ارشيف من : 2005-2008
لا توافقات نهائية ناتجة عن الاتصالات الإقليمية والدولية:ماذا بعد الهدوء الموقّت والنسبي؟
يتفق الجميع على الطابع الموقّت والنسبي للهدنة الحالية التي يشهدها الوضع الداخلي، وذلك لجملة اعتبارات أبرزها:
أولاً: حاجة المعارضة وبعض فريق السلطة إلى احتواء مناخات الفتنة التي عمل على إشاعتها البعض الآخر من فريق السلطة، استجابة لمصالح خاصة، وتأكيداً لاندراج هذا البعض في سياق مشروع الفتنة الأكبر الذي تعمل عليه واشنطن كبديل وتعويض عن فشل خطتها الاستعمارية الأصلية بدءاً من افغانستان، ومروراً بالعراق، وليس انتهاءً بفلسطين ولبنان.
ثانياً: الرغبة المشتركة في تمرير مناسبة اغتيال الرئيس الحريري بهدوء، خصوصاً بعد سعي أفرقاء الفتنة في فريق السلطة إلى استخدام هذه المناسبة كأداة تفجير فتنوية اضافية.
ثالثاً: تحرك الاتصالات الإقليمية ولا سيما على خط الرياض ـ طهران، بهدف التوصل إلى مخارج سياسية للأزمة اللبنانية، خصوصاً بعدما بدت للجميع الآفاق الخطرة التي يمكن أن تنفتح عليها هذه الأزمة، في ما لو تركت من دون معالجات فعلية.
من الواضح، أن الاعتبارين الأول والثاني هما اعتباران ظرفيان وموقّتان، واذا كان من تطورٍ يمكن أن ينقل الهدنة الحالية من طابعها الموقّت والنسبي هو التوصل إلى توافق سياسي، يوفر الأساس السياسي لدخول لبنان في مرحلة فعلية من الاستقرار المنشود، والعكس صحيح، هنا أيضاً، بمعنى ان انتهاء الاتصالات إلى لا شيء، سيعني حتماً، أننا أمام عودة إلى حال من التجاذب السياسي الداخلي ذي الطابع المعقد والدقيق والصعب.
والمعلوم، حتى الساعة، أن لا توافقات نهائية أسفرت عنها الاتصالات الاقليمية والدولية، بل ثمة مجدداً عودة إلى نقطة الصفر بفعل تراجع فريق السلطة وداعميه الاقليميين والدوليين عن النقطة الوحيدة التي تم التوافق عليها حتى الآن، والمتمثلة بقبول مطلب المعارضة الخاص بالحصول على الثلث الضامن، وفي المعلومات المتداولة، أن كلاً من واشنطن وباريس أصرتا على الصيغة الأولى التي سبق لأمين عام الجامعة العربية عمرو موسى أن طرحها، أي صيغة (19+11+1)، وبالتالي العودة مجدداً الى بدعة ما يسمى الوزير الملك.
هذا في الوقت الذي يصرّ فريق السلطة وداعموه الاقليميون على تمرير نظام المحكمة الدولية كما هو، أي كما تريده واشنطن، وهذا في مقابل توجهين جديدين للتعامل مع هذه المحكمة: الأول إقليمي ـ دولي (روسي تحديداً) يدعو الى تأجيل البت بنظام المحكمة الى ما بعد الانتهاء من التحقيق، خصوصاً في ظل توافر معلومات فرنسية وأميركية بأن التحقيق لم يتوصل حتى الآن الى أي معطيات يستطيع الاعتماد عليها لصياغة القرار الظني، الأمر الذي لا يجعل من معنى لإنشاء المحكمة إلا المعنى السياسي، أي من يريدها كيفما كان، انما يريدها كأداة ابتزاز سياسية سواء في وجه قوى المعارضة في الداخل، أم في مواجهة بعض القوى الاقليمية وتحديداً سوريا.
والثاني، الذي ما فتئت تطالب به المعارضة، والمتمثل بخصها في نقاش مسودة نظام المحكمة بما يؤدي الى إدخال التعديلات المناسبة عليه، والتي تحول دون تحوله الى عصا غليظة سياسية في أيدي واشنطن تحديداً، وبالتالي بما يؤدي الى انشاء محكمة حقوقية وقانونية بامتياز تسمح بالتوصل الى معرفة الجناة والقتلة الفعليين للرئيس الحريري.
