ارشيف من : 2005-2008
الجمهورية الاسلامية تواكب قضايا المنطقة الساخنة بثقة وتأهب وعُدّتها الحكمة وطول النفس والتعاون الإقليمي ودعم خيارات الشعوب
الملفات الساخنة من حول ايران: في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين، مروراً بالملف النووي.
وهذا الهدوء اللافت في مظهر المسؤولين في الجمهورية الاسلامية هو سمة ملازمة لحكمة تبدو أداة ضرورية في التعامل مع قضايا مصيرية لإيران كما للمنطقة.
وبخلاف الأجواء التي تتناول ايران باتهامات من الجانبين العربي والاميركي، يحرص المسؤولون في الجمهورية الاسلامية على وضع النقاط على الحروف، في وقت يعمل المحور الاميركي وحلفاؤه على وضع العالم العربي في مواجهة ايران، تماماً في استعادة للأحداث التي تلت انتصار الثورة الاسلامية عام 79، وصولاً إلى احتفال الثورة اليوم بذكراها السابعة والعشرين.
ويشدد المسؤولون على مبادئ عدة أبرزها:
- الحفاظ على الاستقرار الاقليمي لانه مرتبط باستقرار ايران.
- نسج علاقات طيبة مع الدول المجاورة ولا سيما العربية منها.
- العمل لإزالة الاحتلال الاجنبي والاميركي تحديداً لأنه يهدد أمن الجميع.
- احترام خيارات شعوب المنطقة.
- دعم حركات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.
ويفسر المسؤولون الايرانيون سر الهجمة الاميركية المركزة على إيران قائلين: ان الادارة الاميركية تريد تحميل الآخرين مسؤولية فشلها في مشروعها الأساسي في فلسطين ثم في العراق، ويضيفون انها تريد ممارسة المزيد من الضغوط على ايران لدفعها الى القبول بمفاوضات مع اميركا، وهو الامر الذي تمنعت عنه طهران طيلة فترة ما بعد انتصار الثورة الاسلامية لمعرفتها بمحاذير العلاقة مع واشنطن.
العراق: احتواء الأزمة:
يقول المسؤولون الإيرانيون ان أحداث العراق تعود الى الساحة الداخلية العراقية، ويرفضون بالتالي كل حديث عن تدخل ايراني في شؤون هذا البلد، انطلاقاً من احترام خيارات الشعب العراقي. لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الجميع في العمل لإيجاد صيغة تعاون اقليمي بشأن تعزيز استقرار العراق، لانه من أمن ايران ودول الجوار. ويدرج المتحدث باسم الخارجية محمد علي حسيني في هذا الاطار اجتماعات وزراء الخارجية والداخلية للدول المجاورة واللقاءات المتواصلة على غير مستوى.
ويؤكد وزير الارشاد صفار هرندي ان الجمهورية الاسلامية تبذل جهودا يومية لاحتواء الأزمة في العراق، ولها صِلات مع جميع الاطراف.
ويرى الايرانيون بوضوح ان اميركا لا تريد استقرار العراق، لأجل الإبقاء على وجودها العسكري في المنطقة للسيطرة على مصادر الطاقة والحفاظ على امن "اسرائيل".
ويقول أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني ان ايران عارضت غزو اميركا للعراق لأنه كان يهدف الى السيطرة على الشرق الاوسط وليس فقط اسقاط نظام صدام حسين.
ويضيف: اذا كانت اميركا تريد اقامة ديمقراطية في العراق، فالعراقيون اختاروا مجلس نوابهم وحكومتهم، وبالتالي فلتتركهم يديرون شؤونهم. ويشدد على دعم حكومة وحدة وطنية في العراق، لافتا الى ان الكثير من الدول لم تقدم الدعم لهذا البلد لاستعادة عافيته.
"الهلال الشيعي": قصة عربية:
أما ما يحكى عن طموح ايران للسيطرة على المنطقة بعنوان مذهبي او قومي، فينفيه المسؤولون الايرانيون نفياً قاطعاً. يقول لاريجاني: قضية الهلال الشيعي مجرد قصة ليست محل اهتمامنا، فنحن لدينا قضية التقريب بين الشيعة والسنة، ونحن ندعم التيارات المتنورة لمواجهة "اسرائيل".
