ارشيف من : 2005-2008
سقوط الأمن الاستراتيجي عنوان رئيسي لبحث إسرائيلي في تقدير قوة حزب الله
الواقع حلقة من ضمن سلسلة إخفاقات إسرائيلية سياسية وعسكرية بدأت من انفراط "عناقيد الغضب" في نيسان/ أبريل عام 1996، فالانسحاب الذليل في أيار/ مايو عام 2000، ولمّا تنته في الانتصار الاستراتيجي في 14 آب/ أغسطس عام 2006، وما بين هذه المحطات حقبة من التقلبات والتبدلات الداخلية في الأوجه والمواقع والسياسات.
ولا يمكن النظر إلى ما يجري من تداعيات على مستوى الداخل الإسرائيلي بمعزل عن تأثيرات هذه المحطات الثلاث، بمحوريتها وأهميتها على صعيد إعادة تشكيل المنطقة، خصوصاً أنها جاءت دوماً في سياق ترجمة مخطط جيوسياسي ديمغرافي استراتيجي متجدد مرسوم لمنطقة الشرق الأوسط. والنتائج السلبية التي تمخضت عن فشل هذا المخطط تركت وما زالت، ترددات سلبية عميقة أدت إلى إعادة خلط الأوراق من جديد، رافقتها عمليات "ترقيع" يائسة لمكامن الإخفاق على المستويات الأمنية والعسكرية والاجتماعية والنفسية.
إن مراقبة هادئة لردود الفعل الإسرائيلية تكفي للتوصل إلى قياس نسبة الاهتزاز الوجودي، الذي لم يعد محصوراً في تبيان مواضع الخلل النوعي والاهتراء الحاصل في المنظومة الشاملة لهذا الكيان، بل تجاوز البحث ليصل إلى وضع تقديرات تتعلق بإمكانية استمرار هذا الكيان، الذي لم يحقق منذ العام 1982 أي انتصار حقيقي في مواجهة المقاومة في لبنان، بعدما اعتاد الانتصار على جحافل الجيوش العربية.
والواضح أن مجموع الانتصارات التي حققتها المقاومة الإسلامية، ولا سيما في عدوان تموز/ يوليو، شكّل مادة محورية تناولها الباحثون والسياسيون الإسرائيليون، وأسقطوا نتائجها على الخارطة الافتراضية لـ"إسرائيل الدولة والمجتمع"، فكان القلق العنوان الرئيسي لخلاصات البحث الإسرائيلي في تقدير قوة حزب الله ومدى تأثير تعاظم هذه القوة على الأمن الاستراتيجي لـ"دولة إسرائيل".
وتجدر الإشارة إلى ما نقلته صحيفة "معاريف" عن الخبير الاسرائيلي في علم النفس السياسي د.عودي ليبل، ولا سيما قوله إن السيد نصر الله "يتمتع بقدرة مجهرية على قراءة الواقع الاسرائيلي وصياغة خطاباته بناءً عليها"، وخاطب ليبل الاسرائيليين بالقول: "تصوروا ما يمكن لأبي الحرب النفسية أن يقوم به بعد الفشل الاستراتيجي للقتال ضد حزب الله، اذا ما اعيد ايهود باراك الى وزارة الدفاع، الذي قاد "اسرائيل" الى انسحاب سريع ومرعب من لبنان". ويختم بالقول: "إن قدرة نصر الله كأنه خبير نفسي رفيع بالمجتمع الاسرائيلي، تتمثل في متابعته لانهيار الإجماع الاسرائيلي.. وهي متابعة تعكس فاعلية الحرب النفسية لحزب الله".
لقد انتقل الهاجس الإسرائيلي من إمكانية مواجهة سيل العمليات العسكرية للمقاومة الإسلامية قبل التحرير عام 2000 إلى هاجس تحوّل حزب الله إلى قوة قادرة على تحويل لبنان، كتجمع بشري وامتداد جغرافي، إلى كتلة مقاومة واحدة، وتحوّل مجموعات متفرقة من المقاتلين عام 1982 إلى منظومة شاملة واستراتيجية ثابتة تحكم الأداء السياسي والأمني والعسكري في لبنان يشارك بها كل اللبنانيين، وتمهّد لصياغة مفهوم وعقيدة اجتماعية ثقافية يؤمن بها ويعتنقها الشعب اللبناني بأسره، كما نادى الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله على طاولة الحوار الوطني حينما تناولت ملف سلاح المقاومة.