وفي هذا الإطار، وبعد ادراك فريق السلطة عجزه عن تمرير نظام المحكمة الدولية وفق الأطر الدستورية اللبنانية، حاول أن يبحث عن مخرج لمأزقه في الخارج، فكانت زيارة النائب سعد الحريري الى موسكو أولاً، وزيارة رئيس مجلس الأمن الوطني السعودي الأخيرة بندر، ومن ثم زيارة عمرو موسى، ثانياً، هي لمحاولة اقناع موسكو بتمرير نظام المحكمة في مجلس الأمن وعبر الفصل السابع.
إلا أن مجموع هذه الزيارات لم يوفق، كما يبدو، في إقناع موسكو بهذه الخطوة، حيث كانت هي من طرحت فكرة تأجيل البت بالمحكمة الى ما بعد انتهاء التحقيق.
أمام هذه الوقائع ارتد فريق السلطة مجدداً نحو الداخل، حيث بدأ الهجوم المكثف على رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري: سعد الحريري حمّله مسؤولية تعطيل إبرام المحكمة الدولية. السنيورة يتهمه بتعطيل عمل المجلس، جنبلاط، وعلى طريقته الفتنوية، دعا الرئيس بري الى تبرئة الشيعة من مسؤولية عدم محاكمة قتلة الرئيس الحريري، وكأن القتلة باتوا مشخصين من قبل التحقيق، ولم يعد مطلوباً سوى محاكمتهم. لكن الأخطر في هذا كله، كانت الرسائل المهربة التي بعث بها السنيورة الى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وبعد تنسيق مسبق مع رايس والأمين العام الجديد، جرى في كواليس مؤتمر باريس 3، حاول السنيورة من خلال هذه الرسائل تحميل الرئيس بري عدم ابرام نظام المحكمة حتى الآن، وبالتالي، وضعه في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، وليدفع، من جهة أخرى، هذا المجتمع الى تجاوز دور المجلس النيابي، وفتح الطريق واسعاً أمام إمكان بت نظام المحكمة في مجلس الأمن، وتحت بند الفصل السابع.
لكن مجدداً لم تفلح حسابات فريق السلطة، فكان أكثر ما قدمته الأمانة العامة من خدمات هو توقيع المسودة متجاوزة موقع رئاسة الجمهورية، هذا التوقيع الفني والاجرائي والذي لا يقول أكثر مما يواظب المجتمع الدولي على قوله، وبنوعٍ من الملل بأن الوكيل المعتمد لواشنطن وباريس في لبنان هو حكومة فريق السلطة اللاشرعية واللاميثاقية واللادستورية، إلا أن هؤلاء لم يتمكنوا من تجاوز عقبة مجلس النواب ودور الرئيس بري، ما يشير الى أن فريق السلطة وداعميه الدوليين سيركزون في المرحلة المقبلة هجومهم على الرئيس بري لحمله للاستجابة لمطالبهم، وهذا ما لن يفلحوا في تحقيقه، لأنه سبق للرئيس بري أن حدد موقفين رسما السقوف الحمراء لدور المجلس في المرحلة المقبلة: الأول، اعتباره أن هذه الحكومة فاقدة للشرعية، والثاني، رفضه التعامل ايجاباً مع أي شيء يرسل اليه ما لم يأخذ طابعه الدستوري الكامل.
واللافت في خضم هذا كله هو الموقف الفرنسي الذي أكد مؤخراً أنه لا بديل من أن تتخذ المحكمة طابعها الدستوري، وأن اللجوء الى الفصل السابع معقد، وأنه لا يمكن أن يتم إلا في حالة تداعي الحكومة، فهل في هذا الموقف الأخير محاولة لحماية الحكومة من خلال التهديد الضمني بأن سقوطها سيعني عملياً فتح الطريق لبت المحكمة الدولية من خلال مجلس الأمن وتحت الفصل السابع؟
في مطلق الأحوال، من الواضح، أن أزمة فريق السلطة بنيوية وعميقة، وهو أمام خيارات معقدة وصعبة، فهو إما أن يقنع ويستجيب لإرادة الغالبية العظمى من اللبنانيين، والذي تمثله قوى المعارضة، وإما ان يختط لنفسه خيارات جنونية من جنس خيارات مصلحة الاميركي.
والأدهى من هذا كله، وما يجب أن لا يسقط من الحسابات، هو الرهان القديم الجديد لفريق السلطة على تطور اقليمي، فهذا الفريق الذي راهن على عدوان تموز بوصفه سيحمل له المنّ والسلوى، ولم يتعظ حتى الآن، ما زال لديه رهانه المضمر على تطور ما اقليمي، ومن المؤكد أنه سيخيب، لأن من يراهن على الخارج، ويربط مصيره بالباطل، لن يحصد الا العاصفة.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018