ويقول بصراحة: هناك تيار يعمل لبث الفرقة بين الشيعة والسنة، الملك الأردني عبد الله الثاني تحدث عن الهلال الشيعي، ثم تحدث الرئيس المصري مبارك عن الامر، وخلال زيارتي القاهرة قال لي الرئيس مبارك ان تصريحاته بهذا الصدد حُرفت، كذلك هناك بعض العلماء في السعودية تطرقوا الى هذا الموضوع.
ويردف قائلاً: علاقاتنا مع الدول العربية ليست قائمة على أساس قومي، فالدول العربية بما انها اسلامية فهي عزيزة علينا، ولا نتعامل مع الدول العربية بلعبة الشطرنج.
ويبدي شعوراً "بالسعادة لأن السعودية والدول الاخرى في المنطقة لديها ادراك بأن الامر ليس نزاعاً عربياً - ايرانياً، وانما يعود الى أيادٍ خارجية".
ويؤكد "اننا لا نريد ايجاد الصراع في بلد آخر، كما تفعل اميركا".
ويقول لاريجاني أن محادثاته أخيرا مع الملك السعودي في الرياض تناولت ثلاثة محاور: تطوير العلاقات الثنائية، التعاون في حل القضايا الاقليمية، بما في ذلك الاختلاف بين السنة والشيعة الذي اختلقه أعداء الاسلام، وكانت آراء الجانبين متفقة على تعزيز الوحدة، اضافة الى القضايا الدولية ومن ضمنها الملف النووي. ويوضح ان وجهات النظر كانت متقاربة واتُفق على متابعة المشاورات.
لبنان: المقاومة والدولة:
تشددُ طهران في مقاربتها للوضع اللبناني على ثوابت عدة: بناء علاقات وثيقة مع الدولة اللبنانية خدمة للمصالح المشتركة، والانفتاح على الاطراف المحلية المختلفة، والابتعاد عن لغة المَحاور الظرفية.
على ان ثابتةً اهم تحكم هذه المبادئ جميعها، وهي مساندة خط الممانعة والمقاومة امام الاحتلال الصهيوني والهيمنة الاميركية. ولذلك يرى المسؤولون الايرانيون ان توثيق علاقات بلادهم بسوريا ينطلق من هذه الخلفية، ولا يأتي على حساب العلاقة مع لبنان، في فترة التوتر التي تلت خروج القوات السورية من لبنان.
ولبنان كان ضمن المحادثات بين لاريجاني والمسؤولين السعوديين، "فالمقاومة أمام "اسرائيل" أدت الى عزة العرب والمسلمين، ومن الطبيعي ان يحظى هذا الموضوع باهتمامنا واهتمام السعودية"، كما يقول أمين مجلس الامن القومي في ايران. ويضيف: "لدينا رغبة مشتركة مع السعودية في حل المشكلة الداخلية في لبنان، حيثما توجد إمكانية لذلك. نحن لم نقدم خطة بشأن لبنان. نريد أن يكون لبنان بلداً مستقراً وندعم أية مبادرة لكي تكون هناك حكومة قوية وقادرة. واللبنانيون قاموا بخطوة جيدة لتغيير الظروف".
وينظر المسؤولون في الجمهورية الاسلامية بتقدير كبير الى الجهود التي تُبذل من أطراف مختلفة لحل الأزمة الناشبة في لبنان، وهم يباركون هذه الجهود ويُبدون استعداداً غير محدود للمساهمة في الحل، غير أنهم يشددون على ان اللبنانيين هم من يجب أن يقرر في نهاية الأمر ماذا يريدون، ولا أحد على الاطلاق في هذا العالم قادر على فرض ما يريده عليهم ما لم يريدوا هم ذلك. وهذه النقطة بالذات ينطلق منها المسؤولون في طهران للإشارة الى أن الجهود الخارجية يجب أن تنصب على التقريب بين اللبنانيين وليس الدخول في معترك الخلافات اللبنانية لتغليب طرف على آخر.
ولا تفوت المسؤولين في طهران الاشارةُ الى ان تدخلات اجنبية تسهم في اذكاء النزاع الداخلي في لبنان بدل تطويقه.
وبالنسبة لمبادرة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، يوضح المسؤولون الايرانيون انهم ابلغوا موسى دعمهم لما يتفق عليه اللبنانيون وعدم تدخلهم في التفاصيل التي تبقى شأناً لبنانياً خاصاً يتحمل اللبنانيون بالدرجة الاولى تبعاته سلباً او ايجاباً.
