ارشيف من : 2005-2008
الخروقات الأميركية للسيادة اللبنانية تضع حكومة السنيورة تحت قوس المساءلة:ماذا لو استطاع بوش تنفيذ تهديداته باغتيال كوادر من حزب الله؟
أميركا وحدها. وما هو على المحك ليس حرية أميركا وحسب.. هذه معركة العالم. هذه معركة الحضارة.. إن العالم المتحضر ينضم الى جانب أميركا. والعالم يدرك أن مرور هذا الإرهاب دون عقاب يعني أن دور مدنه ومواطنيه قد يأتي تالياً. ان الإرهاب الذي لا يجابه لن يهدم الأبنية فحسب، بل يمكنه أن يهدد استقرار الحكومات المشروعة. لكن لن نسمح له بذلك.. الحرية والخوف، والعدالة والظلم، كانوا دائماً في صراع، ونحن نعرف أن الله لا يقف محايداً بين الجهتين".
هذا الخطاب الذي توجه به الرئيس الأميركي جورج بوش بعد أحداث 11 أيلول 2001 شكّل عنواناً لمعاودة التدخل الأميركي المباشر في العالم، ومنطقة الشرق الأوسط بالتحديد، ونشر "الديمقراطورية الأميركية"، انطلاقاً من الحرب على أفغانستان مروراً بغزو العراق إلى حصار إيران وتهديد سوريا وتفتيت الشارع الفلسطيني وصولاً إلى الهيمنة على القرار السياسي في لبنان.
فشلت سياسة بوش، حيث غاصت أكثر في المستنقع العراقي، ولم تستطع عزل إيران وحصار سوريا، ولما تستقر الأمور لها في فلسطين، أما في لبنان فبدأت تداعيات زلزال تموز تنعكس على الداخل الإسرائيلي، وتعاظم دور حزب الله وتأثيره في لبنان والمنطقة. وقبل أن يرمي وكلاء أميركا قفازاتهم، استنُفرت الادارة الأميركية من رأس الهرم إلى أصغر موظف فيها تلافياً للسقوط الكبير.
ووجد بوش نفسه في مواجهة حزب الله بشكل مباشر، دون أن يحيد عن استراتيجيته المبدئية في استهداف إيران وسوريا، وأصدر بتاريخ 28/1/2007 بياناً رسمياً خاصاً بلبنان قال فيه: "أولئك الذين يبحثون عن حل سلمي ودستوري لأزمة لبنان يستحقون دعم المجتمع الدولي، لكن يجب محاسبة أولئك المسؤولين عن إحداث الفوضى. بينما يحاول اصدقاء لبنان مساعدة حكومة لبنان على بناء دولة حرة مزدهرة وذات سيادة، فإن سوريا وايران وحزب الله يعملون على زعزعة استقرار المجتمع اللبناني.. انهم يثيرون العنف من اجل منع انشاء المحكمة الخاصة رداً على اغتيال رئيس الحكومة السابق الحريري، ومنع تطبيق قرار مجلس الامن الدولي الداعي الى نزع سلاح حزب الله، وإسقاط حكومة لبنان المنتخبة ديموقراطياً، في انتهاك لدستورها".
إذاً اختار بوش عنوانين كبيرين هما باريس – 3 والمحكمة الدولية لشن حملته، على أن العنصر الأخطر في هذا التدخل تمثل في إجراءين اقدمت إدارة بوش على اتخاذهما، وهما:
1- تخصيص مبلغ مئة وخمسين مليون دولار لصرفها على تنفيذ خطط ومشاريع تهدف إلى منع سقوط حكومة السنيورة.
2- إعطاء الأمر لأجهزة الاستخبارات الأميركية بالتحضير لعمليات تستهدف أفراداً ومجموعات من حزب الله، بذريعة تهديد الأمن القومي الأميركي.
وأسبغ بوش على هذين الاجراءين غطاءً رسمياً من خلال المواقف التي أوردها في خطابه السنوي الذي ألقاه بوش في 23/1/2007 أمام الكونغرس عن "حال الاتحاد" والذي استخدم فيه للمرة الأولى تعبير "المتطرفين الشيعة المصممين على السيطرة على الشرق الأوسط.. من أمثال حزب الله الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد القاعدة من حيث إزهاق أرواح الأميركيين".
ولم يفت بوش إعطاء جرعة إضافية ـ كما اعتاد ومسؤولي إدارته منذ أن تولى السنيورة رئاسة الحكومة ـ للفريق السلطوي اللاشرعي بالقول: "إن مشهد المواطنين اللبنانيين وهم يخرجون المحتلين السوريين ويرفعون لافتات ثورة الأرز، ويختارون زعماءهم الجدد من خلال انتخابات حرة أيقظت رد الفعل البشع للعدو لجهة اغتيال أحد كبار المشاركين في ثورة الأرز الوزير بيار الجميل.. "إن إرهابيي حزب الله بدعم من سوريا وإيران ينثرون بذور النزاع في المنطقة ويسعون لتقويض حكومة لبنان المنتخبة بأسلوب قانوني".
