ارشيف من : 2005-2008

عرب النقب بين مطرقة التهجير والتوطين القسري وسندان التركيبة القبلية

عرب النقب بين مطرقة التهجير والتوطين القسري وسندان التركيبة القبلية

بادئ ذي بدء لا بُد من الاعتراف أنه وبعد اكثر من نصف قرن من الاحتلال والاحلال “الاسرائيلي” بوجود ازمة وطنية

سياسية فلسطينية عامة عصفت وتعصف بجميع قطاعات الشعب الفلسطيني بمن فيهم فلسطينيو الداخل ومن بينهم عرب النقب (بدو جنوب فلسطين)، وبالتالي وبالرغم من مُحاولة عزل كثير من قطاعات الشعب الفلسطيني عن جوهر القضية الفلسطينية وإدخالها في اطر وتعريفات جغرافية وسياسية تخدم بالمحصلة المشروع الصهيوني، إلا ان هنالك حقيقة تاريخية لا يمكن القفز عنها وهي أثر سياسة الاحتلال والاحلال “الاسرائيلية” في جميع قطاعات الشعب الفلسطيني أينما تواجدوا جغرافيا وديموغرافيا على امتداد فلسطين التاريخية وعلى امتداد المهجر الفلسطيني.‏

إعداد : د. شكري الهزيل‏

لا بد من تثبيت نقطة مركزية ومهمة في استراتيجية السيطرة “الاسرائيلية” على الشعب الفلسطيني ككل وهي تقسيم الشعب الفلسطيني الى حالات ومُسميات تندمج مع الاستراتيجية الصهيونية المبنية على اساس الانفراد بقطاعات الشعب الفلسطيني (تحت مسميات مختلفة: عرب “اسرائيل”، بدو “اسرائيل”، وعرب الضفة والقطاع، واللاجئين في المهجر) من جهة والتعامل مع كل هذه القطاعات وتواجدها الجغرافي وحالتها السياسية من منطلق تطبيق المشروع الصهيوني المبني على الاحلال والاحتلال وتهويد مناطق التواجد الفلسطيني من جهة ثانية، وبالتالي ما جرى ويجري أن “اسرائيل” لم تعترف يوما من الايام بفلسطينيي الداخل كمواطنين لا بل مارست استراتيجية السيطرة والاستيطان على مناطق التواجد الفلسطيني (داخل كيان الدولة “الاسرائيلية”) بنفس الاسلوب الذي تُمارسه في الضفة والقطاع وإن اختلف الأمر نوعا ما في شكل المُصادرة والاحلال والتهويد، ولكن ليس في فحوى الاهداف “الإسرائيلية” الساعية الى فرض التهويد والوجود الصهيوني على طول وعرض فلسطين التاريخية.‏

لم يختلف الامر بالنسبة لعرب النقب (بدو جنوب فلسطين) عن باقي قطاعات الشعب الفلسطيني الذي مازال يُعاني من آثار نكبة عام 1948 حتى يومنا هذا، فقد كان عدد بدو جنوب فلسطين قبل عام 1948 000 66 نسمة ولم يبق منهم في النقب بعد موجات الطرد والتهجير التي مارستها العصابات الصهيونية سوى 11000 نسمة قامت “اسرائيل” ابان الحكم العسكري (1948 حتى 1966) بحصرهم ال 11000 الباقين) في منطقة جغرافية محددة في النقب اطلقت عليها تسمية منطقة السياغ، وهي المنطقة التي قامت “اسرائيل” بتجميع ما تبقى من بدو بداخلها وحالت دون عودتهم الى ارضهم وديارهم الاصلية حتى يومنا هذا.هنا فقط للتذكير ان “اسرائيل” لطالما إدعت ان بدو النقب كانوا بأكثريتهم دوماً بدواً رُحَل ولا يملكون الارض بشكل دائم، ولكن التعريف العلمي والتاريخي يُثبت ان درجة الترحال في بادية النقب وما حولها لم تكن بمعنى الترحال الكامل والبداوة الكاملة (هنالك تعريف لانواع البداوة والترحال في العالم: بدو رُحل بشكل كامل ولا يملكون ارضا مُعينة. وبدو نصف رُحل، وربع رُحل الخ، وقد يطول الحديث حول هذه التعاريف)، بمعنى ان الميزة التي تُميز بدو النقب عن باقي اشكال البداوة في العالم هي الميزة التاريخية والعلمية التي تندرج تحت تسمية سِيمي بداوة وهم الرُبع رُحل من البدو الذين يملكون الارض واماكن سكن ثابتة ولا يتركون ديارهم إلا لمدة قصيرة بهدف الرعي والمراعي ثُم يعودون الى ديارهم الاصلية ويزرعون ارضهم ويحصدونها في موسم الحصاد وبالتالي ظل عرب النقب على مدى قرون ملاكي ارض في النقب واصحاب مساكن وديار ثابتة يعيشون على تربية المواشي وزراعة الارض، في حين كانت من بينهم اقلية تعمل في المدن المجاورة كأيدٍ عاملة، وتشير إحصاءات الانتداب البريطاني إلى أنه في عام 1931 كان 82% من بدو النقب يعيشون على الزراعة وتربية المواشي والنسبة المتبقية عملت كأيادٍ عاملة وفي مهن اخرى.‏

