ارشيف من : 2005-2008
«رسالة السنيورة» داست على الخط الأحمر و«قدم» رئيس المجلس
بآخر على نمط المواجهة مع المعارضة بعد مضي أكثر من شهرين على بدء تحركها في الشارع، إلا أن هذا الفريق يجب ان يدرك ان «المنازلة المباشرة» مع الرئيس نبيه بري لن تشبه غيرها، كما يقول العارفون جيداً بـ«الأستاذ».
ليس خافياً أن رئيس مجلس النواب حاول طيلة الفترة الماضية الحفاظ على خصوصيته داخل جسم المعارضة، تاركاً لنفسه هامشاً من الحركة والتمايز جاء نتاج التوازن الدقيق الذي صاغه بين رئاسته للسلطة التشريعية وقيادته لحركة «أمل»، وهو أمر جرّ عليه العتب والملامة أحيانا من بعض أقطاب المعارضة الذين كانوا يتوقعون منه، في محطات معينة، مواقف أكثر حسماً وحدة مما كانت تبدو عليه.
ولكن «سياسة الاحتواء» التي ظل بري حريصاً على ممارستها حتى الأمس القريب لم تحل دون ان تصل «موسى» الأكثرية الحاكمة الى ذقنه، فكان ذلك كافياً كي يستشيط رئيس المجلس غضباً وينتفض على صمته وصبره، بعدما كتم غيظه طويلاً.
ببساطة، يقول العارفون إن قوى الموالاة استثارت «وكراً للدبابير» وغامرت في خوض مواجهة غير متكافئة مع «لاعب محترف» يعرف أعضاء فريق 14آذار فرداً فرداً، بكبارهم وصغارهم، ويحفظ عن ظهر قلب ملفاتهم وقصصهم، لا بل إن بعضهم كبر بين يديه. وما فعله بري حتى الآن في رده على الرئيس فؤاد السنيورة والنائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري ليس ـ حسب عارفيه ـ سوى مجرد «تحمية» قياساً الى ما سيأتي، في حال قرر فريق السلطة الاستمرار في «المبارزة».
يشعر رئيس المجلس، هذه المرة، أن قوى الموالاة داست على أصابع قدمه مباشرة سعياً الى إزاحته من طريقها، غير السالكة بعد، نحو المؤسسة التشريعية التي يراد تطويعها بأي ثمن. وليست رسالة الرئيس فؤاد السنيورة إلى الأمين العام للأمم المتحدة التي يتهم فيها بري بتعطيل دور المجلس النيابي في إقرار مشروع المحكمة الدولية، محرضاً المنظمة الدولية عليه، سوى الدليل القاطع على «الانقلاب» الذي كان يجري التحضير له من أجل الإطاحة بآخر صمامات الأمان الدستورية، تحت دخان البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، مع ما يعنيه ذلك من فتح أبواب البلد ونوافذه أمام رياح «الانتداب الدولي»، وفقاً لقراءة المطلعين على هواجس بري.
سبق ذلك، مسعى النائب سعد الحريري لدى موسكو خلال زيارته الأخيرة إليها من أجل إقناعها بتسهيل إقرار مشروع المحكمة تحت «البند السابع»، إذا استمرت الطرق الدستورية في لبنان مقفلة، الأمر الذي لم يلق ـ كما يبدو ـ تجاوباً من القيادة الروسية التي شددت على وجوب احترام الأصول اللبنانية المعتمدة، مؤكدة انه من غير الوارد لديها القبول بخيار آخر ولو استدعى ذلك منها استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن. وينطلق الموقف الروسي في هذه المقاربة من قناعة بأن الواقع السائد حالياً في لبنان لا يعبر عن عجز في المؤسسات وإنما عن انقسام في الآراء، واستخدام «البند السابع» من شأنه ان يزيد حدة الانقسام.
وعلى «ذمة» إحدى شخصيات المعارضة، فإن الفريق الحاكم حاول أن «يغوي» روسيا ببعض المشاريع الاقتصادية في لبنان، وحتى في العراق عبر شركات تملكها شخصيات نافذة في «الاكثرية»، وذلك في إطار العمل الهادف الى «تليين» الموقف الروسي من مسألة المحكمة.
ولئن كانت «الأكثرية» ستركز في شباط الحالي على التهويل بـ«البند السابع» لتمرير مشروع المحكمة الدولية، وفقاً لتوقعات تلك الشخصية، فإن «مؤونتها» لآذار المقبل جاهزة منذ الآن وتتمثل في التركيز أكثر فأكثر على إمكانية الدعوة الى عقد جلسة نيابية عامة برئاسة نائب الرئيس فريد مكاري في حال إمتنع الرئيس نبيه بري عن الدعوة إليها مع بدء الدورة العادية للمجلس في منتصف آذار المقبل، وهذا ما بدأ النائب سعد الحريري يمهد له من خلال تصويبه مؤخراً في اتجاه بري سائلاً إياه متى سيفرج عن مجلس النواب.
ويلفت بعض مؤيدي بري الانتباه إلى أن من بين مخاطر رسالة السنيورة الى مجلس الأمن أنها تضمر نوعاً من «الابتزاز» له عبر إيحائها بأن رئيس المجلس يعطل سير العدالة في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويعرقل كشف القتلة ومحاكمتهم، في ما يشبه الاستحضار لشبح «مستر إكس» الذي كان قد تكلم عنه المحقق الدولي السابق ديتليف ميليس في أحد تقاريره، وهذا يفتح الباب أمام الافتراض ـ استكمالا للسيناريو ذاته ـ أن المحكمة ربما تطلب بعد تشكيلها الاستماع الى بري حول أسباب محاولته عرقلة عمل العدالة.
ويحذر هؤلاء من تداعيات الإصرار على تدويل كل مجالات الدولة بدءاً من القضاء مروراً بالامن والاقتصاد وصولاً الآن الى المؤسسات الدستورية، وحسب المعلومات المتوافرة بحوزة معارضي هذا المسار التدويلي فإن من بين الاحتمالات التي تتداول بها قوى الموالاة، لمواجهة «خطر» عدم التوافق على الاستحقاق الرئاسي وبالتالي فقدان النصاب الدستوري، أن يدعو مجلس الأمن الى عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، تحت إشراف الامم المتحدة، استناداً الى المادة الاولى من القرار 1559 التي تنص على وجوب انتخاب رئيس جديد من دون أي تدخلات خارجية... والباقي في هذه الحال ربما سيكون من الصعب تقديره.
المصدر:صحيفة السفير اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018