ارشيف من : 2005-2008

أولمرت يمارس التضليل والتحريف لتبرير مواقفه أمام لجنة التحقيق:"اسرائيل" تضع اللمسات الأخيرة على اعلان هزيمتها في لبنان

أولمرت يمارس التضليل والتحريف لتبرير مواقفه أمام لجنة التحقيق:"اسرائيل" تضع اللمسات الأخيرة على اعلان هزيمتها في لبنان

السياسية خلال الحرب ومدى تورطها في التسبب بالنتائج التي ترتبت عليه، بالاستماع الى افادة رئيس الحكومة الاسرائيلية، ايهود اولمرت، الذي استمر حوالى ست ساعات، تتويجا لسلسلة لقاءات وتحقيقات شملت نحو سبعين شخصية سياسية وعسكرية من رؤساء وزراء ووزراء دفاع وقادة عسكريين حاليين وسابقين.‏

وكما كان متوقعا، الى حد ما، فقد شمل التحقيق مع أولمرت السياقات السياسية والعسكرية التي دفعت الحكومة الى اتخاذ قرار تاريخي واستراتيجي بشن حرب واسعة على لبنان، ومدى جدوائية العملية البرية التي شنها الجيش الاسرائيلي في اليومين الاخيرين، وادت الى مقتل 33 جنديا، بالاضافة الى جرح عشرات الاخرين (وتركز التحقيق ايضا على قرار اولمرت بتعيين رئيس حزب العمل عمير بيرتس، الذي لا يملك اي خلفية عسكرية وامنية، في منصب وزير الدفاع). لكننا في هذه المقالة سنتطرق الى النقطتين الاوليين.‏

تبرير أولمرت لقرار الحرب الشاملة على لبنان:‏

حجة الدفاع التي قدمها اولمرت خلال التحقيق معه حول اصل قرار الحرب، انه كان نتيجة انعدام الخيارات البديلة، ووضعها بالتالي ضمن اطار "حرب اللاخيار"، مدعيا في هذا المجال انها كانت امتداداً لمسلسل بدأ بـ"خطف غلعاد شليط (في غزة)، وخطف إسرائيلي في الضفة الغربية وقتله، ومحاولة خطف أخرى في الضفة الغربية". ونقل بن كسبيت عن اولمرت ادعاءه بأن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله "اعلن بأنه مسؤول عن كل عمليات الخطف، وأنه سيدير المفاوضات بشكل مركز".‏

ـ يبدو واضحا ان اولمرت كذب فيما استند اليه عندما قال ان السيد نصر الله اعلن مسؤوليته عن كل عمليات الاسر بما فيها التي نفذت في غزة والضفة، وهذا واضح لجميع اللبنانيين، كما ان قرار واعلان حزب الله عن عزمه اسر جنود اسرائيليين سبق اسر فصائل المقاومة في فلسطين بأكثر من سنتين، وتواصل الاعلان عنه في مناسبات عديدة. ونذكر بإشارة السيد نصر الله في اعقاب تحرير الاسرى اللبنانيين ضمن اطار عملية التبادل الاخيرة في 29/1/2004، الى عزم المقاومة على تحرير من تبقى من الاسرى.‏

ـ يتأكد بوضوح عدم التناسب بين عملية الاسر وحجم الحرب والاهداف والشعارات والشروط التي رفعها كل من الاميركيين والاسرائيليين... هذا فضلا عن كشف وزير الداخلية روني بار اون (المقرب من اولمرت) في مقابلة له مع اذاعة المستوطنين بأن استرجاع الاسرى لم يكن إلا هدفا ثانويا في الحرب، ثم اعقبه وزير الدفاع عمير بيرتس الذي نفى أن تكون الحرب شنت بسبب اسر الجنديين الاسرائيليين. وهكذا يظهر جليا هشاشة الاسس التي ارتكز اليها اولمرت ليبرر الحرب من خلال محاولته تضليل الرأي العام الاسرائيلي وأعضاء لجنة التحقيق.‏

