ارشيف من : 2005-2008

توقيع الأمم المتحدة مشروع المحكمة يدفع باتجاه "جلسة مكاري".. وحافة الهاوية

توقيع الأمم المتحدة مشروع المحكمة يدفع باتجاه "جلسة مكاري".. وحافة الهاوية

الهادفة إلى إيجاد حل للأزمة السياسية المتفاقمة في لبنان، خصوصاً تلك الحاصلة على خط السعودية وطهران. وبدا واضحاً للعيان أن أطرافاً دولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا تسعيان إلى إفشال أي محاولة لإحداث ثغرة في جدار الأزمة، لأن الهدف الكبير لهما هو إيصال البلد إلى الفتنة الداخلية والحرب الأهلية في سياق المشروع الأوسع في المنطقة، الهادف إلى إثارة الفتن بين السنة والشيعة على امتداد العالمين العربي والإسلامي لمنع انهيار المشروع الأميركي والصهيوني في المنطقة.‏

برغم الأجواء التشاؤمية التي سادت خلال الأيام الأخيرة، فإن الجهود السعودية الإيرانية الهادفة إلى حل الأزمة لم تتوقف، لكنها تشهد مراحل من المد والجزر والمراوحة في بعض الأحيان، ومرد ذلك بحسب الأوساط المتابعة أن هذه المساعي تتجاوز إطار الساحة اللبنانية إلى ما هو أوسع باتجاه المنطقة، تفادياً للفتنة بين المسلمين. وتذكر المصادر بما بات مؤكداً لدى جميع الأفرقاء، أن مساعي الرياض وطهران أحرزت في مرحلتها الأولى تقدماً جوهرياً لحل الأزمة السياسية في لبنان على أساس تشكيل حكومة وحدة وطنية وتأجيل إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي إلى ما بعد انتهاء التحقيق في هذا الملف. وقد حمل أمين مجلس الأمن القومي السعودي بندر بن سلطان هذه المحصلة إلى كل من واشنطن وباريس، وجاء الرد سريعاً على هذا الاتفاق عبر بيان الرئيس الأميركي جورج بوش الذي دعا إلى محاسبة حزب الله، وموقف وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي قبل أيام الذي عبّر عن الوجه السافر للتدخل الفرنسي في الشؤون الداخلية للبنان، من خلال الدعوة إلى عدم إعطاء المعارضة اللبنانية الثلث الضامن في الحكومة. وأمام هذا الواقع الدافع نحو استمرار الأزمة ومفاقمتها من قبل واشنطن وباريس على الساحة اللبنانية، كانت المبادرة العربية تستمر في غيبوبتها، وهي لم تحمل أي عناصر جديدة تدفع باتجاه عودة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى بيروت لإحداث اختراقات. وهذا ما حدا بالأخير إلى إيفاد مدير مكتبه هشام يوسف إلى بيروت في سياق استطلاع المواقف. وهو لهذه الغاية التقى عضو كتلة التنمية والتحرير النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل ورئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة وعدداً آخر من ممثلي فريق السلطة. وحسبما رشح من أجواء فإن مبعوث موسى لم يحمل معه أي جديد يمكن أن يساهم في دفع الأمور نحو الحلحلة، وأن جلّ ما ركّز عليه هو المطالبة بعقد لقاءات مباشرة بين طرفي الأزمة، وهو ما ترفضه المعارضة اذا لم يكن في سياق حلول حقيقية، لأن عدم الاجتماع أفضل من الاجتماع الذي يخرج بفشل. وفي هذا السياق يأتي رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري لقاء السنيورة برغم إلحاح السفراء وغيرهم على هذا الأمر، وعدم تلقي رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون اتصالاً من الأخير، لأن الهدف من هذا التواصل هو قيام فريق السلطة بعملية التفافية على الواقع المأزوم على مختلف الصعد والإيحاء بأن الأمور في البلد على ما يرام وصولاً إلى الجولة الجديدة من التصعيد في منتصف آذار المقبل.‏

الأوساط المتابعة تشير إلى أن واشنطن وباريس تعملان على دفع الأمور باتجاه حافة الهاوية على الساحة الداخلية في المرحلة المقبلة، وقد برزت مؤشرات ذلك على أكثر من صعيد.‏