لم تدخر “اسرائيل” جهدا وتترك اسلوبا (بعد عام 1948 وحتى يومنا هذا) إلا ومارسته ضد عرب النقب شأنهم شأن باقي قطاعات الشعب الفلسطيني (الجليل المثلث، المدن الفلسطينية، الضفة والقطاع)، وقد تميزت حُقبة الحكم العسكري التي خضع له عرب النقب باستيلاء “اسرائيل” على مُعظم اراضي وديار عرب النقب من جهة وبتكثيف الاستيطان اليهودي الصهيوني في النقب من جهة ثانية.‏

وقد تكثف هذا الاستيطان من خلال اعلان مناطق شاسعة في النقب كمناطق عسكرية يُحظر على العرب الدخول اليها، وهذه المناطق كانت وما زالت تُوظف للاستيطان اليهودي وفرض الواقع الاستيطاني والديموغرافي الجديد في النقب (كان العرب حتى عام 1948 يُشكلون الاكثرية الساحقة من سكان النقب وخاصة منطقة النقب الشمالي التي كانت تضم مدينة بئر السبع والمضارب البدوية المجاورة). عام 1948 احتلت العصابات الصهيونية مدينة بئر السبع وطردت جميع مواطنيها من العرب وتحولت مدينة بئر السبع العربية اليوم بسبب الاهمال “الاسرائيلي” ومحو الآثار والمعالم العربية القديمة الى اطلال وخراب، وملاهٍ ليلية ومتاحف طالت حتى مسجد المدينة الذي مازال قائما ومُغلقا امام العرب منذ عام 1948. هنا لا بد من التذكير ايضا بحدث ومعلومة تاريخية وهي: انعقاد مؤتمر بلدة الشريعة لعام 1932 في النقب بحضور الحاج امين الحسيني وجمع من مشايخ بدو النقب، وكانت اهم قرارات هذا المؤتمر الدفاع عن ارض النقب، واعتبار كل من يتعامل أو يبيع ارض للانتداب والحركة الصهيونية، خائناً ومهدُور الدم، والنتيجة المباشرة لمؤتمر الشريعة هي أن اقل نسبة أراضٍ بِيعَت (خدعة او قصدا) في فلسطين للحركة الصهيونية قبل عام 1948 كانت في النقب.تُعتبر فترة الحكم العسكري بمثابة المرحلة الاولى في عملية استيلاء “اسرائيل” على اكثرية اراضي عرب النقب وتشريد الاكثرية الساحقة منهم الى دول الجوار وخاصة الاردن، إلا ان “اسرائيل” لم تكتف بترحيل بدو الجنوب والاستيلاء على اراضيهم، بل بدأت منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات ما يمكن تسميته بالمرحلة الثانية من مخطط شامل كامل يهدف الى حصر أكبر عدد من بدو النقب على اقل مساحة جغرافية ممكنة في النقب من جهة والعمل على تشويه الهوية الحضارية والوطنية لعرب النقب من خلال التغريب المُبرمج ومُحاولة خلق هوية مُزيفة للبدو تعتمد التحييد السياسي والاستقطاب ضمن كون بدو النقب ليسوا تابعين للشعب الفلسطيني بل موالين للدولة “الاسرائيلية”، وبالتالي اعتمدت “اسرائيل” على التوطين القسري في استراتيجيتها كركيزة اولى، والحفاظ على التركيبة القبلية في النقب من خلال منح القيادات التقليدية امتيازات خاصة، ومحاولة الحيلولة دون تبلور وعي وقيادة عربية جديدة في النقب كبديل للقيادة القبلية الجاهلة والمُهادنة والمتواطئة في كثير من الاحيان مع سياسة الدولة “الاسرائيلية”.‏