ويمكن الوقوف في هذا الإطار عند ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" مؤخراً عن مصادر إسرائيلية ذكرت أن الإسرائيليين "يتابعون بقلق تعزيز القوة السياسية لحزب الله في لبنان". مشيرة إلى أن "وزارة الخارجية والمؤسسات الأمنية الاسرائيلية تداولت تقديرات رجحت أن حزب الله سيصبح في غضون عشر سنوات أكبر قوة سياسية في لبنان ما يمكّنه من أن يشكل الحكومة، مع إمكانية أن يكون الأمين العام لحزب الله رئيساً لحكومة لبنان". واستندت هذه التقديرات إلى النمو السكاني المطرد لدى الشيعة حيث يقدّر هؤلاء أنه "خلال عشر سنوات ستبلغ نسبة الشيعة من مجمل سكان لبنان خمسين في المئة".
وبغض النظر عن صوابية هذا التقدير أو عدمها، وما يعكس من تغاضٍ عن تركيبة النظام الحالية في لبنان، أو ما يمكن أن يخفي من إشارات وتحذيرات إسرائيلية موجّهة إلى الداخل اللبناني، إلا أن هذا التقدير في أي حال من الأحوال، يظهر بشكل جلي أحد جوانب القلق الذي يعتري الشارع الإسرائيلي من تنامي قوة حزب الله، كما يستحضر واقعاً افتراضياً ويضعه راهناً في خانة المقارنة مع الحكومة الحالية في لبنان، التي تمتدحها الولايات المتحدة وحكومة أولمرت على حد سواء.
وترى أوساط أكاديمية متخصصة في قراءتها لتأثيرات انتصار المقاومة على المجتمع الإسرائيلي، أن التقديرات الإسرائيلية تنم عن تأثير بالغ في مجالين أساسيين:
الأول: عمق الضربة التي وجهتها المقاومة خلال حرب تموز/ يوليو للمخطط الأميركي ـ الإسرائيلي. فقد كان هذا المخطط يرمي إلى تغيير خارطة المنطقة، تنفيذاً لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، مع ما يقتضيه من تقسيم جيوسياسي جديد، وتغييرات ديمغرافية على أساس عرقي.
الثاني: سقوط الرهانات الكبيرة التي اعتمد الأميركيون والإسرائيليون عليها في شن الحرب. فقد أدى انتصار حزب الله إلى إثبات قوته على المستوى العسكري والاستخباري من جهة، وتمتين الالتفاف الشعبي حوله من جهة ثانية، وبالتالي تعزيز وجوده على الساحة اللبنانية وترسيخ مكانته في العالم العربي والاسلامي، ما أدى إلى خلق حالة تعبوية شعبية عارمة فاقمت حالة العزلة التي تعيشها "إسرائيل"، ووضعت حداً لعمليات التسلل الإسرائيلية داخل المجتمعات العربية.
وتخلص هذه الأوساط إلى حقيقة مفادها أن الإسرائيليين يرون أن انتصار حزب الله لم يكن ميدانياً فحسب، بل أصاب مقتلاً من التركيبة العقدية لمجتمعهم، وهو ما يفرض على القيادات الإسرائيلية إعادة تشكيل المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية، وإعادة صوغ العقيدة المجتمعية لدى الجمهور الذي فقد الثقة بقياداته، وبات أكثر فأكثر يصدق السيد نصر الله الذي لم يطلق وعداً لشعبه إلا ووفى به، بعكس الجنرالات الذين كانوا يطمئنون المستوطنين بأن الجيش، الذي يشكل عمادة "دولة إسرائيل"، قادر على حمايتهم، فإذا بهذا الجيش ينهزم في أول بلدة على الحدود اللبنانية، ويعود مهزوماً بعد 33 يوماً من القتال، فيما شبح صواريخ حزب الله لا يزال يخيم على تل أبيب.
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد 1201ـ 9 شباط/فبراير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018