ارشيف من : 2005-2008
بعد أن أطلقت ميليشيا السلطة النار على ديموقراطية المعارضة:أية تطورات تنتظر الوضع الداخلي؟
السلطة في الخميس المصادف (25 - 1 - 2007) ارتسم مشهد كامل للأزمة اللبنانية، من شأن خلاصة توازناته العامة التي سيستقر عليها، أن تحدد إمكانيات نجاح أي جهد تسووي من عدمه، وأن تحدد، بالتالي، أفق الأمور ومجرياتها اللاحقة، ولا سيما وأن هناك من يريد ضبط الحراك الداخلي على إيقاع حراك الملفات الرئيسية التي تحكم مصير المنطقة ومستقبلها.
في هذا الإطار، فإن السؤال الذي يلح على الجميع هو ماذا ما بعد يومي الثلاثاء والخميس؟ الإجابة عن هذا السؤال تمر إلزاماً بالإجابة عن أربعة أسئلة مركزية:
الأول: كيف قرأ فريق السلطة اضراب يوم الثلاثاء؟ وما هي النتائج التي خلص اليها؟
الثاني: ماذا أراد فريق السلطة من هذا النزول الميليشياوي الدموي إلى الأرض؟ وماذا يتوقع من هذا النزول؟
الثالث: كيف قرأت المعارضة رسالة فريق السلطة؟ وكيف قررت التعامل معها؟
الرابع: ما هي التوازنات التي رسا عليها المشهد الداخلي؟
أولاً: قراءة فريق السلطة ليوم الإضراب:
إن مجرد عودة سريعة الى وسائل إعلام فريق السلطة، والى جملة المواقف التي أطلقها أركان هذا الفريق، وصولاً الى زج بعض المواقع الدينية في حملة ردود أفعاله هذه، تقود الى خلاصة رئيسية هي ان فريق السلطة هاله نجاح المعارضة في تمرير اضرابها المعلن ليوم واحد، ليشمل لبنان بأسره، ما خلا خروقات صغيرة هنا وهناك لا تؤثر على مجمل الصورة التي أرادت المعارضة تثبيتها، وعلى الرسالة التي أرادت بعثها، والتي جوهرها توكيد القدرة على إثبات أنها كل لبنان، وعلى شل البلاد، وتحويل فريق السلطة الى مجرد جثة ميتة سياسياً تنتظر دفنها.
والذي هال هذا الفريق أكثر هو اكتشافه لحجم تراجعه حتى في المناطق المحسوبة عليه، وعجزه عن إنتاج تحرك مضاد ولو في الحد الأدنى.
فالمعارضة بدت صاحبة اليد الطولى، والماسكة لزمام المبادرة والأمور، وأن بإمكانها الذهاب الى الحسم، وتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء، لو أرادت ذلك.
ولعل أكثر ما أقلق هذا الفريق هو رؤيته لخطوطه الدفاعية تنهار بما فيها خط الفتنة بين السنة والشيعة، وكذلك قلقه الكبير من هذه القدرة لدى الرأي العام المسيحي الذي يمثله التيار الوطني الحر من تخطي أيضاً الكثير من خصوصياته للاندماج في فاعلية لافتة في اليوم الاضرابي الطويل.
كل ما تقدم لم يخفف منه محاولات تشويه هذا اليوم الاضرابي الطويل من خلال الاعتراض بالعنف عليه.
ثانياً: أهداف يوم القنص:
اذاً، بالنسبة لفريق السلطة بدا أن توازن القوة الداخلي اختل نهائياً لمصلحة المعارضة، فكان عليه ان يتحرك بسرعة لا لإعادة توازن القوة، وذلك ادراكاً منه، ان مثل هكذا هدف يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً على الأقل في المدى المنظور، وانما لإعادة انتاج نوع من توازن الرعب يتيح له بناء خطوط الدفاع عن استمراره من جديد، ولا سبيل الى ذلك إلا لعبة الفتنة وعلى خطين متكاملين: خط الفتنة المسيحية ـ المسيحية، وهنا يأتي دور سمير جعجع تحديداً، وخط الفتنة السنية ـ الشيعية، وهنا يأتي دور وليد جنبلاط ومن يسمع له.
مسيحياً يراد انهاك التيار الوطني، ومحاصرة الساحة المسيحية بالخوف، ما يدفع الى تحييده مستقبلاً في أي خطوة تصعيدية جديدة للمعارضة، ولا سيما ان الذاكرة المسيحية تساعد على ذلك، فهي مثقلة بتاريخ من التقاتل الدموي المسيحي ـ المسيحي.
اسلامياً يراد محاصرة القوى الشعبية عموماً بواسطة أكثر ما يشكل حساسية لديهم وهو مسألة الفتنة، فهذه القوى الأحرص على نبذ الفتنة ورفضها لاعتبارات دينية شرعية، ولاعتبارات اخلاقية، ولاعتبارات سياسية لأنها تدرك أن هكذا فتنة هي مطلب اميركي ـ اسرائيلي بامتياز، وانها الرد الوحيد على هزيمة التحالف الاميركي ـ الاسرائيلي في عدوان تموز.
