ارشيف من : 2005-2008

أميركا: تصاعد الاعتراض الداخلي على الحرب

أميركا: تصاعد الاعتراض الداخلي على الحرب

الانسحاب من العراق يعرّض مكانة أميركا في العالم للخطر.‏

إقرار واضح بأن الهدف هو المحافظة على ماء الوجه وتجنب الهزيمة. لكن ذلك ليس رأي الكثير من الأميركيين، وليس خصوصاً رأي أولئك الجنود الأميركيين الذين قاتلوا في العراق وشاركوا في التظاهرات الأخيرة التي عمت المدن الأميركية لتحتج على استمرار الحرب ولتطالب بسحب الجيش الأميركي من العراق. فتصريحات أولئك الجنود، وهم على كل حال أكثر خبرة بما يجري فعلاً، أكدت بوضوح أن الهزيمة قد وقعت، وأن سياسة المكابرة والهروب إلى الأمام التي يمارسها الرئيس بوش لن تفعل غير تعميق الهزيمة الأميركية وجعلها أكثر مرارة. وذلك الرأي هو بطبيعة الحال رأي عشرات المنظمات الأميركية التي دعت إلى تظاهرات الاحتجاج التي انطلقت في المدن الأميركية منذ السبت الماضي وتواصلت طيلة الأسبوع الحالي.‏

تظاهرة واشنطن جمعت أكثر من نصف مليون شخص، أي أكثر من ضعف العدد الذي جمعته في المدينة نفسها تظاهرة الاحتجاج التي جرت في أيلول/ سبتمبر 2005، ما يدل على تصاعد سريع في حركة الرفض.‏

مراقبون عديدون اعتبروا، على هامش المقارنات بين هذه الحركة وحركة الرفض الضخمة التي ووجهت بها الحرب الفييتنامية، أن الحركة الحالية تسير في اتجاه مماثل. لكن الممثلة جين فوندا التي اشتهرت بمشاركتها الفعالة في إدانة الحرب الأميركية على فييتنام، اعتبرت أن الفرق الأساسي بين حركة الاحتجاج على الحرب الفييتنامية وحركة الاحتجاج على الحرب العراقية هو انها لم تنطلق، في الحالة الأولى، إلا بعد ست سنوات على بداية الحرب، بينما انطلقت، في الحالة الثانية، بعد ثلاث سنوات على بدايتها.‏

هوليوديون آخرون من أمثال سين بين، تيم روبينز، سوزان ساراندون اعتبروا أن الصمت على ما يجري لم يعد خياراً، وهددوا بعدم دعم المرشحين الذين لا يعملون على دفع مجلس الشيوخ إلى اتخاذ قرارات ملزمة تتناسب مع العدد المرتفع من القتلى في صفوف الجنود الأميركيين. وهذا التهديد، شأنه شأن مجمل التحرك الذي يقوم به السينمائيون وغيرهم من الفنانين، يرتدي أهمية خاصة لأنه يأتي متزامنا مع إطلاق المرحلة الأولية من حملة الانتخابات الرئاسية حيث يهرع المرشحون إلى هوليود بحثاً عن الدعم والتمويل بالنظر إلى ما يتمتع به السينمائيون من تأثير كبير على الرأي العام. كما أنه يرتدي أهمية خاصة في ظل توجه الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون إلى اتخاذ قرارات غير ملزمة في موضوع تخصيص اعتمادات مالية للعدد الإضافي من الجنود الذين قرر الرئيس بوش إرسالهم إلى العراق اعتباراً من العاشر من كانون الثاني/ يناير المنصرم، وأيضاً في ظل انقسام قيادات الديمقراطيين وتخوف هذه القيادات من مفاقمة الخطر على الجنود في حال قطع الإمدادات المالية عنهم. ويبدو أن هذا التوجه يأتي مسايراً لموقف البيت الأبيض الذي هاجم المعترضين على استراتيجية بوش الجديدة معتبراً أن من شأن الاعتراض أن يؤثر سلباً على أداء الجنود في العراق ومعنوياتهم.‏

وفي هذا الإطار، كانت هيلاري كلينتون، أبرز المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، قد اتهمت بوش بأنه يريد أن يترك لخليفته البحث عن مخرج للصراع قي العراق، ووصفت ذلك بأنه "قمة اللامسؤولية"، مؤكدة أن قرار الحرب كان خاطئاً، وأن استراتيجية الحرب قد أعدت بشكل سيئ ونفذت بعدم كفاءة، قبل أن تخلص إلى نتيجة مفادها أن على بوش أن يسحب الجيش الأميركي من العراق قبل نهاية ولايته.‏

غير أن موقف هيلاري يظل معتدلاً بالمقارنة مع مواقف العديد من الديموقراطيين الذين عبروا عن ندمهم على تأييد قرار الحرب عام 2002، وطالبوا هيلاري بالإسراع في إعلان موقف مشابه.‏

وعلى ذلك، تكون حالة الاهتزاز التي تعيشها أميركا بفعل حربها الفاشلة في العراق قد أصبحت ملحوظة في الكونغرس "الديموقراطي"، وحتى على مستوى الجمهوريين، إضافة إلى الشارع الذي تتصاعد فيه حركة الاعتراض على الحرب إن على مستوى استطلاعات الرأي أو على مستوى حملة التظاهر الحالية.‏

وإذا كان هذا التطور موازياً لتصاعد الضربات العسكرية التي توجهها المقاومة العراقية لجنود الاحتلال، وكذلك لمجاهرة جهات دولية كفرنسا في الحديث عن عدم جدوى استراتيجية بوش الجديدة، فإن هذه الاستراتيجية، ولا سيما شقها المتعلق بالتهديدات الجديدة الموجهة إلى إيران وسوريا وحزب الله، تأتي كتعبير جديد عن إصرار بوش على الخطأ، وبالتالي على المزيد من "شرشحة" مكانة الولايات المتحدة في العالم، سواء رضي ديك تشيني بذلك أم لم يرض.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ العدد1200 ـ 2/2/2007‏

2007-02-02