ارشيف من : 2005-2008
سفينة بوش... في قاع المحيط
العراق، وفتح جبهة حرب جديدة في الصومال، ومزيد من التشدد في الملفين الفلسطيني واللبناني... تلك هي السياسات التي اعتمدها الرئيس بوش في وقت يفترض فيه أن يكون أكثر استعداداً من ذي قبل لاستيعاب الدروس المستفادة من مسلسل الهزائم التي مني بها منذ إعلانه حربه العالمية على ما يسميه بالإرهاب والديكتاتورية ومحور الشر.
تلك السياسات ومثيلاتها هي، بالتأكيد، ما كان يفكر فيه المحلل الأميركي فرانسيس جاكسون حين كتب مؤخراً: "من ينظر إلى التصرفات الأخيرة للرئيس بوش يتأكد من أنه لم يتمعن جيداً في نتائج انتخابات الكونغرس النصفية، وأنه لا يزال يعيش تلك الأجواء التي سادت في العام 2002".
في العام 2002، أي قبل بدء الغزو الأميركي للعراق، كان بوش يبدو متأكداً من أن العراقيين سيستقبلون جنوده بالرياحين، ومن أن احتلال العراق سيكون نقطة البدء في بسط الهيمنة الإمبراطورية الأميركية على المنطقة والعالم.
وبعد أربع سنوات، تراكم ما يكفي من المعطيات الدالة على أن العراق قد تحول إلى عش دبابير ذكّر الأميركيين بأسوأ ما عاشوه في الحرب الفييتنامية.
لكن ذاكرة الرئيس بوش تبدو عصية على الإنعاش، حيث فضل سلوك سبيل العناد واللجاج، وقرر الهروب إلى الأمام عبر رفع عدد الجنود الأميركيين في العراق.
ولم تكد طلائع القوة الأميركية الجديدة تصل إلى العراق حتى سجل في يوم واحد سقوط 27 قتيلاً في صفوف الجنود الأميركيين، بينهم ثلاثة عشر جندياً قتلوا في مروحية أسقطت فوق بغداد. وبعد يومين أسقطت مروحية أخرى، دون أن تعطى أرقام عن عدد القتلى.
وقد جاءت هذه التطورات لتدعم حجة القائلين، داخل الولايات المتحدة، بأن رفع عدد الجنود قد جاء متأخراً عن أوانه، وبأنه يظل عاجزاً عن إحداث الفرق المطلوب. وكانت أصوات أميركية عديدة قد تنبأت بأن إرسال قوات إضافية إلى العراق لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة هي المزيد من الجثث التي ستعاد إلى اميركا داخل أكياس من البلاستيك، والمزيد من العائدين على كراسي المقعدين.
كما هزئ العديد من الخبراء العسكريين الأميركيين بنظرية بوش المسماة "نظّف وابق" التي يعتزم تطبيقها في بغداد بعد أن ثبت نجاحها في تلعفر التي تسكنها جماعات تركمانية ويقل عدد سكانها ثلاث عشرة مرة عن سكان بغداد، معتبرين أن تطبيقها بنجاح يستلزم نشر 150 ألف جندي أميركي في العاصمة العراقية وحدها، وهو أمر مستحيل من الناحية العملية.
وبالطبع، فإن حجم الخسائر البشرية الأميركية، ولا سيما في مجال أعداد الجرحى حيث يسجل سقوط 160 جريحاً لكل قتيل، مقابل أقل من ثلاثة جرحى لكل قتيل في الحرب الفييتنامية، يلقي بثقله أيضاً على كاهل الموازنة الأميركية حيث ارتفعت تكلفة الطبابة خمس مرات عما كانت عليه خلال حرب فييتنام، ما يدعم حجة الكونغرس القائلة بأن من الضروري اعتماد موازنات للصرف على مقعدي الحرب، بدلاً من الانفاق على إرسال قوات إضافية إلى العراق.
وتأتي هذه الصفعات "الميدانية" متزامنة مع صفعات أخرى تلقاها الرئيس بوش هذه المرة عن طريق استطلاعات الرأي.
بعض هذه الاستطلاعات تم إجراؤه في 14 بلداً وبيّن أن صورة أميركا ازدادت سوءاً في العام 2006، مقارنة مع ما كانت عليه في العام 2005، مع هبوط نسبة من وصفوها بالإيجابية من 36 إلى 29 بالمئة.
استطلاع آخر بيّن أن شعبية الرئيس بوش انخفضت إلى نسبة 29 بالمئة، وهي النسبة الأدنى منذ فضائح الرئيس نيكسون في السبعينات، في حين بيّن استطلاع ثالث أن أكثر من 65 بالمئة من الأميركيين يعارضون استراتيجية بوش الجديدة وقراره إرسال جنود إلى العراق.
وقد امتدت المعارضة إلى داخل الحزب الجمهوري مع إعلان أربعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ تراجعهم عن دعم سياسات الرئيس بوش، في حين علق المؤرخ المعروف فرانسيس فوكوياما على ذلك بقوله إن المحافظين الجدد عاجزون عن رؤية الوقائع على صورتها الحقيقية، وإن تحسين صورة أميركا بعد التشوهات التي ألحقتها بها إدارة بوش يحتاج إلى جيل كامل.
وقد استغرب المحلل الأميركي المعروف توماس فريدمان أن يكون 29 بالمئة من الأميركيين ما زالوا يؤيدون سياسات الرئيس بوش، على ما أظهرته آخر استطلاعات الرأي.
وشكك فريدمان بدقة هذا الرقم، معتبراً أن ثقة الأميركيين بنزاهة الإدارة الأميركية وكفاءتها قد تبددت، وأن السبب الرئيسي لذلك هو إعطاء الأولوية من قبل بوش للسياسة والإيديولوجيا على المصالح القومية الأميركية.
وبالمعنى نفسه، أكد كتاب أميركيون آخرون أن الرئيس بوش قاد منذ بداية ولايته أعمال تطهير واسعة النطاق طالت الكثير من الموظفين المعروفين بعدم ولائهم التام للبيت الأبيض، واستبدلهم بموظفين غير أكفاء لا ميزة لهم سوى الارتباطات المصلحية الضيقة أو الولاء السياسي غير المشروط.
وفي الوقت نفسه يؤكد العديد من المراقبين أن الإقالات الأخيرة التي عمد إليها الرئيس بوش وشملت جون بولتون ودونالد رامسفيلد لن تنقذه من ورطته لأن سفينته بكاملها "تنزلق عمودياً نحو قاع المحيط"!
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1199 ـ 26/01/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018