هناك نقطتان مركزيتان تلقيان الضوء بإسهاب على وضع وتطور عرب النقب في ظل مطرقة التهجير والتوطين وسندان التركيبة القبلية:‏

بدأت “اسرائيل” في بداية السبعينات بالتخطيط لتوطين البدو قسريا وحددت لهذا الغرض سبع نقاط ومدن في النقب، وقد قامت “اسرائيل” وعملاؤها المحليون بحملة دعاية وتسويق سياسي بكون التوطين القسري عملا تطويريا وتحضيراً لحياة البدو، بينما الحقيقة هي ان “اسرائيل” ارادت الاستيلاء على ارض كل من دخل الى مشاريع التوطين وهذا ماحدث في حقبة السبعينات والثمانينات التي استغلت فيها “اسرائيل” الجهل العام والتواطؤ المحلي وعدم معرفة الناس بخفايا النوايا “الاسرائيلية”، وبدأت بمشاريع التوطين بعدد من المخدوعين والساذجين من البدو الى داخل نقاط التركيز والتوطين وجعلت منهم عَيِنَة اولى للتوطين والتحضير “الاسرائيلي” وقد اعتمدت “اسرائيل” اسلوب الترهيب والترغيب والخداع في عملية التوطين والتهجير والسؤال المطروح: ما الأساليب التي استعملتها “اسرائيل” في عملية توطين بدو النقب؟ وهذا ما سنُجيب عنه في النقاط التالية:‏

اولا: كان ومازال الاسلوب المركزي ل “اسرائيل” في عملية تهجير وتوطين البدو هو الاستيلاء على الارض وطرد البدو من ديارهم من خلال القوة ومن خلال مصادرة الارض تحت بنود وقوانين “اسرائيلية” اوجدتها خصيصا لهذا الغرض، وعندما لم تُفلح في تحقيق نجاح في بداية التوطين لعدم إقبال عرب النقب على التوطين ورفضهم للمشاريع “الاسرائيلية”، قام شارون (آنذاك وزير الزراعة) في عام 1976 بتأسيس ما يُسمى بالدوريات الخضراء شبه العسكرية. وقد أسندت لهذه الدوريات مُهمة مُلاحقة البدو وإرهابهم وطردهم من اراضيهم من جهة والاستيلاء على مواشي البدو ومصادرتها بحجة الرعاية في اراضي الدولة او دخولها المحميات الطبيعية (المحميات: أراضٍ تابعة لبدو النقب تُعلنها “اسرائيل” بعد مصادرتها كمحميات طبيعية) من جهة ثانية، وبالتالي كان الهدف “الاسرائيلي” من مصادرة الارض والمواشي يهدف الى ضرب وتدمير مقومات الاقتصاد البدوي التقليدي، وتضييق الخناق على البدو حتى يرحَلوا الى مشاريع التوطين “الاسرائيلية”، وبهذا الاسلوب فرضت “اسرائيل” قسريا النواة البشرية لمشروع توطين بدو النقب.‏

وفي نفس هذه الحقبة (1979 1980) قامت “اسرائيل” بطرد عشرة آلاف نسمة من بدو النقب من اراضيهم وديارهم الى داخل نُقاط التوطين القسري التي حددتها لتوطين البدو، وقامت “اسرائيل” في هذه الحقبة فقط بمصادرة 800000 دونم من اراضي البدو ومنعتهم من الدخول اليها او زراعتها. هنا لابد من التذكير ان مساحة النقب تبلغ 13 مليون دونم وقد حاول البدو في النقب تثبيت ملكيتهم بالحد الادنى على مليوني دونم، ولكن “اسرائيل” استمرت بالمصادرة والتوطين ولم يتبق تحت ملكية بدو النقب في الوقت الراهن سوى 230000 دونم تعتبرها “اسرائيل” اراضي دولة ومُتنازع عليها.‏