وأكثر من ذلك، حاول تحالف الفتنة جعجع ـ جنبلاط تحديداً، أن يستفيد من حرص المعارضة على عدم مجاراته في لعبته ليدفع بالأمور قدماً الى الأمام، أي باتجاه الضغط لانتزاع ورقة المعارضة الاستراتيجية وهي ورقة وجودها في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، حتى لو اقتضى ذلك اغراق الساحتين بالدماء، ولا نغالي اذا قلنا هنا، ان هاتين الساحتين باتتا اليوم تشكلان المؤثر الأبرز على توازنات القوة، ذلك أن من يمسك بهما هو الأقدر على الاحتفاظ بزمام المبادرة، والانتقال بها الى الأمام.
وما يدفع فريق السلطة الى الاندفاع في لعبة الفتنة، وفي مسعى استرجاع في الحد الأدنى ساحة الشهداء، هو جملة الاستحقاقات ـ التعهدات التي ربط بها دوره كتابع لواشنطن: تمرير المحكمة الدولية كما تريدها واشنطن، تمرير نتائج مؤتمر باريس 3 بالتزاماته المضمرة والمعلنة، تمرير استحقاق مناسبة الاحتفال بذكرى المغدور به الرئيس رفيق الحريري.
ثالثاً: قراءة المعارضة لرسالة فريق السلطة:
أدركت المعارضة سريعاً ـ وهو ما كان في حساباتها وتوقعاتها ـ أن فريق السلطة يلعب أوراقه الأخيرة، أي ورقة الفتنة، وأنه يحاول حرفها عن مسارها، وأهدافها، وبالتالي خلط الأوراق والمعادلات، بحيث لا تأتي الخطوة الثانية لها سريعة وحاسمة.
وهنا باتت المعارضة أمام مهمة معقدة لاعتبارات دينية وطنية وانسانية واخلاقية وسياسية، أمام مهمة التوفيق بين أهدافها من جهة، ومنع الفتنة من جهة أخرى، والمعادلة الأفضل هي اظهار التصميم والثبات وعدم التراجع، وفي نفس الوقت الدفع باتجاه اتخاذ كل ما يلزم من مواقف واجراءات وتحميل كل طرف مسؤوليته كاملة في هذا الاتجاه أو ذاك، واعادة رسم الخطوط الحمراء أمام تحالف الفتنة بما يوقف اندفاعته فيها.
رابعاً: خلاصة المشهد:
يمكن القول، وبموضوعية، ان تحالف فريق الفتنة نجح تكتيكياً في اصطناع مشكلة حساسة للمعارضة لا يمكن إلا أن نتعامل معها بمنتهى الجدية، إلا أن هذا لا يعني أبداً أن هذا التحالف تمكن أو سيتمكن من وقف اندفاعة المعارضة طويلاً، وذلك لاعتبارات كثيرة أبرزها:
ـ ان توازنات القوة ما زالت لمصلحة المعارضة الى حد كبير.
ـ ان استخدام لعبة توازن الرعب لعبة ذات حدين، فبقدر ما قد تؤثر على المعارضة، فإنها تؤثر أيضاً على فريق السلطة، ولا سيما أن في يد المعارضة الكثير من الأوراق التي تجعل هذا التوازن يميل لمصلحتها أيضاً، في ما لو أرادت أن تجاري هذا الفريق في لعبته.
ـ ان فريق السلطة ما زال في وضعية المحاصر والعاجز والمشلول، في حين تبدو المعارضة هي السلطة بوجهها الاجتماعي ـ السياسي.
ـ ان فريق السلطة سقط يوم الثلاثاء في شر أعماله وانفضح كفريق ميليشياوي ـ دموي، لا كفريق يعمل بالفعل من أجل بناء دولة.
- إن رهانات هذا الفريق الاقليمية والدولية ليست في أحسن حال.
ـ ان كل ما يزود به هذا الفريق من أوراق لتعينه على الاستمرار تقف في النهاية على أبواب صمود المعارضة وإمساكها بزمام الأمور.
خامساً: ماذا بعد؟
من الواضح، أنه ليس أمام فريق السلطة الا التعامل جدياً مع طروحات التسوية، ومع سياسة اليد الممدودة التي ما فتئت المعارضة تمارسها معه، وإلا فإن الاستمرار بسياسة الغطرسة والتعنت والعناد، لن تكسر الا رأس هذا الفريق في النهاية.
من هنا، فإن الأسابيع المقبلة ستكون محل مخاض معقد وصعب، فإما ان نخرج بتسويات حقيقية، وإما ان تندفع الأمور نحو الحسم.
ولا شك، أنه في هذا المناخ الملبد والمشوش تأتي مسؤولية المساعي الإقليمية تحديداً لإيجاد حلول، حيث أن سياسة شراء الوقت والتجميد لم تعد تفيد، ولم تعد مقبولة من أحد.
الانتقاد/ العدد1200 ـ 2/2/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018