ارشيف من : 2005-2008

عام على «ورقة التفاهم» .. عام على الشراكة الوطنية الحقيقية/ بقلم عضو المكتب السياسي في حزب الله غالب أبو زينب

عام على «ورقة التفاهم» .. عام على الشراكة الوطنية الحقيقية/ بقلم عضو المكتب السياسي في حزب الله غالب أبو زينب

جادة متلاحقة تبدو نسبيًا كثيفة ومرهقة قياسًا للعمر الزمني للورقة، إلا أن هذه المرحلة الجوهرية أدت إلى نتائج يمكن الادعاء بكل ثقة أنها حاسمة وبناءة، لعلنا نتلمس بعضًا من نتائجها الأساسية وفق التالي:‏

1ـ إن هذا التفاهم الذي كان له مفعول السحر في تعديل المزاج العام لطرفين أساسيين من اللبنانيين لم تنفع كل محاولات مرحلة ما بعد الطائف أن تمنحها الاطمئنان أو على الأقل أن تكسر الجدار أمام التلاقي الفعلي بينها، لقد كانت الصورة السائدة نمطية ضبابية تجهد في تصوير الآخر وكأنه لا ينتمي في كل تفاصيله إلى الوطن، وطموحاته مغايرة لطموحات الآخرين، بحيث لا يستقيم معها داخل واحد ولا بناء سيادة واستقلال إضافة إلى إعادة البناء الحديث لأجهزة السلطة القائمة، لقد أتت بنود التفاهم لتكشف برصانة ومسؤولية وبعيدًا عن الإنشائيات السياسية، التزامها مسؤولية الوطن بكل ما يعنيه ذلك من تحمل للأعباء واستعداد للقول الواضح الذي لا لبس فيه في كل الأمور التي كانت مثارًا للتساؤل والجدل، ابتداءً من الشراكة الفعلية بين اللبنانيين مرورًا بشكل العلاقة مع سوريا وصولاً إلى الدفاع عن لبنان في وجه العدو الإسرائيلي، لقد استندت النقاط في التفاهم إلى أرضية صلبة منحتها قوة التأثير في الطرفين، فالصدق والالتزام والسمعة الطيبة ونظافة الممارسة، كلها عوامل ثقة بناءة أطلقت أمام اللبنانيين موجة من التلاقي والتفاعل السريع قد تكون فاقت توقعات الموقعين على التفاهم، لقد اوجد آليات الأمان السياسي والمجتمعي وإبراز أن ما يحتاج إليه اللبنانيون هو الشراكة والندية بالإضافة إلى الثقة وهذا كله قد تم تأمينه من خلال التفاهم، مما أرسى أسساً فعلية للدخول في مرحلة جديدة تسمح بالتقاط الأنفاس والبدء عمليًا بتأسيس دولة المشاركة الحديثة لا دولة المشاركة في المزرعة التي تعمل على أن يستأثر طرف بالسلطة، لتكون الأطراف الأخرى دائرة في فلكه... هذا النموذج القائم يشكل العقدة الأساسية في الأزمة الحالية والتي لا يمكن تجاوزها إلا بالاتكاء على مفهوم الشراكة الكاملة بين اللبنانيين الذي دعا إليه التفاهم.‏

2ـ عزز التفاهم خلال عدوان تموز مفهوم الوحدة اللبنانية بمعناها التضامني الذي حمى الوضع الداخلي ومنعه من الانزلاق فيما كان يصبو إليه العدو من إحداث انشقاقات داخلية تضعف الجبهة الخلفية، وتربك المقاومة اللبنانية في حركة تصديها للعدوان. فالوضوح في الرؤية حول ماهية الدور الدفاعي الذي تمارسه المقاومة في لبنان وما يجب أن تؤول إليه الأمور في استراتيجية دفاعية واضحة يبنيها اللبنانيون، أسقطت أي التباس وتشويش وجعلت للمعركة ضد العدو بعدًا لبنانيًا، أمن من خلال التفاهم، استقرار الوضع الداخلي والمشاركة الفعلية في تقاسم أعباء الاعتداء وذلك بدا جليًا إن من خلال المواقف السياسية التي اتخذها التيار أو من خلال الطاقة القصوى التي عمل بها مع كل المخلصين في استيعاب النازحين من مناطق الجنوب مما أشعر الناس وربما للمرة الأولى بأن المحتضنين والحاضنين هم مجتمع متكامل أوصل إلى النصر الذي تقاسمه الجميع.‏

إن القيمة العملية للموقف الواحد من العدوان جعل البعض الذي كانت تراهن عليه الإدارة الأميركية في تعقيد الأمور محرجًا وفاقدًا لزمام المبادرة ومتوجسًا من إمكانية التحرك أمام ما يراه من موجة عارمة من أكثرية الشعب اللبناني، مما استدعى تأنيب هؤلاء من قبل السيدة رايس. لقد حفظ التفاهم الوطن من أي شرذمة وأسهم في حفظ ظهر المقاومين من المتآمرين عليهم، وضمن الانتصار الذي لم يحتمل البعض أن يروه واقعًا فحاولوا التبخيس به، لكن العدو نفسه خذلهم مجددًا باعترافه بالهزيمة وأظهر أن للسيادة والحرية والاستقلال التي نادى بها التفاهم بعداً حقيقياً بالقول والعمل الفعلي لا بالشعارات.‏