ولا يخفى ان اصل تشكيل لجان تحقيق حول قرار الحرب ومجرياتها واداء القيادات خلالها، ليس سوى دليل قاطع على ان ما جرى شكل نكسة لـ"اسرائيل"، والا لو كانت نتائجها على خلاف الواقع الذي شهدته ميادين المعركة لكنا شهدنا الذين مثلوا امام لجان التحقيق وخاصة لجنة فينوغراد، واقفين في الصف لتعليق الاوسمة لهم، ولأقيمت لهم الاحتفالات وتحولوا الى قادة تاريخيين لـ"اسرائيل". ولعل طلب اولمرت الصريح من لجنة التحقيق بأن تقوّم المواقف التي اتخذها خلال الحرب ليس من خلال نتائجها!! وانما على ضوء الظروف التي اتخذت في ظلها، يغني عن الاسهاب في هذه النقطة.‏

- يُلحظ أيضاً أن أولمرت تحدث خلال التحقيق عن الدعم الدولي والاجماع الاسرائيلي للحرب، وأورد ذلك في اطار الانجازات، في حين انه لو تم التدقيق فيما قيل، لوجدنا انه يشكل مظهرا اضافيا على بسالة وقوة وسطوع النصر الذي تحقق. لأننا، بحسب اعتراف اولمرت، لم نكن امام حرب يمكن المراهنة خلالها على تقييد حركة الجيش الاسرائيلي خلال العدوان، بسبب الموقف الدولي او الانقسام الداخلي الاسرائيلي. لأن الجيش كان يمتلك كامل الحرية والصلاحية لتفعيل اقسى درجات القوة. وهو ما اكدته الوثيقة التي كشفها رون بن يشاي في صحيفة يديعوت احرونوت بأن الرئيس الاميركي جورج بوش اعطى اسرائيل الوقت الذي تحتاجه "لتهشيم حزب الله" اسابيع بل وشهوراً.‏

- وفي نفس السياق يلفت ما كشفه اولمرت عن أن رئيس الاركان اكد له "أن اسرائيل قادرة على خوض معركة عسكرية على الجبهتين الشمالية والجنوبية في آن واحد، وبموازاة ذلك إدارة سياسة دفاعية في مقابل اعتداءات سورية محتملة في الجولان". ومما يعنيه هذا الكلام ان اولمرت أراد ان يقول بأنه عندما اتخذ قرار الحرب الشاملة كان لديه اطمئنان تام ازاء قدرات "اسرائيل" على تحقيق اهدافها بناءً على شهادة ذوي الاختصاص والامر وهو رئيس اركان الجيش. وبالتالي فإن ما قيل لاحقا عن عيوب واخطاء لا يتحمل مسؤوليتها هو وانما هي من مسؤولية المستوى العسكري مع ما ينطوي ذلك على محاولة تقاذف المسؤولية عن الفشل بين المستويين العسكري والسياسي فضلا عن داخل كل منهما، تطبيق لقاعدة ان الهزيمة عادة ما تبدو يتيمة في حين ان للنصر آباءً كثراً.‏

ــــــــــــــــــــــــ‏

إخفاء الاهداف الحقيقية للعملية البرية‏

يلاحظ ان اولمرت حاول ان يبعد الاذهان عن حقيقة اهداف العملية البرية التي نفذها الجيش الاسرائيلي في اليومين الاخيرين من الحرب، عندما تحدث عن ان هدف العملية "تحسين وضع الجيش الاسرائيلي في نهاية الحرب بعد صدور القرار 1701" مدعيا تحقيق ذلك.‏

وفي هذا الاطار يمكن تسجيل التالي:‏

- انه تجاهل تماما ارتباط تحسين مكانة الجيش بتحقيق الانجازات العسكرية، كما ان الواقع يشهد بفشل الجيش في مهمته، والا لماذا تم التركيز على هذه القضية في التحقيق، ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل ادت هذه العملية الى سقوط عشرات القتلى والجرحى من الجنود الاسرائيليين.‏

