ارشيف من : 2005-2008

عجز مالي أميركي والآتي أعظم

عجز مالي أميركي والآتي أعظم

الموازنة من الآن وحتى العام 2012، عبر توفير ما يقرب من 100 مليار دولار سنوياً. ومن المفترض أيضاً، من أجل تحقيق هذا الهدف، أن تبدأ عملية التوفير اعتباراً من موازنة العام القادم التي عرضها الرئيس بوش على مجلس الشيوخ، يوم الاثنين الماضي (5/2/2007). وقد أخذ الرئيس هذا الهدف بعين الاعتبار، ولكن على أساس الشروع بعملية التوفير اعتباراً من موازنة العام 2008، لا اعتباراً من موازنة هذا العام، وهو الأمر الذي يطرح ـ قبل التعرض للعراقيل الممكنة الأخرى ـ إمكانية عدم التوصل إلى تحقيق الهدف المذكور ضمن إطار المدة المحددة.‏

وإذا ما أمكن التغاضي عن التأخر لبعض الوقت في ردم العجز، فإن ما لا يبدو مستساغاً في نظر الأميركيين يتعلق بالوسائل التي سيعتمدها الرئيس بوش في هذا السبيل. فهو يقترح، اعتباراً من أول تشرين الأول/ أكتوبر القادم، إلغاء أو تقليص اعتمادات 141 من البرامج الداخلية ذات الطابع الاجتماعي لتوفير 12 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وهو رقم نبقى بعيدين معه عن المئة مليار دولار المفترض توفيرها سنوياً بهدف العودة إلى التوازن. وحتى المبلغ الضئيل الذي سيصار إلى توفيره سنوياً والذي لا يغطي أكثر من 2،2 بالمئة من المبلغ المطلوب، فإن توفيره سيتم عبر عملية "غزو داخلي" تستهدف فقراء أميركا بالدرجة الأولى. إذ يبرز في طليعة البرامج التي ينوي جورج بوش إلغاءها أو تقليصها البرنامج المعروف باسم "ميديكار"، وهو برنامج للتأمين الصحي يستفيد منه 43 مليون أميركي من المتقاعدين والمقعدين. ويتبعه في الاستهداف برنامج "ميديكيد" الذي يسمح للسكان الفقراء، وهم يزيدون عن أربعين مليوناً في الولايات المتحدة، بالاستفادة من الخدمات الصحية مجاناً أو بتكاليف مخفضة. وقد برر الرئيس بوش اقتراحاته في هذا المجال ـ هنالك استهدافات مماثلة تطال حقل التعليم ـ بأن إدارته تسعى إلى إلغاء الإنفاق على الصحة وأنظمة الضمان الاجتماعي قبل أن يصل 78 مليون أميركي، ولدوا في فترة الإقبال على الإنجاب التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، إلى سن التقاعد! أي إلى بداية الشيخوخة وازدياد الحاجة إلى العناية الصحية، وبالتالي إلى تلك البرامج بالذات!‏

عذر أقبح من ذنب بقدر ما يصبح تسديد مثل هذه الضربات القاسية إلى 150 مليون أميركي من غير الميسورين، سبيلاً وحيداً لسد العجز في الموازنة. ولكن الأكثر قبحاً هو، بالإضافة إلى إسقاط الموازنة الأميركية في مستنقع العجز، نتيجة لإعلان الحرب على الإرهاب وما رافقها من إجراءات أمنية داخلية مكلفة، هو إمعان الرئيس بوش في تصعيد السياسة ذاتها. فمع اعترافه بالصعوبات التي تفرضها تغطية جزء ضئيل من العجز على شرائح واسعة من الأميركيين، طلب الرئيس بوش 145 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب على العراق ومكافحة الإرهاب في موازنة العام 2008، و100 مليار دولار للعام الحالي، إضافة إلى 70 مليار دولار كان قد طلبها في وقت سابق. ويقول روب بورتمان، مدير موازنة البيت الأبيض، ان هذه المبالغ ستغطي تحديداً إرسال الـ21500 جندي إضافي إلى العراق. ومن جهته، يقول الديموقراطي كنت كونراد، رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ: "مع كل لفتة، يطلب [الرئيس بوش] مئة مليار دولار إضافية".‏

مطالب الرئيس بوش هذه ستتم مناقشتها من قبل الكونغرس خلال الأسابيع والشهور القادمة. وأغلب الظن أن إقرارها جزئياً أو كلياً لن يكون سهلاً في ظل هيمنة الديموقراطيين على المجلسين التشريعيين. ومن المرجح أن الرئيس بوش سيستخدم ممانعة الديموقراطيين في تمويل استراتيجيته الجديدة كورقة تهويل على المعتدلين العرب بهدف حملهم على "توظيف" أموالهم في استراتيجيته الجديدة، والسوابق التاريخية في حربي الخليج الأولى والثانية تشجعه على ذلك. وإذا كان الكثيرون في أميركا وخارج أميركا ينتظرون "ثمار" الاستراتيجية الجديدة لتحديد موقف نهائي من مطالب بوش المالية، فإن الانتباه مركز الآن على المعطيات الميدانية التي بدأت بإفرازها تلك الاستراتيجية، عبر التصاعد النوعي لأعمال العنف والاحتقان المتزايد في الأجواء العراقية والإقليمية. ومن بين الاحتمالات المتوقعة أن تفضي قفزة الرئيس بوش الجديدة في المجهول العراقي إلى الارتطام بصخور الحضيض، وعندها ستتجاوز المشكلات التي ستواجهها المصالح الأميركية في المنطقة، وتلك التي ستطرح نفسها في الداخل الأميركي، أطر العجز المالي في الموازنة، لتجد أميركا نفسها في حالة تدحرج إجباري نحو العجز الشامل والمعمم.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ العدد 1201ـ 9 شباط/فبراير2007‏

2007-02-10