ثانيا: اعتمدت “اسرائيل” على اسلوب آخر من اساليبها وهو الخديعة والاغراء: كان البدو آنذاك (اواخر الستينات) لا يملكون اي مقومات بنية تحتية او وسائل اتصالات او مراكز شراء، لايوجد كهرباء ولا هواتف ويضطر البدوي آنذاك الى الذهاب الى المستوطنات اليهودية المجاورة او مدينة بئر السبع حتى يُجري مكالمة هاتفية ضرورية او شراء بعض الحاجيات وبالتالي ما جرى ان “اسرائيل” قامت ببناء بدايات مدن ونقاط التوطين القسري مُعتمدة على بناء بيوت وحارات لعائلات صغيرة لا تملك بالاصل ارضا (ليست لها ارض ملك)، وقامت بتزويد وزركشة هذه الحارات بالكهرباء والهواتف العامة وبعض مراكز الشراء لتكون نقطة اجتذاب وإغراء للبدو المحرومين اصلا من اي مقومات البنية التحتية. وفي المقابل أطلقت “اسرائيل” عُملاءها المحليين وسماسرة الارض من بين البدو انفسهم، لبث الرعب والترغيب وإقناع الناس اصحاب الاراضي بضرورة اقتنائهم مكان سكن في مدن التوطين، وإلا سيخسرون الارض والسكن في النقب ناهيك عن ان “اسرائيل” حاولت الوصول من خلال السماسرة الى بعض اصحاب الارض المُهجرين في الاردن ومحاولة خداعهم ببيع ارضهم والتنازل عنها لصالح الدولة ومشاريع التوطين.‏

نجحت “اسرائيل” منذ عام 1970 وحتى يومنا هذا بتوطين أكثر من 80000 بدوي من النقب داخل سبع نقاط توطين قسرية اكبرها مدينة رهط التي يفوق عدد سكانها ال 30000 نسمة وتُعتَبر المشروع الاكبر للتوطين في النقب، ويكتظ فيها الناس في اكثر الاحيان كالسردين، وهذا ما يندرج في مُخطط واستراتيجية “اسرائيل” بحصر عرب النقب على اقل مساحة جغرافية ممكنة والاستيلاء على اراضي العرب وزرعها بالمستوطنات اليهودية بهدف التهويد المكثف للنقب.‏

ثالثا: القرى غير المعترف بها في النقب: يبلغ عدد القرى غير المعترف بها في النقب ال 45 قرية ويقطنها ما يقارب ال 80000 من عرب النقب، وحسب الإحصاءات تبلغ مساحة الارض التي هي بحوزة سكان هذه القرى ما يقارب 180000 دونم، وتفتقر هذه القرى الى الحد الادنى من البنية التحتية، الكهرباء، الهواتف، المجاري، الشوارع، العيادات الصحية والنقص الكبير في المدارس ومياه الشرب، وتعيش اكثرها في حالة القرون الوسطى داخل دولة “اسرائيل” الديمقراطية، وتُعاني من البطالة والفقر بشكل مأساوي، وبالرغم من هذا يصمد سكانها ويتمسكون بالارض ويرفضون الاغراءات “الاسرائيلية” والاساليب “الاسرائيلية” التي تُحاصر هذه القرى اقتصاديا وإنسانيا حتى تُجبر سكانها على الرحيل الى مشاريع التوطين.‏