إن هذا التهديد الأميركي السافر باستهداف لبنانيين سابقة خطيرة، ليس فقط في الأداء الأميركي، بل قد يتكرس كسابقة في الأداء اللبناني إذا ما بقي دون رد من قبل من يعتبرون أنفسهم معنيين بالقرار اللبناني الرسمي، وهو ما أشار إليه الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه في الليلة الأخيرة من المجالس العاشورائية، فقد أصبح حزب الله بأفراده وكوادره مستهدفين بقرار رسمي أميركي ومعرضين للاغتيال في أي لحظة، وهو ما يتحمّل الفريق الحاكم، الذي يتسلّح بمواقف واشنطن الداعمة له، المسؤولية والعواقب التي قد تترتب على هذا الاستهداف.
هناك كم هائل من الشواهد على الخروقات الاميركية لسيادة لبنان، تحتاج إلى موقف أو رد من قبل الفريق المتسلط، وهي تشكل إدانة بحد ذاتها لهذا الفريق، ويكفي أن نذكّر بالضغط الأميركي لعدم إيقاف الحرب الإسرائيلية التدميرية على لبنان خلال تموز 2006 وإجبار مجلس الأمن على إعطاء فرصة إضافية للاحتلال أملاً بحسم الحرب التي انتهت إلى هزيمة "إسرائيل"، وهي ما زالت حتى الآن تغطي الخروقات الاسرائيلية المستمرة للسيادة اللبنانية. ويكفي أن نذكّر بأن الاستخبارات الأميركية كانت أجرت تحقيقاً مع موقوفين لبنانيين على أرض لبنانية بذريعة ضلوعهم بعمليات تفجير، دون أن نتبين نتائج هذا التحقيق.
وماذا عن الفرق الأمنية، التي كانت أو لا تزال، تتخذ من حرم مطار بيروت مركزاً لها، وتتدخل في مجريات عمل الأجهزة الرسمية اللبنانية، وتصول وتجول في المناطق اللبنانية بمواكب أمنية مسلّحة، وصلت إلى الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة؟
وماذا عن كواتم الصوت الأميركية التي ضبطها الأمن العام خلال محاولة تهريبها من المطار إلى السفارة الأميركية، وبعد فترة وجيزة رأينا الوزير بيار الجميل يتعرض للاغتيال في عملية أمنية مدروسة وتستخدم فيها كواتم صوت؟
وماذا عن تدخلات السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان في إدارة قرار فريق السلطة، وجولاته على أقطاب 14 شباط، وتحريض اللبنانيين بعضهم على بعض بدون حسيب ولا رقيب، فضلاً عن إطلاق التصريحات التي كان أخطرها اعتباره حزبا لبنانيا ممثلا في المجلس النيابي، هو حزب الله، بأنه إرهابي دون أن تقدّم حكومة السنيورة ولو اعتراضا بسيطا أو تعليقا على تصرفاته وتصريحاته؟
وكيف تبرر سلطة السنيورة مطالبة هذا السفير بتخصيص شركة كهرباء لبنان؟
هذا من جهة، أما من جهة ثانية فقد تكفلت مهندسة السياسة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بتسويق الاندفاعة البوشية الجديدة بتحذيرها سوريا وإيران بضرورة وقف دعمهما "المتطرفين العنيفين الذين يدمّرون تطلعات الأبرياء اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين".
وكانت رايس واضحة تماماً في شرح سياسة إدارتها في جولتها الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، حين قالت: "الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها ومصالح أصدقائها في هذه المنطقة الحيوية.. اني أشعر بقوة أن هذه الدول (مصر والسعودية والكويت ودول مجلس التعاون الخليجي) تشكل جزءاً من اصطفاف يدرك معنى وجود قوى متطرفة يجب كبحها..".
طالما برر بوش استعانته بحلفاء مصنفين "ديكتاتوريين" أميركياً لتنفيذ سياساته الخارجية، بقول الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون: "قد يكونون أوغاداً، لكنهم أوغادنا نحن"، وهو يعتبر أن "السياسة الواقعية تقضي بأن التعامل مع النظام الديكتاتوري أفضل من انتظار ترسيخ الديمقراطية فيه". وطالما ردد بوش أن "الديمقراطية ليست اختراعاً أميركياً وإنما منحة من الرب للناس"..
حمى الله العالم من ديمقراطية أميركا، وحمى الله لبنان من أوغاد بوش.
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1200 ـ 2/2/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018