ارشيف من : 2005-2008

الغاز سلاح جديد وفعال في مقاومة الهيمنة الغربية

الغاز سلاح جديد وفعال في مقاومة الهيمنة الغربية

الجزائر وقطر والنرويج وليبيا وآسيا الوسطى وأميركا اللاتينية وغيرها. ولا يقل الغاز أهمية عن النفط في السوق الدولية بسبب استخداماته المتنوعة التي تأتي في طليعتها التدفئة ذات الأهمية الخاصة في بلدان العالم الباردة والغنية والمتحكمة بالشأن السياسي الدولي، أي أميركا الشمالية وأوروبا واليابان.‏

وإذا كان النفط قد أثبت جدارته كعنصر أساسي في البناء الحضاري العام، وبدرجة أقل، كسلاح سياسي فاعل، فإن الغاز لا يزال بعيداً عن تحقيق هذه الموقعية بسبب التدني الكبير في أسعاره بالمقارنة مع أسعار النفط. ففي حين يباع طن النفط بمبلغ في حدود الـ250 دولاراً، لا يبلغ سعر الألف متر مكعب من الغاز المعادل في قوته الإنتاجية لطن النفط بأكثر من مئة دولار. والسبب في ذلك هو حالة التشتت التي تعاني منها البلدان المنتجة للغاز، بالمقارنة مع حالة التنسيق النسبي التي يستفيد منها النفط بفضل وجود منظمات دولية كمنظمة البلدان المنتجة ومنظمة البلدان المصدرة. وحتى في إطار حالة التشتت، بينت الوقائع، أن بلداً واحداً كروسيا يمكنه أن يدفع باتجاه تعديل الوضع، وذلك من خلال "المعارك" التي نشبت خلال العامين الماضيين في موضوع حصص كل من أوكرانيا وبيلاروسيا لقاء مرور أنابيب الغاز الروسي في أراضيهما باتجاه بلدان أوروبا. وإذا كان من الصحيح أن روسيا لم تتمكن من فرض سعر للغاز يفوق سعره الحالي بأربعة أضعاف، فإنها نجحت في رفع السعر بشكل ملحوظ، وخصوصاً في إثارة قلق كبير في أوروبا وأميركا من التوجه الروسي الواضح لتفعيل قيمة الغاز، إذا لم نقل لاستخدامه كسلاح سياسي.‏

على ضوء هذه المعطيات يبدو من الواضح أن دفع الغاز الطبيعي لاحتلال موقع أكثر تقدماً يستلزم خروج البلدان المصدرة للغاز من حالة التشتت الراهنة. وبالطبع فإن مثال أوبك هو ما يطرح نفسه بشكل مباشر كسبيل للخروج من حالة التشتت تلك. وقد طرح الموضوع في حزيران/ يونيو الماضي في لقاء على هامش قمة مجموعة شنغهاي في بكين، بين الرئيس الإيراني، محمود احمدي نجاد، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأعيد طرحه مؤخراً في طهران خلال زيارة الأمين العام لمجلس الأمن القومي الروسي إيغور إيفانوف. والفكرة المطروحة هي تشكيل مؤسسة مشتركة في مجال النفط والغاز، أو منظمة لمنتجي الغاز على غرار أوبك، بهدف التأثير معاً، وفقاً لما قاله الرئيس الإيراني، على تحديد أسعار الغاز وأحجام تصديره وتفعيل ذلك في خدمة الاستقرار العالمي. ويبدو أن الفكرة قد وجدت ترحيباً من قبل الرئيس الروسي الذي صرح السبت الماضي(3/2/2007) بأن فكرة إنشاء منظمة للغاز على غرار منظمة البلدان المنتجة للنفط هي فكرة هامة "سنفكر فيها".‏

وقد أثار هذا التصريح قلق الأوروبيين على الرغم من حرص بوتين على تلطيف الأجواء عبر الحديث عن "تنسيق للنشاطات" لا عن إنشاء كارتل احتكاري. وكان الأوروبيون قد ردوا بشكل عصبي على اتفاق عقد مؤخراً بين روسيا والجزائر، المصدرين الأساسيين، مع النروج، للغاز الذي تستهلكه الأسواق الأوروبية، لتعزيز التعاون في هذا المجال، وطالب المفوض الأوروبي للطاقة، كلاً من موسكو والجزائر بشرح ما تهدفان إليه وما يؤدي إليه ذلك من تداعيات على مستوى المستهلكين الأوروبيين. والمعروف أن مفاوضات صعبة تجري بين روسيا والاتحاد الأوروبي في إطار اتفاقات الشراكة الإستراتيجية التي يحاول الأوروبيون توسيعها لتشمل مجالات الطاقة في ظل تلويح الاتحاد الأوروبي الذي يستورد ربع استهلاكه من الغاز من روسيا بالعمل على التخفيف من الاعتماد على روسيا في هذا المجال. وقد رد الرئيس بوتين بأن المسعى الأوروبي لا يخيف روسيا، وأن هذه الأخيرة تمتلك حلولاً أخرى في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع الأوروبيين، منها التعامل مع أسواق كالسوق الصينية، الأمر الذي يحشر الأوروبيين في الزاوية الضيقة.‏

وكان التوجه نحو إيجاد صيغة لتوحيد أنشطة البلدان المصدرة للغاز قد أثار مخاوف حلف الناتو، في وقت يبدي فيه المحللون الغربيون قلقاً متزايداً مما يسمونه بالعناصر "المخيفة" على لائحة البلدان المرشحة للتنسيق في هذا المجال، وخصوصاً أن هذه اللائحة تضم، إضافة إلى البلدان المخيفة كإيران وفنزويلا وبوليفيا، بلداناً كالجزائر وقطر وآسيا الوسطى وليبيا، قد تنتقل من دائرة الاعتدال النسبي إلى دوائر أكثر خطورة، أو حتى بلداناً كالنرويج ذات الانتماء الكامل للعالم الغربي. وعلى ذلك، يمكن القول ان الغاز قد أصبح لاعباً أساسياً في المعادلات الإستراتيجية الدولية، وإن هذا اللاعب الجديد يمتلك حظوظاً كبيرة في إحداث انقلابات جذرية في المعادلات والاصطفافات السياسية على المسرح الدولي، لمصلحة القوى الصاعدة المتضررة من الهيمنة الغربية.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد 1201ـ 9 شباط/فبراير2007‏

2007-02-10