لم تدخر “اسرائيل” من اساليب وضغوطات على سكان القرى غير المعترف بها، وتختبئ وراء قوانين البناء والترخيص في عملية هدم بيوت عرب سكانها تحت حجة انها غير مُرخصة والحديث يدور هنا عن عشرات الآلاف من بيوت عرب النقب التي اصدرت الحكومة “الاسرائيلية” اوامر هدم بحقها وهدمت بالفعل المئات من هذه البيوت، ومن المفارقات التاريخية ان الحكومة “الاسرائيلية” اصدرت في عام 2004 ما يُسمى بقانون طرد غُزاة الارض في النقب، والمقصود هنا طرد عرب النقب اصحاب الارض الاصليين من خلال هدم البيوت وحرث الزرع وترحيلهُم الى نقاط التوطين القسري. هنا لا بد من التذكير بأن الوعي العام في النقب بدأ يتطور منذ بداية التسعينات من القرن العشرين إدراكا لمخاطر التوطين القسري وتهجير البدو من قُراهم وأرضهم، وهذا ماجعل مهمة “اسرائيل” وعُملائها المحليين اكثر صعوبة، ولكن التحول الكبير بدأ مع تأسيس المجلس الاقليمي للقرى غير المعترف بها في عام ،1997 وهو المجلس الذي تأسس كقيادة سياسية شعبية شابة وميدانية للدفاع عن القرى غير المعترف بها في النقب وكان برنامجة الاساسي يتلخص بهدف رئيسي وهو الدفاع عن القرى وانتزاع الاعتراف بال 45 قرية بدوية في النقب لا تعترف بها “اسرائيل” وضمان الخدمات الاساسية لهذه القرى على موقعها وارضها التاريخية، حيث للمرة الاولى اصبح عرب النقب اكثر تنظيما، وقد فرض المجلس الاقليمي وُجوده على “اسرائيل” وحل مكان القيادات التقليدية اصبح رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، وهذا ما أزعج “اسرائيل” وحلفاءها المحليين من بين عرب النقب.لقد ساهم المجلس الاقليمي من خلال فعالياته السياسية وتوجهه الدائم للمحاكم “الاسرائيلية” والمحافل الدولية بإيقاف نزيف التوطين القسري والحيلولة دون ترحيل الكثيرين الى مشاريع التوطين القسري من جهة ودعم صمود عرب النقب في ما تبقى لهُم من قرى واراض في النقب من جهة ثانية، وبالتالي هذا ما عَطل مشاريع التوطين ومخططات “اسرائيل” الذي رأت في المجلس شوكة في حلق مشاريعها الاحلالية والتوطينية، ولهذا سعت الى تخريب هذا الانجاز (المجلس) من خلال محاولة خلق البدائل القبلية له او محاولة اختراقه من الداخل.انتزع المجلس الاقليمي استعداد حكومة ايهود باراك في عام 2000 بالاعتراف ب 16 قرية عربية من النقب من ضمن ال 45 قرية بشرط موافقة المجلس على اقتلاع باقي القرى وتوطين سكانها في مدن التوطين القسري. وكان جواب المجلس الاقليمي بان الاعتراف ب 16 قرية خطوة على الطريق الصحيح والذي يعني وجوب الاعتراف بكامل القرى ال 45 مما جعل “الاسرائيليين” يهددون بان هنالك بدائل للمجلس الاقليمي تقبل بالحلول “الاسرائيلية”.بعد تسلم شارون رئاسة الحكومة “الاسرائيلية” وتحديدا في عام 2002 أعادت حكومة “اسرائيل” اقتراح الاعتراف ب 16 قرية المشروط، وعندما رفض المجلس هذا الاقتراح، هددت حكومة شارون بفرض هذا لحل من خلال خطة شارون لعام 2003 بتقديم دعوات قضائية وقضائية مُضادة ضد الافراد اصحاب وملاكي الاراضي في القرى العربية في النقب لاجبارهم على التفاوض مع الدولة “الاسرائيلية” كأفراد من جهة وبهدف شق صف المجلس الاقليمي وإضعاف قوته كصف واحد وكتلة تمثل جميع سكان القرى غير المعترف بها.