3ـ إن المساحة التي تعاطى فيها التفاهم مع إعادة بناء هيكل الدولة وإخراجه من حالة الفساد والإفساد ومن أنه لا يمكن السير قدمًا في السياسات المتبعة لأنها تعني غرق لبنان وتحوله إلى مصالح متنوعة لبعض الشخصيات على حساب كل اللبنانيين، هذه المساحة والقراءة المشتركة التي تجلت في بنود التفاهم شكلت همًا مركزيًا في دفع الأمور باتجاه محاولات الإصلاح المتتالية عبر الدعوات المختلفة خلال فترة ما قبل العدوان والتي اتخذت طابع الخطاب السياسي والتحرك المطلبي واكتسبت في مرحلة ما بعد العدوان بعدًا عمليًا أملته التطورات السياسية التي جعلت المشاركة أمرًا ضروريًا في إنقاذ البلاد من أوضاعها الاقتصادية والسياسية المزرية، مما جعل عمليًا من التفاهم مرتكزا أساسيًا لنواة معارضة صلبة ترفض إبقاء الأمور على ما هي عليه وتدفع باتجاه تبني البنود الإصلاحية التي تتقاطع معها آراء كل المعارضين.‏

إن رهان البعض على أن البنود الإصلاحية للتفاهم لن ترقى ومعهما المعارضة إلى مرحلة التعاطي العملي وأن كل الآمال كانت معقودة على انعدام عملية التفاعل من خلال الركون إلى توهمات سياسية واجتماعية، سرعان ما تبين أنها خاطئة ولا يمكن البناء عليها، وأن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فالتيار الوطني الحر و«حزب الله» أثبتا من خلال الاحتجاجات المتكررة والحضور مع المعارضة في الاعتصام والتظاهر والإضراب أنهما نجحا في تجاوز كل الضغوط وإسقاط كل الرهانات على النفس القصير، وأصبحا أكثر إدراكًا لأهمية علاقتهما المتينة لمصلحة الوطن ومستقبل أبنائه، وبهذا يكون التفاهم نجح في صياغة مطالب مشتركة تقاسماها مع المعارضة وساهما في تكوين معارضة وطنية تجاوزت بعدها الطائفي والمذهبي إلى الوطني العام.‏

4ـ تفصلنا أيام قليلة عن ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هذا الحدث البالغ الأهمية والذي ما زالت تفاعلاته تتوالى وتترك ظلالها على الوضع اللبناني، أثبتت التطورات أن مقاربة التفاهم للموضوع كانت دقيقة وتصب في مصلحة الوطن (وبالرغم من انزعاج البعض من هذا الموقف ومحاولة حذفه إن في الصحافة أو في الخطاب السياسي) فالدعم الكلي الذي قدمه التفاهم لكل مما شأنه أن يؤدي إلى كشف الحقيقة ويؤدي إلى إدانة القتلة المجرمين الذين قاموا بعملية الاغتيال للشهيد رفيق الحريري الذي كان يرفض أي اقتتال أو توجيه السلاح أو محاصرة المقاومة واستعداده لترك لبنان إذا ما أراد أحد أن يدفع باتجاه هذا الخيار. هذا الشهيد، دعم التفاهم كل الوسائل الممكنة لجلاء حقيقة اغتياله، على أن تكون الخطوات تصب في إطار الكشف الجنائي وعدم السماح بأن تصبح المحكمة أداة سياسية تريد أن تتوسلها الدول الكبرى لتحقيق أهدافها المتنوعة سواء بإدراك من يعنيهم الأمر أو عدمه...‏

إن هذا الموقف المدرك لخلفيات الأمور ودوافعها ما زال هو اليوم الخيار الأسلم للخروج من الدوامة القائمة والتي بدل أن تجعل الإجماع الوطني مدخلاً طبيعيًا للمطالبة بمحكمة دولية تراعي كل الملاحظات اللبنانية، فإنها تسير عكس ذلك تمامًا بما يتناقض ووطنية القضية وشموليتها.‏

5ـ إننا ندرك أهمية ما أنجز التفاهم من فتح المساحات اللبنانية على بعضها، وتأصيل الحالة الوطنية وتظهيرها وطمأنة الأطراف لبعضها، وتثبيتاً لمفاهيم التعاون اللبناني عمليًا، هذه المبادئ على أهميتها وسواها مما لا مجال لذكره الآن، أعطت التفاهم دفعًا كبيرًا انعكس انسجامًا على مستوى الشرائح المختلفة، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل لنقل بنوده من حيز النظرية إلى التطبيق، وتحديدًا في مسألة بناء الدولة بتفاصيلها العملية (وليس بالانقلاب على الطائف كما يحلو للبعض أن يقول) فهي اليوم من المجالات الأساسية التي تحتاج إلى معالجة فعلية، وندرك تمامًا أن ثقة الناس تزيد من عبء المسؤولية في هذا الإطار، لذا فإن التواجد اليوم في الساحات من أجل لبنان الشراكة والديموقراطية الحقيقية والقوة المدافعة عن الوطن، هي أمور تشكل التزامًا لا يمكن الرجوع أو التغاضي عنه تحت أي عنوان من العناوين. إن التفاهم امتحنته الصعوبات فأخرجته أكثر صلابة وتماسكًا وتنسيقاً بين السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون اللذين لم ولن يخذلا اللبنانيين ولا لبنان، كما كانا دائمًا.‏

المصدر: صحيفة "السفير"‏

2007-02-06