- تجاهل أولمرت أيضاً الهدف الحقيقي للجيش المتمثل بأمرين رئيسيين، وهما الوصول الى منصات الصواريخ، التي كانت تواصل اطلاق حممها على الاراضي المحتلة، بهدف تدميرها بعدما فشل سلاح الطيران في هذه المهمة. بالاضافة الى محاولة فرض واقع ميداني يسمح بتطبيق القرار 1701 بالمحتوى الاسرائيلي الاميركي، وتسجيل انجاز عسكري يفتح الطريق امام مسار مختلف للحرب. ونُذكر في هذا السياق ان حزب الله اطلق في اليوم الاخير من الحرب، وفقا للإحصاءات الاسرائيلية، اكثر من 250 صاروخاً.‏

ونختم في هذا السياق بما أورده المعلق الاسرائيلي دان مرغليت في صحيفة معاريف الذي اعتبر ان كل صاحب منطق سليم يدرك ما حدث: اولمرت تخوف من أن يقوم بيرتس باتهامه أمام لجنة التحقيق المستقبلية أنه قد تسبب بفشل الجيش عندما منع الهجوم البري. ومن كان على صلة قوية مع اولمرت يدعي أنه وبيرتس عرفا أن مجلس الأمن يوشك على انهاء الحرب من خلال قرار سياسي، وأرادا في هذه المرحلة إسماع بعض هتافات النصر قبل أن يصدر القرار.‏

وبخصوص ادعاء اولمرت تحسين العملية للصيغة النهائية للقرار يقول مرغليت ان "مسودة القرار النهائية قد صيغت وفق رغبة إسرائيل قرابة الساعة العاشرة مساء، مع اضافة الساعات الثماني المطلوبة لايقاف القوات المتحركة نحو المعركة، وبالتالي فإن خط انتهاء الحرب كان يوم السبت 12 آب، قرابة الساعة السادسة، وليس بعد يوم ونصف. وهذا كله قبل معركة وادي السلوقي. وبالتالي قبل أن يُقتل اغلبية مقاتلي العملية الأخيرة".‏

ـــــــــــــــــــــــــــ‏

"نصر الله.. أبو الحرب النفسية"‏

عرض الخبير الاسرائيلي في علم النفس السياسي الدكتور اودي ليبل، في صحيفة "معاريف" قدرات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في مجال الحرب النفسية ومدى فاعليتها في الوعي الجماعي للاسرائيليين، معتبراً أنه يتمتع بقدرة مجهرية على قراءة الواقع الاسرائيلي وصياغة خطاباته بناء عليها.‏

وقال ليبل إن "قدرة نصر الله كخبير نفسي رفيع بالمجتمع الاسرائيلي، تتمثل في متابعته لانهيار الإجماع الاسرائيلي، ومتابعته ايضاً لصفحات الرأي في الصحف العبرية اكثر من اي شخص آخر، ولديه معاونون يقدمون له المعلومات المستقاة من خطوط الاتصال الداخلي للجيش الاسرائيلي، ويتابع صناع الرأي لدى الاسرائيليين ويدرس نقاط ضعف الصهاينة ويستوعب بحرص البيانات المنشورة في الصحف العبرية من جانب حركات الاحتجاج والجمعيات الاهلية، وهي متابعة تعكس فاعلية الحرب النفسية لحزب الله".‏

واكد في هذا السياق ان "الأمين العام لحزب الله اثبت في خطابه الاخير معرفته المجهرية في ما يصدر عن لجنة فينوغراد، وبرع في اقتباس تصريحات رئيس الاركان دان حالوتس الذي عبر عن عدم ثقته بقدرة سلاح البر في الجيش الاسرائيلي على مواجهة مقاتلي حزب الله".‏

