ارشيف من : 2005-2008
دافوس: لا فاعلية أمام التحديات الجيوسياسية والبيئية
من كبار المقررين السياسيين ورجال المال والأعمال في العالم. جدول أعمال اللقاء لخصته عبارة لأحد المراقبين تحدثت عن عالم اليوم بوصفه عالماً "انفصامياً" يواجه مخاطر جيوسياسية وبيئية متصاعدة.
هل قدم اللقاء السادس والثلاثون للمنتدى المسؤول أكثر من غيره عن الحالة الانفصامية، بما هو مركز أساسي من مراكز القرار العالمي، مادة تذهب باتجاه "الالتئام" ولو بعد فوات الأوان؟
افتتاح اللقاء من قبل آنجيلا ميركل واختتامه من قبل طوني بلير لا يوحي بالتفاؤل. ولا توحي بالتفاؤل غالبية النقاط التي تناولها النقاش لجهة استمرار مواجهة المشكلات الجيوسياسية بالمنطق العالمي السائد الذي يحدد هذه المشكلات ويتصور الحلول انطلاقاً من مصالح قوى القرار المسؤولة عن تعمق حالة الانفصام العالمي.
القضية الفلسطينية نظر إليها اللقاء من خلال "العناق" بين محمود عباس وشيمون بيريز الذي اعتبر "لحظة حاسمة" من لحظات المنتدى، ومن خلال تطمينات ليفني التي أكدت، بعد مضي ستة عشر عاماً على اتفاقيات أوسلو، أن إقامة دولة فلسطينية ليست وهماً.
مشكلات أوروبا اختصرت بالخوف من عملاق النفط الروسي "غازبروم" وارتفاع أسعار الغاز بعد الاشكالات الأخيرة بين كل من روسيا من جهة وبيلوروسيا وأوكرانيا، من جهة ثانية.
وبالمنطق السائد نفسه تم النظر إلى مشكلات الإرهاب ودارفور.
أما الفقر في إفريقيا فقد حاول المنتدى أن يوحي بأن معالجة المشكلة قد وضعت على السكة الصحيحة بعد أن نوقشت من قبل طوني بلير والمغني الإيرلندي بونو... وهنا تنبغي الإشارة إلى أن بلدان إفريقيا تدفع سنوياً خمسة عشر مليار دولار لسداد ديون لا تزيد قيمتها الأساسية عن 50 مليون دولار.
وإذا كان المنتدى قد أعلن ابتهاجه بتحسن المؤشرات الاقتصادية العالمية بسبب حالة النهوض في الصين، وبدرجة أقل في الهند، فإن أصواتاً عديدة ارتفعت بهدف تعديل التصويب. منها صوت الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي الذي أكد أن الاحتلال يعزز الإرهاب في العراق، وصوت نائب الرئيس العراقي، عادل عبد المهدي، الذي وجه انتقادات عنيفة للاحتلال ووصفه بأنه "غبي".
أما الرئيس البرازيلي لويس إنياسيو دا سيلفا، فقد وجه نداءً إلى البلدان الغنية أعاد فيه مطالبتها، وفقاً لاتفاقات التجارة العالمية بخفض المساعدات الزراعية.
والمعروف، في هذا المجال أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تدفع سنوياً مساعدات إلى المزارعين الأميركيين والأوروبيين تصل إلى 300 مليار دولار مقابل تخفيض أسعار منتجاتهم في السوق الدولية، وأن هذا الإجراء يؤدي إلى كساد منتجات البلدان الفقيرة.
ولعل أبرز الأمثلة الصارخة على وحشية هذا الإجراء هو إفقار عشرات الملايين من مزارعي القطن في البلدان الفقيرة نتيجة للمساعدات التي تدفعها حكومة الولايات المتحدة لإثني عشر ألف مزارع أميركي... وقد كان الوضع الشاذ للملف الزراعي قد تسبب قبل سنوات بتعطيل دورة الدوحة لمفاوضات التجارة العالمية التي لم تفلح الجهود لإعادة إطلاقها في تموز/ يوليو الماضي. ولا يبدو أن الجهود التي بذلها البعض في لقاء دافوس ستفضي إلى نتيجة أفضل في هذا المجال.
أما جديد المؤتمر لهذا العام، فقد تميز بالتركيز الخاص على المشكلة البيئية التي خصص لها أكثر من 17 اجتماعاً وطاولة مستديرة بالتوازي مع اجتماع عقد الإثنين الماضي (29/1/2007) في باريس وضم 500 خبير حكومي في قضايا المناخ مهمته أن يقدم تقريراً من عشر صفحات كتلخيص لعشرات الألوف من الصفحات التي يتكون منها تقرير عمل في إعداده، منذ العام 2001، أكثر من 2500 باحث، عكفوا بتكليف من منظمة الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للأرصاد الجوية، على جمع المعطيات البيئية ومقارنتها وتفسيرها. مشكلة يحاول الخبراء، بدفع من الحكومات، خاصة الأميركية والأوروبية، إعطاءها شكل المعضلة غير القابلة للحل تحت ستار عدم التأكد من أن الكارثة البيئية ناجمة عن النشاط البشري. والمقصود بالنشاط البشري هو النشاط القائم على إحراق النفط وغيره من مصادر الطاقة في الصناعة والنقل ومرافق الاستهلاك المنزلي على اختلافها في ظل ما بات يسمى بـ "نمط العيش الأميركي" الذي بات سائداً على النطاق العالمي.
والمحافظة على هذا النمط هي ما يفسر انفراد الولايات المتحدة في عدم التوقيع على بروتوكولات كيوتو بالتعارض مع إرادة جميع بلدان العالم.
ويأتي الإصرار على التشكيك برغم توسع ظواهر سخونة الأجواء والانحباس الحراري والجفاف والتصحر والفيضانات والانقراض السريع للأجناس الحيوانية والنباتية وتضاؤل كميات الأوكسيجين في الهواء وظهور الأمراض الجديدة. وقد عبر أحد الخبراء عن المشكلة المتمثلة بحالة اللاإكتراث البشري بالكارثة المناخية قائلاً بأن البشر قد فقدوا "غريزة المحافظة على الأجيال القادمة".
والسؤال الذي يطرح نفسه هو حول ما إذا كان منتدى المقررين الدوليين في دافوس قد وضع مشكلة المناخ على السكة الصحيحة باتجاه الحل؟
الجواب سلبي بالنسبة لهذه المشكلة مثلما هو سلبي بالنسبة للمشكلات الأخرى، ما يجعل من إنعاش غريزة المحافظة على الأجيال الحالية والقادمة مهمة الشعوب وقواها الطليعية المطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بوقفات مسؤولة أمام حالة الانفصام المجنون التي يعيشها عالم اليوم.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1200 ـ 2/2/2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018