ويصارح المسؤولون في طهران ضيوفهم بأن لحزب الله شخصية مستقلة في تقرير موقفه من الوضع اللبناني، ويدعون الى تفهم هذه النقطة التي لا يريد الكثيرون الاقرار بها، ويضيفون ان علاقة حزب الله مع سوريا ايضا كانت مبنية على هذا القرار المستقل حتى خلال فترة الوجود العسكري السوري في للبنان، فكيف في غيابه؟
ويشدد المسؤولون في طهران على ضرورة النظر الى المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي باعتبارها قضية مبدئية فوق جميع الخلافات، وخصوصاً انها قدّمت للبنان والعرب والمسلمين انجازاً تاريخياً.
وفي نظرة الى الظروف التي استجدت في لبنان اخيراً، يقول لاريجاني: "ان اميركا أرادت بعد انتصار حزب الله على "اسرائيل" الصيف الماضي التشويش على هذا الانتصار من خلال بث الفرقة بين السنة والشيعة، ما قام به حزب الله زاد من عزة لبنان والعرب، بحيث ان أحد القادة الاوروبيين قال لي ان هزيمة الاميركيين والاسرائيليين كبيرة الى حد ان اولمرت تحول الى جنازة سياسية. بعض الدول أخطأت خلال الحرب بحيث لم تقدم الدعم الى لبنان، كما أخطأت جهات لبنانية في حساباتها. والآن بما ان القضية انتهت، فعلى الجميع ان يعتبروا ان هذا انتصارهم أيضاً وان لا يهربوا الى الأمام".
ويلفت لاريجاني الى أن دعم الجمهورية الاسلامية للمقاومة في لبنان نابع من قداسة القضية المطروحة، ولهذا فإن ايران تدعم حركة حماس من دون اي اعتبار مذهبي أو قومي.
عن القرار 1701 الذي أنهى الحرب الاسرائيلية على لبنان، يقول لاريجاني ان بعض اجزاء القرار في مصلحة لبنان، وبعضها الآخر ليس كذلك، ويجب ان يعالج في الاطار اللبناني، وايران تدعم ما تقرره حكومة وحدة وطنية.
أما عن رؤية ايران لمستقبل الأزمة اللبنانية، فيؤكد الايرانيون ان ليس هناك دافع للحرب الاهلية، ويدعون الى عدم تشبيه الوضع في لبنان بالوضع في العراق، بسبب اختلاف التركيبة الاجتماعية وطبيعة التجربة السياسية الداخلية في البلدين.
المسؤولون يلفتون الى ان بعض الأطراف في لبنان يطلق النار على ايران بمناسبة ومن دون مناسبة، فيما هم يطالبونها بالقيام بدور يصب في تحقيق رؤاهم، ويتساءلون عما اذا كان هناك بالامكان القيام بأي مبادرة وسط هذا الجو التحريضي.
وبالنسبة للعلاقة مع النائب وليد جنبلاط، يقول معاون وزير الخارجية الدكتور مصطفوي انه اذا "كان جنبلاط يريد استقطاب مساندة ايران لحل الازمة، فإننا نعتقد ان أسلوبه غير صحيح، وعليه ان يغيّر أسلوبه الذي هو بمثابة صراخ لا يسهم في حل الازمة"، ويشير الى ان بإمكان جنبلاط ان يقوم بدور بنّاء، لكن تصريحاته بحق الجمهورية الاسلامية تحمل "سمات تخريبية" ولا تترك مجالاً لفهمه في طهران.
أما الرئيس فؤاد السنيورة فهو حاول استقطاب دعم ايران لتصوره بشأن وضع مزارع شبعا، في حين نأت طهران بنفسها عن الأمر باعتباره امراً ينبغي ان يتفق عليه اللبنانيون، والسنيورة هو من أصر على الحصول على موقف من وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي في بيروت بهذا الخصوص، وقد أبلغه الاخير ان ايران تدعم ما يُجمع اللبنانيون عليه. لذلك فإن السنيورة أخطأ في تصريحه بشأن موقف ايران من وضع مزارع شبعا تحت وصاية الامم المتحدة. ولذلك يدعو المسؤولون الايرانيون الى عدم وضع ايران في الواجهة، فهي عامل تقريب وليست طرفاً".