لم يقتصر الأمر على “اسرائيل” لا بل دخلت امريكا في بداية عام 2004 على الخط بقناع ووساطة البروفسور لاري سيسكند من بوسطن (امريكا)، وقد جاء سيسكند للوساطة بعدما اعطى جورج بوش الضمانات لشارون واعتبار النقب كمنطقة احتياط للتطوير بنقل المستوطنين اليهود في حالة الحل مع الفلسطينيين والمقصود الانسحاب المزعوم من غزة، ولكن سيسكند وعندما فشل في مراوغاته وكذبة الوسيط النزيه بين الدولة “الاسرائيلية” وعرب النقب بإقناع المجلس الاقليمي للقرى العربية في النقب بالتنازل عن حقوقهم وارضهم، قام بمشاركة أذرعة واجهزة السلطة “الاسرائيلية” بتوظيف وإعطاء بعض البدو المحسوبين على السلطة “الاسرائيلية” مُهمة الترويج لحل سيسكند و”اسرائيل” والقبول بما هو معروض من حلول تقضي بتنازل سكان القرى غير المعترف بها تنازلا شبه كامل عن حقوقهم وارضهم مُقابل إغراءات مادية امريكية و”إسرائيلية”.. كان الوعي في هذه الحالة سيد الموقف ولم ينجح سيسكند في مُهمته وفشل في إقناع البدو وخداعهم.في هذا السياق لم تتوقف “اسرائيل” وشارون عن الاساليب الصهيونية والاساليب الالتفافية والخداع في شراء والاستيلاء على ارض عرب النقب، وبجانب وساطة سيسكند المزعومة، قام مكتب شارون في نهاية عام 2004 بتجنيد بعض المحامين العرب واليهود وبُمساندة وتورط بعض القيادات التقليدية والسياسية في النقب ومن بينهم أعضاء في حركات سياسية معروفة في اطر إنشاء شركة سمسرة تُدعى “الارض أمنا.. م.ض” مُهمتها شراء ما تبقى من اراضي عرب النقب من خلال خداع وإغراء اصحاب الاراضي ببيع ارضهم والانتقال للعيش في مدن التوطين القسري والمُخصصة لتجميع عرب النقب، والأهم من هذا وذاك هو تدفُق رأس المال الامريكي في دعم شركات السمسرة الامريكية الصهيونية وعلى رأسها الارض أُمنا.م.ض الساعية لخداع عرب النقب وشراء اراضيهم.خُلاصة القول هي ان “اسرائيل” سعت وتسعى الى توطين بدو النقب قسريا والاستيلاء على اراضيهم من جهة وتدمير الاقتصاد البدوي التقليدي من جهة ثانية، وبالتالي حصر بدو النقب في جيتوات عصرية تنقصها كل المقومات الاقتصادية والبنية التحتية كما هو حاصل اليوم في مدن التوطين القسري التي اصبحت وكرا للبطالة والفقر ومُجرد سوق استهلاكي للبضاعة “الاسرائيلية” ومصدر عَمالَة للقرى والمدن اليهودية المجاورة.. تماما هذا ما خطط لهُ “الاسرائيليون” الذين لم يخفوا نواياهم وتصورهُم لدور عرب النقب في الحاضر والمستقبل، ومن المفيد في هذا السياق اقتباس قول مهندس ومخطط لواء الجنوب (مئيرباتس) لعام 1966 من كتاب “ارض النقب”، حيث يُحدد باتس هدف توطين البدو في النقب ودورهم حين يكتب بأنه بموجبه (التوطين) سيصبح البدو في الجنوب، الذين سيقطنون المُجمعات السكنية السبعة، القوة العاملة في الخدمات العامة في المدن خارج مكان سكناهم.لم تختلف السياسة “الاسرائيلية” عن نهج الاستعمار الكلاسيكي والاستيطاني في تعاملها مع عرب النقب، فمن المعروف ان الاستعمار راهن دوما على الجهل والقبلية والعشائرية في الدول المُستعمرة لفرض سيطرته من خلال دعم قيادات قبلية وتقليدية وسياسية مُتنفذة في المجتمعات المُستهدفة ضمن تبادل المصالح بين سلطة الاستعمار والفئات والقيادات المحلية التقليدية والقبلية، وهذا ما ينقلنا الى النقطة الثانية في هذا المقال وهي سندان القبلية في النقب التي حافظت “اسرائيل” على وجودها وغطتها في النقب بهدف فرض سيطرتها الداخلية على المجتمع العربي في النقب من جهة وبهدف تمرير المشاريع “الاسرائيلية” والحيلولة دون نَشأة قيادات واعية في النقب كبديل لشيوخ القبائل والقيادات التقليدية التي عادة ما تكون اكثريتها رجعية ومُهادنة من جهة ثانية.‏

