ارشيف من : 2005-2008

حزب الله والتيار الوطني الحر بعد عام على التفاهم:تحالف الأصفر والبرتقالي لإصلاح الحكم ومقاومة الهيمنة

حزب الله والتيار الوطني الحر بعد عام على التفاهم:تحالف الأصفر والبرتقالي لإصلاح الحكم ومقاومة الهيمنة

مركبات اللونين الأصفر والبرتقالي لتشاهدهما بعد أشهر قليلة جنباً الى جانب في مواجهة العدوان الاسرائيلي ونتائجه، ومن ثم في مواجهة مفتوحة مع الفريق الحاكم كركنين أساسيين في المعارضة الوطنية.‏

ربما يصح القول بعد عام من توقيع الوثيقة انها مهدت الطريق لقيام جبهة معارضة وطنية واسعة هدفها الاصلاح في الحكم ومقاومة الوصاية الاجنبية التي طبعت نهج الفريق الحاكم وهيمنة قوى 14 شباط.‏

الوثيقة السياسية التي ذيّلت بخط يد كل من الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون جاءت يومها بعد اشهر من اللقاءات والاجتماعات المتواصلة بين الفريقين لإنضاجها، ولتكون بمستوى المؤمل منها وهو "سيادة لبنان وحمايته واستقلاله وبناء الدولة التي تحمي الجميع وترعاهم وتحل مشاكلهم".. كما شرح السيد نصر الله عقب توقيع الوثيقة في كنيسة مار مخايل بين الضاحيتين الشرقية والجنوبية لبيروت.‏

وعلى الرغم من كل المحاولات التي هدفت الى محاصرة مفاعيل الوثيقة على الحياة السياسية لا سيما في الشارع المسيحي فقد فشل خصوم الفريقين في بلوغ هدفهم مع أنهم توسلوا كل الطرق بما فيها الاستهداف المباشر للتيار الوطني الحر كما جرى عقب اغتيال الوزير بيار الجميل ويوم الاضراب العام في 23 كانون الثاني الماضي.‏

بعد عام على وثيقة التفاهم التاريخية بين التيار الوطني الحر وحزب الله هنا قراءة تقويمية لهذه التجربة الاولى على ساحة العمل الوطني من خلال لقاءين مع عضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب والمسؤول الاعلامي في التيار الوطني الحر أنطوان نصر الله.‏

من الواضح أن من يقرأ الساحة السياسية بطرفيها قبل وبعد التفاهم لا بد أن يلمس بيده مدى التقدم الذي حققته هذه الوثيقة على الساحة العامة، لان الغاية من التوصل إلى هكذا صيغة، كما أكد العماد عون في حينه هي "الالتقاء حول الايجابيات وبناء لبنان".‏

إذاً في المسألة الأولى، كان هناك نوع من انعدام الثقة بين الساحة المسيحية وحزب الله، على حد وصف عضو المجلس السياسي لحزب الله غالب أبو زينب، و"كان هناك كثير من الأمور المضللة بين الطرفين، وفرضيات مسبقة، وتصورات لا تمت إلى الواقع بصلة، منها ما هو موروث من الحرب الأهلية، ومنها ما له علاقة بالأداء الإعلامي الذي كان يوجه ضد المقاومة".‏

هذه النظرة "المشوهة" لحقيقة الأمور عمل "التفاهم" على معالجتها معالجة جذرية، وانتقل بها "برفق" إلى "علاقة واقعية منطلقة من أسس ثابتة، وفي مقدمها الحديث عن الديموقراطية التوافقية التي أخذت حيزا كبيرا من النقاش السياسي في حينه، باعتبار أن من شانها إعطاء الضمانة للشركاء في الوطن، ولدورهم في تكوينه، لا لإقصائهم بفعل تفاعلات لها علاقة بالواقع السياسي الداخلي أو بالامتدادات الخارجية لها"، كما يؤكد أبو زينب، ويضيف "وضعنا المدماك الأول في بناء الدولة الحديثة، توطئة لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان".‏

ولعل ما يجب التوقف عنده ملياً هو أن "التفاهم" وضع الإصبع على الجرح، أي "على الهواجس التي كانت تنتاب الشارع المسيحي، خاصة في السؤال عن دوره، لان هناك من كان يعمل على تغذية مفهوم سياسي خطير، ويدفع باتجاه المركزية السياسية، واعتبار أن هناك قطبا أوحد على الساحة الداخلية، والآخرين مجرد أفلاك يحدد دورهم وفق ما يرتئيه هذا القطب الذي يختصر بنفسه هذه المركزية، إلا أن التفاهم جاء ليثبت أن حزب الله يريد بناء لبنان قوي، وبشراكة كاملة مع الجميع، وعلى أسس حديثة خالية من الفساد والمحسوبيات، وبالاعتماد على معايير العدالة والكفاءة والجدارة والنزاهة".‏

والواضح أن الوثيقة ببنودها العشرة قدمت خلاصة هامة على مدى التزام الطرفين في تطبيقها، وابعاد شبح "المقولات" التي سيقت (في جزء منها) ضد حزب الله، وتحديداً في موضوع العلاقة اللبنانية السورية، ويقول أبو زينب في هذا المجال "كان هناك جو سياسي تحريضي يقول إننا نريد أن نلحق لبنان بسوريا، إلا أن إدخال بند على التفاهم تحت هذا العنوان خالف كل التوقعات، وذلك بتأكيدنا أننا نريد علاقة ندية مع سوريا قائمة على الاحترام المتبادل، والتأكيد على كل الظروف التي تجعل البلدين كاملي السيادة والاستقلالية".‏