أولاً: من خلال مواصلة التحضيرات لفتنة داخلية عبر التجهيز المتواصل لميليشيات السلطة وتهيئتها لخوض حرب أهلية. وقد تجلى أحد المظاهر من خلال ما جرى من قبل ميليشيا المستقبل في الجامعة العربية والممارسات الميليشياوية للقوات اللبنانية في المناطق المسيحية، اضافة إلى استعدادات الحزب التقدمي الاشتراكي في الجبل وتحريض رئيسه وليد جنبلاط بشكل متواصل على إحداث فتنة بين السنة والشيعة. وتلفت المصادر في هذا السياق إلى أنه لم يعد خافياً أن الحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية حصلا على كميات كبيرة من الأسلحة خلال عدوان تموز نقلتها طائرات مروحية صهيونية وأنزلتها في أكثر من منطقة في الجبل، فضلاً عما يأتي مباشرة عبر المطار والمرفأ. وتلفت المصادر إلى أن المساعدات المالية المباشرة التي حصل عليها فريق السلطة من مؤتمر "باريس ـ 3" والتي تتجاوز مليار دولار، تأتي في سياق تعزيز الحالة الميليشياوية لفريق السلطة في مواجهة تحرك المعارضة، وتشبه هذا الأمر بالأموال التي أفرجت عنها حكومة العدو للسلطة الفلسطينية كي يجري توظيفها في مواجهة حركة حماس من خلال الحرب الأهلية في غزة، وهنا في لبنان يجري الأمر نفسه.‏

ثانياً: بات واضحاً أن الملف الساخن الذي تسعى واشنطن إلى استخدامه لتفجير الوضع الداخلي هو ملف المحكمة الدولية، حيث بادرت إلى رفض جميع الصيغ التي يجري العمل لإعدادها لمنع تحويل المحكمة من محكمة سياسية تستهدف قوى سياسية داخلية ودولا عربية إلى محكمة جنائية لمحاسبة قتلة الرئيس رفيق الحريري. الدفع الأميركي نحو التصعيد عبر فريق السلطة تمثل خلال الأيام الأخيرة بالرسالتين اللتين أرسلهما رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ويدعو فيهما إلى إقرار المحكمة وفق الفصل السابع، واتهامه رئيس مجلس النواب نبيه بري بتعطيل إقرارها في مجلس النواب.‏

وجاءت الخطوة الثانية من خلال توقيع الدوائر الرسمية في الأمم المتحدة قبل يومين على مشروع المحكمة الذي أحالته اليها الحكومة الفاقدة للشرعية قبل نحو شهر لإعادته مجدداً إلى لبنان "لإقراره وفق الأطر الدستورية"، ليصبح ساري المفعول. وهنا تلفت المصادر إلى أن فريق السلطة بات يعمل على تقطيع الوقت حتى موعد بدء الدورة العادية لمجلس النواب بعد الخامس عشر من آذار المقبل، ليعمد حينها إلى عقد جلسة عامة لمجلس النواب برئاسة نائب رئيس المجلس فريد مكاري خارج مقر المجلس لإقرار مشروع المحكمة. وهذه خطوة اذا حصلت ستدخل البلاد في المجهول، لأنها تكون الضربة القاضية للمؤسسات الدستورية واتفاق الطائف، وهو ما حذّر من مغبة حصوله مراراً كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله، لأنه يعيد البلاد إلى ما قبل مرحلة اتفاق الطائف.‏

في هذه الأثناء استمرت قوى المعارضة في تحركها السلمي الهادف إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون برنامجها إعداد قانون انتخاب عادل وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، وهي أكدت استمرار الاعتصام السلمي المفتوح في وسط العاصمة، محذرة من أي تصرف ميليشياوي ضد المعتصمين بعدما حاول فريق السلطة التهويل عبر الحديث عن إزالة الاعتصام بالقوّة.‏

وتواصل المعارضة اجتماعاتها التقييمية للمرحلة الراهنة والمرحلة المقبلة، وتؤكد مصادرها أنها مستمرة في خطواتها السلمية التي لم تستنفد بعد برغم التحركات الكبيرة سابقاً. وتؤكد مصادرها أنها نجحت مؤخراً في تعطيل جزء كبير من المسعى السلطوي المدفوع بأمر أميركي نحو الفتنة الداخلية، وإعادة تصويب البوصلة والتأكيد أن المشكلة في البلد سياسية وليست مذهبية.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير 2006‏

2007-02-10