التركيبة القبلية‏

من الملاحظ انه ورغم التغيرات الكثيرة التي طرأت على حياة بدو النقب، إلا ان التركيبة القبلية للمجتمع العربي النقباوي بقيت على حالها، وإن اخذت اشكالاً مُقنَعَة ومُهجنة لشيوخ قبائل يبدون عصريين في المظهر والسكن وقبليين في الفحوى والمسلكية، ونحن في هذا السياق لا بد لنا من التأكيد ان استراتيجية “اسرائيل” السياسية نحو عرب النقب اعتمدت على التوجيه السياسي للعقلية القبلية مع الحفاظ على جوهر هذه العقلية والتركيبة القبلية من جهة والتهجين والتغريب الحضاري والثقاقي والوطني الهادف الى اقتلاع بدو النقب من جذورهم الحضارية ومحيطهم القومي والوطني من جهة ثانية!‏

اولا: هنا من الضرورة اولا ان نلقي نظرة على التركيبة القبلية لعرب النقب قبل الخوض في التوجيه السياسي والتغريب الحضاري التي تُمارسه “اسرائيل” نحو عرب النقب.‏

يوجد في النقب قبائل وفصائل قبلية لها عاداتها ومقوماتها القبلية، حيث ان التركيبة القبلية تأخذ منحى عنصرياً وطبقياً ومقاماً في مفهوم القبيلة، جرى الحفاظ عليه منذ قرون، وبالتالي تتقسم القبائل الى مقامات ودرجات لا تتناسب وتتزاوج إلا فيما بينها ويُحظر للمثال على النساء من قبائل التياها والترابين والقديرات وغيرها من الزواج من قبائل اقل شأنا يُطلق عليها قبائل الحُمران التي تُعد من وجهة نظر القبائل الكبيرة اقل شأنا ومقاما ولا يجُوز مُصاهرتها، وفي كثير من الأحيان تُعد مُجرد خُطبة او طلب يد فتاة من القبائل الفوقية من قبل القبائل التي تُعَد دونية الموقع في التركيبة القبلية إهانة. وفي هذا المجال يوجد تَزمُت وتعبئة قبلية متواصلة بين الاجيال على اساس فوقية هذه القبيلة او الفصيل ودونية تلك القبيلة او العشيرة، وبالتالي بقيت التركبية القبلية في النقب على حالها ولم يتغير شيء سواء على مستوى الفكر او العادات ونظرة الفوقية والدونية التي تصبُغ التركيبة القبلية في النقب ناهيك عن ما يُسمى باللغة البدوية الفلاحين وهُم ذوو الاصول الذين قدموا قديما من الجوار العربي الى النقب ولا يوجد لهم اصول وجذور بدوية، حيث مازال بدو وقبائل النقب ينظرون الى هؤلاء الفلاحين نظرة دونية ويُحظر على النساء من القبائل البدوية الزواج من الفلاحين بينما يحق للرجال فقط من ما يُسمى بالقبائل الفوقية والاسياد الزواج من فصائل الفلاحين والحُمران.‏

بالرغم من التغيير الجاري على حياة بدو النقب وخاصة في مدن التوطين القسري، إلا ان دور وسلطة شيوخ القبائل والعشائر مازال مُهما بالنسبة للمجتمع البدوي في النقب وخاصة في القضايا والمشاكل الاجتماعية وقضايا القَضاء العشائري التي يفصل في النزاعات القبلية وغيرها من الاحداث، والمجتمع البدوي في النقب شأنة شأن مجتمعات عربية وقبلية أخرى يحتكم الى قِيَم وانظمة اجتماعية مثل الثأر وقضايا الشرف وعادات اخرى لا تعترف بالقضاء المدني ومحاكم الدولة. وللمثال وفي بعض الحالات يحكُم القضاء المدني على القاتل مثلا بالمؤبد ولكن هذا لا يُعفيه ويُعفي عائلته من الثأر والقضاء البدوي.‏