مضيفا أن "نصر الله استخدم بشكل رائد وطليعي خلاق، كمن يعي ويقدر افضل من اي انسان آخر، القدرات والقيود والعيوب العملياتية للجيش الاسرائيلي، كي يجعل جمهوره يلمس بشكل محسوس مدى التوازن الجديد بين حزب الله والجيش الاسرائيلي".‏

وعلق ليبل على تأييد كبار مسؤولي المنظمة الامنية اعادة تعيين الرئيس السابق للحكومة الاسرائيلية ايهود باراك "تجاهلاً تاماً لكل ما يتصل بعلم النفس السياسي المرتبط بالنظرة إلى من جرّنا للحرب على (السيد) نصر الله"، معتبرا ان ذلك سيشكل نصرا اضافيا لحزب الله من زاوية "الحرب النفسية التي يشنها حزب الله".‏

ووجه خطابه الى الاسرائيليين بالقول "تصوروا ما يمكن ان يقوم به أبو الحرب النفسية، حسن نصر الله، بعد الفشل الاستراتيجي للقتال ضد حزب الله، اذا ما اعيد ايهود باراك الى وزارة الدفاع، الذي قاد اسرائيل الى انسحاب سريع ومرعب من لبنان، في اعقاب استنتاجه أنه ليس لدى اسرائيل خيارات للدفاع عن جنودها ومواطنيها من خلال الحزام الامني".‏

ــــــــــــــــــــــــــــ‏

" قوة حزب الله تتعاظم.."‏

التقت تقديرات قسم الابحاث في وزارة الخارجية الاسرائيلية وضمن أطر الاجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية على تقدير يفيد بأن مكانة حزب الله في لبنان تسير في حالة تعاظم وصلت الى حد عدم استبعادها ان يرأس الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الحكومة اللبنانية خلال العقد المقبل.‏

مستندة في ذلك إلى معطيات النمو السكاني لدى الشيعة، حيث "يقدرون في إسرائيل أنه خلال عشر سنوات ستبلغ نسبة الشيعة اللبنانيين من مجمل السكان 50%"،‏

وفي هذا الاطار نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلاً عن جهات إسرائيلية، اجواء القلق التي تسود القيادات في اسرائيل جراء تعزز القوة السياسية لحزب الله في لبنان، واشارت ضمن هذا الاطار الى "مداولات أجريت مؤخرا في وزارة الخارجية والمؤسسة الأمنية الاسرائيليتين، طرح فيها تقدير يرى أن حزب الله سيصبح في غضون عشر سنوات أكبر قوة سياسية في لبنان، بل يمكنه أيضاً أن يشكل الحكومة اللبنانية".‏

وفي سياق متصل كان وزير الشؤون الاستراتيجية في الحكومة الاسرائيلية، افيغدور ليبرمان اليميني المتطرف، قد حذّر من سيطرة حزب الله وحلفاؤه على لبنان معتبرا ان حصول ذلك "امر حتمي"، وان "المسألة مسألة وقت". وتوقع ان يتحقق ذلك ضمن "مدى زمني لا يتجاوز العام أو العام ونصف العام"، واضعا الأمر في سياق "تغيير تام يتجه نحوه الشرق الأوسط". موضحا كلامه بأن "الخطر الأكبر الذي لا ينبغي أن نتيه عنه هو نشوء تواصل لهلال شيعي يضم إيران والعراق وحزب الله في لبنان"، مضيفا "نحن نتعامل مع وضع جديد في منطقتنا، في مواجهة دول ليست بدول، ومقابل منظمات ليست دولا".‏

وقدر ليبرمان "أن العراق لن يصمد كدولة وسيتحول هو ولبنان الى رافعتين لمصلحة إيران. فالعراق سيتحول إلى قاعدة إيرانية إضافة إلى أخرى متقدمة في لبنان مع قاعدة متقدمة أيضا في قطاع غزة"، معتبرا أن "هذه هي الخريطة وهذا هو التهديد وعلينا أن نأخذ أسوأ الاحتمالات بعين الاعتبار، وان نستعد لمواجهته".‏

الانتقاد/العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير2007‏

2007-02-10