسعيها الحثيث إلى نبش بذور الفتنة كيفما اتفق، واستعادة أجواء الحرب الأهلية المريرة، وذلك لأنّهما الوحيدتان اللتان تبقيانها في الواجهة السياسية، كيف لا وهما رأسمالها الصافي في تشييد "كانتونات" ومقاطعات وإمارات ودويلات ومزارع تقطّع أوصال لبنان إرباً إرباً وتصبّ في مصلحة نشوء "الشرق الأوسط الجديد" وحماية العدوّ الإسرائيلي.
وفي قراءة لما حصل خلال هذا الإضراب، يمكن استخلاص الأمور التالية:
أولاً: زيف ادعاءات قوى السلطة المهيمنة بقوّة حلفائها الغربيين والعرب، بأنّ نفوذها الشعبي والسياسي يطاول كلّ لبنان من أقصاه في الجنوب إلى أقصاه في الشمال والبقاع وبيروت، لأنّ ما فعلته المعارضة أثبت بأنّ الشريحة الكبرى من الشعب تقف إلى جانبها وتساندها وتؤيّد مطالبها المحقّة، وقد ملّت سماع سيمفونيات "السيادة والحرّيّة والاستقلال" التي بقيت مجرّد شعارات واهية وواهمة، وشبعت من موائد الكلام المعسول عن الديموقراطية ورفض الوصايات، فإذا بقيادات هذه السلطة وفي مقدّمتهم "الثلاثي البشع" وليد جنبلاط وسمير جعجع وسعد الدين الحريري، معتادون على تمريغ أنوفهم ورؤوسهم وقلوبهم بحبّ الوصايات وكلّ من يُولّى عليهم ويعطيهم من نتف الحياة ظهورهم السطحي.
ثانياً: لقد سقط القناع عن أنّ قوى السلطة لا تملك السلاح القاتل الذي لطالما هدّدت به من دون أن تظهره بهذه الوحشية النزقة، فإذا بها تستشيط غضباً من نزول أنصار المعارضة إلى الشارع للتعبير عن رأيهم، وتشهر أسلحتها الخفيفة والثقيلة لإرهابهم وترويعهم وتهديدهم بالقتل والموت، ولم تتلكّأ في استخدام الرصاص الحيّ وتفتعل الإشكالات كما حصل في بلدة صوفر حيث تذمّر عناصر ميليشيا "التقدّمي الاشتراكي" و"ديموقراطيو" جنبلاط من امتلاك شبّان المعارضة زمام المبادرة، فواجهوهم بإطلاق النار عليهم ما أدّى إلى إصابة ثلاثة من مناصري الحزب السوري القومي الاجتماعي بجروح، وأحدهم يدعى إياد عبد الخالق، إصابته في الرأس بليغة.
كما عبّر فارس سعيد عن اختصاصه في استئصال كلّ من لا يوافقه الرأي، فترك عيادته الطبّية التي لم تنفعه في السياسة، ونزل مع قبضاياته وعناصره المسلّحة، بكامل معدّاته اللوجستية من سكاكين وسلاح، لأنّه تذمّر من أن يكون الآخر وحيداً في الشارع، وتحرّش بهم وباشر بعملياته الجراحية والانتقامية، ولولا تدخّل الجيش في اللحظة الأخيرة وإطلاقُه النار لتفريق سعيد وزمرته وإبعاد مناصري التيار "الوطني الحرّ"، لتطوّرت الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، خصوصاً إذا ما عرفنا بأنّ سعيد يريد الانتقام من أهالي جبيل لأنّهم وقفوا على حقيقته ونبذوه في الانتخابات النيابية في العام 2005.
أما عناصر ميليشيا "القوّات اللبنانية" فلم يخجلوا من رفع علم سيّدهم الأميركي الذي أخرج لهم قائدهم جعجع من سجنه، وطمس جرائمه العديدة التي نال عليها أحكاماً بالأشغال الشاقة المؤبّدة، من أعلى هيئة قضائية في لبنان وهو المجلس العدلي، فعبّروا عن ولائهم له، واستخرجوا أسلحتهم التي ذاق المسيحيون والمسلمون على حدّ سواء، شرّها وشراراتها، وافتعلوا الإشكالات في غير منطقة ما أعاد إلى الذاكرة فظائعهم في الترهيب، وخنق الأنفاس، وقمع الآخر، لأنّها السلاح الأجدى لاستعادة نفوذهم وسطوتهم.