ويشير مسؤول ايراني بارز الى ان العلاقة مع النائب سعد الحريري لم تتطور كثيراً، وقد وعد الحريري بالاستجابة لدعوة من الوزير متكي نقلها خصوصاً اليه مسؤول دائرة الشرق الاوسط في الخارجية اصغر محمدي لزيارة طهران، لكنها لم تحصل بعد.
ويشدد المسؤولون في طهران على ان مساعداتهم الحكومية تمر عبر الحكومة اللبنانية، وهي قدمت وستقدم مساعدات كثيرة تصل الى حدود مئة مليون دولار لإعادة اعمار ما دمره العدوان الاسرائيلي. في حين ان هناك دولاً لم تترجم وعودها بشأن المساعدات.
* الملف النووي: "القصاص قبل الجريمة"!
تنظر ايران بريبة كبيرة الى الحركة الاميركية في شأن ملفها النووي، يقول علي لاريجاني: "قرار مجلس الامن الذي يفرض عقوبات على ايران بسبب برنامجها النووي اتُخذ برغم التوافق مع خافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي لمواصلة المحادثات بهذا الشأن، واتصل سولانا بي على اثر صدور القرار وأبلغني انه لا يؤيد القرار، معتبراً ان هناك مخربين سعوا الى استصداره". ويضيف: أبلغْنا سولانا عن استعدادانا لمواصلة المباحثات بشرط ان تكون لديه صلاحيات.
ويتساءل: "اي قانون دولي يجيز القصاص قبل حصول الجريمة؟ لقد سألتُ الامين العام للامم المتحدة كوفي انان: ما هو الدليل على تصنيع ايران سلاحاً نووياً، فالتزم الصمت واكتفى بالحديث عن قلق تجاه المستقبل".
ويقول لاريجاني بثقة: "لا نقبل ان يسلط أحد العصا الغليظة علينا، هم غادروا طاولة المفاوضات، فماذا نفعل لهم. أبدينا استعدادنا لتقديم ايضاحات، وكان لدينا قلق وكان لديهم قلق ايضاً، وعملنا لإزالة القلق في الاتجاهين. لكن هدفهم كان منع ايران من حق تخصيب اليورانيوم".
ويشبّه لاريجاني الحوافز التي تحدث عنها الغرب لإيران بأنها مثل إعطاء الشوكولا مقابل شيء غالٍ وثمين.
أما عن احتمالات المستقبل، فيشير الى ان ايران تقوم بإدارة الوقت ولن تدع الاميركيين يصلون الى اهدافهم في ما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني.
ويقول: سنقوم بتغيير الظروف في سبيل ذلك.
لكن طهران لا تخفي ضمناً احتمال قيام الادارة الاميركية بمغامرات عدوانية إزاء ايران. وتشير في هذا السياق الى رفع الحظر المالي عن أرصدة منظمة "مجاهدي خلق" الإرهابية. ويقول لاريجاني: اي مغامرة اميركية جديدة ستكون مصيرية بالنسبة لاميركا بعد الهزائم التي لحقت بها في أفغانستان والعراق ولبنان.
الا ان رئيس لجنة السياسة الخارجية في مجلس الشورى علاء الدين بروجردي يبدو متفائلاً أكثر، قائلاً: "لا نعتبر التهديد العسكري جدياً، أما بالنسبة للعقوبات فنحن نعيش الحصار الاقتصادي منذ 28 عاماً. نحن متأقلمون مع الحصار، وهو أدى الى تطور تكنولوجي في ايران، وكانت له بركات علينا". ويلفت الى عمليات التصنيع الجارية في ايران في ميادين عدة، ومنها طائرة ركاب مدنية. كما اشار الى حاجة البلاد الى عشرين ألف ميغاواط من الطاقة الكهربائية خلال السنوات العشرين المقبلة، حيث تعمل على بناء مفاعلات نووية. ويشدد على معارضة ايران امتلاك قنبلة نووية، من منطلق شرعي وأخلاقي.
هذه هي طهران، تحتفل بذكرى انتصار الثورة، وتنظر إلى المستقبل آملة بتحقيق المزيد من التقدم، بعد أن لمست الكثير منه خلال السنوات السبع والعشرين الماضية.
الانتقاد/ العدد1201 ـ 9 شباط/فبراير2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018