لا هواجس‏

هذه التفاهمات حدت بالشارع المسيحي وتحديدا العوني لأن يتلقف هذه الوثيقة بكثير من الارتياح، وان يصل إلى استنتاج واحد وهو كسر الحاجز النفسي الذي جرى "رفعه" قبل إعلان هذه الوثيقة، والدليل على ذلك بحسب أبو زينب "سرعة الاستجابة من قبل الناس، التفاعل والتواصل، إضافة الى أنها استطاعت أن تمنحهم حصانة داخلية بعيدة عن الهواجس المتبادلة التي جرى ضخها في وقت سابق، لا سيما فيما يعنى سلاح المقاومة، عندما اكدت الوثيقة أن هذا السلاح لا يمكن أن يوظف في الداخل، ولا يمكن أن يستخدم لغير الدفاع عن لبنان، وانه أحد عناصر القوة للبنان في مواجهة الإسرائيلي".‏

الديموقراطية التوافقية، العلاقة اللبنانية ـ السورية وسلاح المقاومة، هذه الاقانيم الثلاثة شكلت برأي أبو زينب "المدخل الطبيعي لاطمئنان الطرف الآخر على واقعه السياسي بعدما كانت بمثابة عناصر توتر وقلق دائمين".‏

واللافت انه وخلال مرحلة التطبيق الفعلي لم يكن واحد من الطرفين هو المستفيد من التفاهم إنما "يستطيع الطرفان أن يدعيا أنهما أوجدا ظروفاً ومناخات جديدة أدت إلى صياغات يستفيد منها كلا الطرفين، كما الساحة اللبنانية عموماً"، يقول أبو زينب رداً على من يأخذ على التفاهم انه لم يحقق شيئاً حتى في المسألتين اللتين اعتبرهما العماد عون مكسبين له: عودة المعتقلين من السجون السورية، وعودة الفارين من فلسطين المحتلة، ويشرح "حاولنا والتيار استرداد بعض الذين هم في فلسطين المحتلة، لكن جهات سياسية محلية دخلت على الخط وحرضت هؤلاء على عدم العودة لقاء إغرائذهم بالعودة بعفو عام!". أما المعتقلون في سوريا، "فقد عملنا على هذه الخطوة إلا أن الأوضاع السياسية والتوترات التي أدخلتنا فيها الحكومة اللاشرعية أفشلت هذه الانطلاقة".‏

تفاهم عميق‏

ويؤكد أبو زينب أن التفاهم قد اشتدد "عوده" عندما خرج من تجربة عدوان تموز/ يوليو أكثر صلابة وقوة، ذلك "أن التفاهم منع الإسرائيلي أن يستغل الساحة اللبنانية التي كان يراهن على اهتزازها، وأن يسكنها التململ، وان يبادر البعض ممن لهم علاقة بالإدارة الأميركية إلى إثارة النعرات الطائفية بهدف إعاقة حركة المقاومة، لكن تبين أن هذه الساحة على تفاهم عميق مع المقاومة من خلال احتضان أهلنا الذين نزحوا بفعل العدوان الإسرائيلي المدمر".‏

المؤشرات الايجابية التي رصدها أبو زينب لمسها التيار الوطني الحر من خلال متابعته الدقيقة لتطبيق التفاهم الذي انتقل وبسرعة قياسية من مستوى القيادات إلى القواعد الشعبية، على ما يقول المسؤول السياسي في "التيار" أنطوان نصر الله، ويعزو ذلك لسببين:‏

الأول صدق قيادة حزب الله في التطبيق الحرفي للوثيقة، والثاني استرخاء الساحتين السياسية والاجتماعية اللتين يتشكل منهما هذان القطبان.‏

ولأن الجانبين لم يفكرا لمرة واحدة في أن تكون الوثيقة مجرد خطوات سياسية قابلة "للسقوط" مع تقادم الزمن، فجاءت على حد رأي نصر الله لـ"تصلح لكل زمان ومكان ولتجيب عن كثير من الأسئلة التي شكلت مع الوقت مصدر قلق، ومن أبرزها: السلاح الفلسطيني، العلاقة اللبنانية ـ السورية، الديموقراطية التوافقية، النظرة إلى قانون انتخاب عادل ونزيه، العمل على خروج اللبنانيين من السجون السورية والإسرائيلية، وسواها من النقاط التي تحتاج إلى إجماع لبناني". وهنا لا بد من الإشارة إلى "أن التفاهم الحاصل أسس لطاولتي الحوار والتشاور بين الافرقاء المتخاصمين على قاعدة أن الحوار هو السبيل الوحيد لإيجاد الحلول للازمات التي يتخبط فيها لبنان".‏

الدولة العادلة والنزيهة‏

وعليه يلفت نصر الله إلى "أن الطرفين وإن أمنا غطاءً سياسياً للبنود التي تم التوافق عليها، إلا أنها بالمعنى التنفيذي هي من صلب مهام وصلاحيات الحكومة، كون البنود تتركز بمعظمها حول مواضيع أساسية ومصيرية تهم جميع اللبنانيين، وهذا ما ظهر من خلال دعوة الفرقاء الآخرين إلى الانضمام إلى الوثيقة، ودحض ادعاء البعض من أن الاخيرة مجرد انقلاب سياسي على الوضع العام في البلاد".‏

وأخيراً ماذا عن الكلام "المسموم" الذي يجري "نفخه" في الساحة من أن "الورقة" حركت حساسية بالغة عند المسيحيين على قاعدة أن طائفة مسلحة لا يمكن أن تحمي طائفة عزلاء؟ يجيب نصر الله قاطعاً "لسنا طالبين حماية أحد، حمايتنا تؤمنها دولة عادلة، قوية ونزيهة".‏

حسين عواد‏

الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير2007‏

2007-02-10