من هنا وارتكازا على التركيبة القبلية والنفسية لبدو النقب، دأبت الدولة والاحزاب “الاسرائيلية” على المحافظة على التركيبة القبلية وتَغذيتها ضمن نظرية السيطرة وفرق تَسد للحيلولة دون تبلور فكر ووعي جديد يُهدد بالمعنى السياسي والفكري سيطرة “اسرائيل” على ضبط إيقاع تطور المجتمع البدوي من الناحية السياسية والفكرية بما يتناسب مع مخططاتها، بمعنى أن “اسرائيل” دأبت على خلق شيخ بدوي عصري ومُهجن ومُفصل على مقاس السياسة “الاسرائيلية” وخاصة في مدن التوطين التي تبدُو كمدينة وحياة مدنية، ولكنها في الجوهر تُدار من قبل القبائل التي انتقلت للعيش في هذه المدن وتلقى الدعم والتوجيه السياسي من قبل الاحزاب “الاسرائيلية” التي تسعى من خلال الشيخ المُهَجن للسيطرة على البلديات والمجالس المحلية وتجد العنوان الصحيح في حَشد القبائل ودعمها كأحزاب سياسية بينما هي في الحقيقة تجمُع قبلي يتبادل المصالح مع الدولة “الاسرائيلية”، ويعيث في المجالس والبلديات فسادا قبليا وإداريا وماليا يعكس ذاته على حياة سكان مدن التوطين التي تُعاني من الفقر والبطالة والتخلف القبلي، والمخدرات، والجريمة، والغُربة الحضارية والاجتماعية.‏

ثانيا: ما يتعلق باستراتيجية التهجين والتغريب الحضاري والوطني التي تنتهجها “اسرائيل” نحو عرب النقب، لا بُد من القول إن “اسرائيل” حاولت عبر الدعاية الاعلامية والصهيونية تَصوِير الامر أن بدو النقب موالون للدولة “الاسرائيلية” ويخدمون في الجيش “الاسرائيلي” لا بل ذهبت الى ابعد من هذا بتسميتهُم بدو “اسرائيل”. وكأن بدو النقب لا علاقة لهم بالتاريخ والشعب الفلسطيني ولا علاقة لهم حتى بالجذور العربية. والحقيقة هنا ان كثيراً من العرب صَدقُوا الدعاية الصهيونية بما يتعلق بِانخراط بدو النقب في الجيش “الاسرائيلي”، ولكن حقيقة الحقيقة ان نسبة الضالين والساقطين والمُنخرطين في جيش “اسرائيل” من بين عرب النقب لا تصل الى واحد في المائة.دائما وابدا حاولت “اسرائيل” تمرير سياسة التهجين والترويض من خلال القوى القبلية في النقب التي تستعملها كأداة إجهاض سياسي وفكري تقف في وجه الحركات التقدمية والوطنية في النقب، ولكن مع كل هذا سقطت “اسرائيل” في فَخ ممارساتها العنصرية والقمعية ضد عرب النقب، وحتى إن نجحت هنا اوهناك في تهجين وترويض البعض من البدو في النقب، إلا ان الاكثرية الساحقة من عرب النقب تسير في الاتجاه المعاكس للصهينة والتصهيُن والتهجين.وأخيراً وليس آخراً لا بُد من القول ان “اسرائيل” حاولت ايضا من خلال ترويج مصطلح تطوير وتحضير حياة بدو النقب، خَلق واقع وقيم جديدة مبنية على اساس التغريب والتهجين، بمعنى ان “اسرائيل” ما زالت تُروج أكذوبة بِان كل ماتقوم به من توطين قسري له قيمة حضارية ومادية وفي المقابل تُحاول ترسيخ مفهوم ان كل ما يتعلق بالتاريخ والجذور البدوية والعربية في النقب يعني التخلُف، والهدف الرئيسي من هذه الاستراتيجية “الاسرائيلية” هو ضرب ومحو الهوية الحضارية والقومية لعرب النقب من خلال إحلال هوية “اسرائيلية” مُزيفة تُمجد الحضارة “الاسرائيلية” وتحُط من قدر الحضارة والتاريخ العربي في النقب.‏

* باحث علم اجتماع ورئيس تحرير موقع ديار النقب‏

المصدر: صحيفة الخليج الامارتية‏

2007-02-02