أما خرّيجو ميليشيا "المستقبل" المعتادون على المال الفاحش، فلم يجدوا غنى عن الاختباء في بيوتهم وشرفات منازلهم وأسطحها، ومواجهة شبّان المعارضة برشقهم بالحجارة من بعيد كما فعلوا في محلّة كورنيش المزرعة، وكان بمقدورهم استعادة ما فعلوه في محلّة قصقص عندما قتلوا أحمد محمود في 3 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2006، ولكنّ الانتشار الكثيف للجيش اللبناني حال دون استخدامهم للسلاح المرخّص والمعطى لهم من وزارة الداخلية منذ عهد المُوَكّل بحقيبتها صاحب الروح الرياضية أحمد فتفت.
أما في الشمال، فنزل "المستقبليون" بأسلحتهم وقنابلهم وهاجموا جيرانهم أهالي جبل بعل محسن العلويين، لأنّ مال الحريري لم يستطع شراء كرامتهم، فأرادوا ترويضهم وترويعهم وأطلقوا النار وأسقطوا عدداً كبيراً من الجرحى وعلى مدى يومين متتاليين.
بالمقابل كان المشهد مختلفاً. لقد كانت قوى السلطة وبإيعاز أميركي، تطالب بنزع سلاح المقاومة الإسلامية وحزب الله الذي أعلن مراراً بأنّ سلاحه موجّه فقط ضدّ العدوّ الإسرائيلي، ولم ولن يستخدمه في حروب "الزواريب الضيّقة" التي اعتاد جنبلاط وجعجع على التكسّب منها. وإذا بمن ينادي بوجوب "اقتلاع" سلاح المقاومة يُظهر سلاحه الميليشياوي الذي يصبّ في مصلحة بقاء "إسرائيل"، كيف لا وجنبلاط اعترف أخيراً بأنّه لا يريد زوالها من الوجود مضحّياً بفلسطين لتبقى إمارته في الشوف.
ثالثاً: من يتحمّل مسؤولية توزيع السلاح العشوائي والترخيص له؟ وهل يفرّق القانون بين السلاح المرخّص والآخر غير المرخّص؟ وهذا السؤال استدعاه ادعاء النيابات العامة الاستئنافية والعسكرية في غير إشكال حصل، حيث أوعزت هذه النيابة إلى القوى الأمنية القائمة بالتحقيق الأولي بتوقيف مطلقي النار من السلاح غير المرخّص إرهاباً، وترك مطلقي النار إرهاباً من سلاح مرخّص، وبمعنى آخر فهي ميّزت بين صفتي هذين السلاحين اللذين يؤدّيان إلى نتيجة واحدة هي القتل والأذية، وفي كلتا الحالين يعاقب القانون عليهما بحسب النتيجة التي أدى إليها استخدام هذا السلاح، سواء أكان شرعياً أو مخالفاً، وقانون العقوبات اللبناني وقانون السلاح، واضحان في هذا المجال ولا يمكن تفسير نصوصهما بغير الوجهة التي وضعت لها في الأصل وهي الاقتصاص من الفاعل مهما كان حجمه والدعم السياسي الذي يلقاه من أيّ طرف سياسي كان.
وفي خطوتها هذه تكون النيابات العامة قد ميّزت بين المواطنين، فأجازت للمأذون له بحمل ترخيص بموجب بطاقة ترخيص، بترهيب الناس، وأطلقت سراحه، فيما أوقفت من لم يسعفه حظّه في امتلاك رخصة تخوّله حمل ما يدافع به عن نفسه.
لقد تسلّمت النيابات العامة 132 شخصاً أوقفتهم الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن، في غير منطقة، اقترفوا جرائم "إطلاق النار وحيازة سلاح ومقاومة رجال الأمن بالشدّة وتنفيذ أعمال شغب"، واتضح بأنّ النسبة الكبرى من هؤلاء الموقوفين ينتمون إلى ميليشيا "القوّات اللبنانية" و"التقدّمي الاشتراكي" و"المستقبل"، وكلّها تعد اللبنانيين بمستقبل زاهر وواعد في ظلّ سطوتها وتفرّدها وتحكّمها بالبلاد، فمتى تزول هذه الغمامة السوداء عن سماء لبنان؟
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1199 ـ 26/01/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018