ارشيف من : 2005-2008

ثقافتان واحدة للحرية وأخرى للموت

ثقافتان واحدة للحرية وأخرى للموت

وخرجنا بعد نصف قرن بصفر على عشرين.‏

عرفت "ثقافة" الاستزلام، واليد التي لا تستطيع ردعها، قبّلها، وادعُ عليها بالكسر، عرفت "ثقافة" العنصرية الفجة، وأطلقنا عليها لقب الطائفية البنّاءة، عرفت "ثقافة" النفاق والتزوير، وأطلقنا عليها نعت الشطارة. عرفت "ثقافة" التجارة بالشعارات، وسمّيناها الثوابت المتبدلة. عرفت "ثقافة" الاستقواء وأصّلناها بطريقة مفزعة "أنا وأخي على ابن عمي وأنا وإبن عمي على الغريب"، تحولت على أيادينا اللبنانية الفذة: "أنا والغريب على إبن عمي وعلى أخي وعليّ وعلى أصدقائي يا رب".‏

عرفنا "ثقافات" سلمية، تتاجر بالصحة، دواءً مغشوشاً ومشافي مسالخ، تتاجر بالكتاب، تتاجر بالتعليم، تتاجر بالقيم، تتاجر بالقضايا، وطنياً وفلسطينياً، وأمةً وأنواعاً شتى من السلع السياسية.‏

عرفنا "ثقافات" خيانية: "من يأخذ أمي أسمّيه عمي". وعرفنا "ثقافة" الاستهلاك السريع، استهلكنا على وليمة الإقطاع السياسي وزنادقة الطوائفيات، الاشتراكية والتقدمية والقومية والوطنية والاصلاح والديمقراطية والوحدة الوطنية والعيش المشترك والعروبة الكلاسيكية والعروبة الحضارية. لم نترك شعاراً لم نستهلكه، ونرميه قشوراً زائفة.‏

عرفنا "ثقافة" التجارة بالعقائد والأديان والطوائف والمذاهب والأخلاق. وعرفنا "ثقافة" الزعبرة والدشار والسرقة والنهب والهدر والزعرنة..‏

عرفنا كل هذه "الثقافات" المهينة، فهل هذا ما يسمونه "ثقافة الحياة". في تحديها "لثقافة" نعتوها بالموت؟‏

2 - ثقافة الحياة‏

شتان ما بين ثقافة تتأسس على العطاء والتضحية والبسالة، وبين "ثقافة" تتشبث بالربح والتخلي والرداءة، شتان ما بين من يسكب دمه وبين من يشرب الدماء ويتفرعن بالبطولة. شتان ما بين من يكون سهمه متجهاً إلى الحرية، وبين من يقعد على الظلم أو في الظلم، متغنياً بالعيش.‏

لم يعرف لبنان السياسي، إلا على هوامشه، ثقافة التحدي بدل ثقافة الرضوخ، وثقافة الإنجاز، عوض "ثقافة" التردي، وثقافة الغباء، ضد "ثقافة" الرخام، و"ثقافة" التقدم، ضد "ثقافة" العصور الوسطى المظلمة، وثقافة الوطن المضادة "لثقافة" الطائفية وثقافة التحرير اللاغية "لثقافة" الخنوع.‏

عرف لبنان نبرة ثقافة الحياة هذه، عندما رسم بعض ابنائه في فترات حاسمة، صورة الوطن على حجم الطموح، وطن جميل، حر، سيد، مستقل، معافى، يتساوى فيه الجميع أمام القانون في الحقوق والواجبات، يذود عن سيادته، يحرر أرضه، يصد المعتدي، لا يكافئ الاحتلال، يلتقي مع اخوانه العرب في مواجهة الاستعمار، يرد العدوان الثلاثي على مصر، ينتصر لمعركة الكرامة في الأردن، ينتفض على نكسة حزيران، يشعل فتيل الروح، يشارك في المقاومة، يقاتل حتى تخوم بيروت، يصغر الاحتلال في العاصمة، يذله المقاتل اللبناني.‏

عرف اللبنانيون، ثقافة الحياة، عندما جعلوا الموت الخاص، رحلة مؤكدة لحياة الآخرين.‏

صادقوا الموت، لا خوفاً ولا جبناً ولا مذلة ولا زهداً، بل لأن "صداقة الموت انتصار على الحياة" (أدونيس).‏

أهذا ما يسمونه ثقافة الموت؟‏

ان التاريخ، سمى "الثقافات" الملعونة سفسطات فلسفية فيما سمى ثقافة التضحية أدياناً وأخلاقاً وقيماً وشعوباً ومبادئ وأوطاناً وأمماً.‏

3 - ثقافة الحرية‏

قتال "اسرائيل" ليس من "ثقافة" الموت بل من ثقافة الحياة، قتال الاحتلال، من أسس التطلع إلى حياة رائعة، قتال الفساد والزيف والشعوذة السياسية والطائفية، ليس من "ثقافة" الموت، بل من ثقافة الأمل.‏

هذا كلام غاضب في مقامٍ يستحق التعقل، ولكن، ما نفع الكلام المثقل، في أزمنة، بات الفاسد فيها مبشراً بالأخلاق والمستسلم رائداً في النصيحة، والمفتن داعياً للسلام والوحدة الوطنية. والمنتقل إلى كل الاتجاهات والى كل العواصم، الدليل على الثبات في الموقف الوطني.‏

كل شيء بات زائفاً في ما يسمى "بثقافة الحياة"، فيما هي درب "ثقافة" العيش، التي ينتسب اليها الحيوان بصفته "حياً يرزق" غرائزياً.‏

"ثقافة الحياة" هي ثقافة الحرية، والحرية بحاجة ماسة إلى من يضيء سراجها بزيت الجهد والبذل، كي تشع كرامة ونبلاً وعطاءً في الحياة.‏

في لبنان اليوم ثقافتان، ثقافة للحرية وأخرى للموت.‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير 2006‏

2007-02-10